خليل حسين محرر بموقع السفينة
على امتداد أكثر من أربعة عقود، ظلّ التوتر بين ايران ،الولايات المتحدة الامريكية أحد أبرز محددات الاستقرار في الشرق الأوسط. إلا أن المرحلة الراهنة تتسم بحساسية مضاعفة، في ظل الحديث عن مسارات تفاوضية غير مباشرة في جنيف، يقابلها حشد عسكري أمريكي ملحوظ في المنطقة. هذا التناقض بين الدبلوماسية واستعراض القوة يعكس طبيعة العلاقة المركبة بين الطرفين: تفاوض تحت الضغط، وضغط لتعديل شروط التفاوض.
أولاً: مفاوضات جنيف… اختبار النوايا
تشكل جنيف ساحة دبلوماسية تقليدية للملفات المعقدة، ومع استئناف قنوات التواصل غير المباشر بشأن البرنامج النووي الإيراني، تبدو المفاوضات أقرب إلى “إدارة أزمة” منها إلى تسوية نهائية.
الهدف الأمريكي يتمثل في تجميد أو إبطاء التقدم في تخصيب اليورانيوم، وضمان رقابة أشد، فيما تسعى طهران إلى رفع جزئي للعقوبات يمنح اقتصادها متنفسًا مرحليًا.
غير أن فجوة الثقة لا تزال واسعة. واشنطن تريد اتفاقًا أطول وأشمل، بينما تصر طهران على العودة إلى تفاهمات واضحة ترفع العقوبات عمليًا، لا نظريًا. وهنا تصبح جنيف مساحة لاختبار حدود الصبر الاستراتيجي لدى الطرفين.
ثانياً: الحشد الأمريكي في الشرق الأوسط… رسائل ردع مزدوجة
في موازاة المسار التفاوضي، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الخليج وشرق المتوسط، سواء عبر حاملات طائرات أو منظومات دفاع جوي أو انتشار بحري مكثف. هذا الحشد لا يعني بالضرورة قرارًا بالحرب، بل يهدف إلى:
ردع أي تصعيد إيراني مباشر أو عبر حلفائها الإقليميين.
طمأنة الحلفاء الخليجيين وإسرائيل.
تحسين شروط التفاوض من موقع قوة.
لكن هذا الحشد يحمل مخاطر حسابات خاطئة، خصوصًا في بيئة إقليمية مشحونة، حيث يمكن لأي حادث بحري أو استهداف محدود أن يتحول إلى شرارة تصعيد واسع.
ثالثاً: موسكو وبكين بين الدعم الحذر والحسابات البراغماتية
تلعب كل من روسيا والصين دورًا مهمًا، لكن دعمهما لطهران ليس مفتوح السقف.
روسيا تنظر إلى إيران كشريك في موازنة النفوذ الغربي، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا. إلا أنها تتجنب الذهاب بعيدًا في مواجهة مباشرة مع واشنطن بسبب الملف الإيراني، وتتعامل بمرونة مع التوازنات الإقليمية.
الصين تركز على استقرار أسواق الطاقة وحماية استثماراتها ضمن مشروع “الحزام والطريق”. وهي تفضل حلولًا تفاوضية تخفف التوتر، وتجنب المنطقة انفجارًا يضر بمصالحها الاقتصادية.
بمعنى آخر، في حال تصاعدت المواجهة عسكريًا، قد تجد إيران أن الدعم السياسي لا يتحول بالضرورة إلى مظلة عسكرية حاسمة.
رابعاً: الموقف الأوروبي… بين الوساطة والعجز النسبي
يسعى الاتحاد الاوروبي، وخاصة العواصم الثلاث باريس وبرلين ولندن، إلى إحياء مسار تفاوضي مستدام يمنع الانتشار النووي ويجنب المنطقة سباق تسلح جديد. غير أن تأثير أوروبا يبقى محدودًا، في ظل اعتمادها الأمني على واشنطن عبر حلف الناتو، إضافة إلى انشغالها بتداعيات الحرب الأوكرانية.
قد تلعب أوروبا دور “المُيسّر”، لكنها تفتقر إلى أدوات ضغط مستقلة تمكّنها من فرض تسوية متوازنة.
خامساً: الداخل الإيراني… عامل الحسم البعيد
الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات انعكست بوضوح على الشارع الإيراني، حيث تتكرر موجات التململ الاجتماعي. ومع ذلك، لا يزال النظام قادرًا على ضبط الإيقاع الداخلي عبر أدوات أمنية وسياسات احتواء مرحلية.
المعارضة الداخلية تعاني من قيود تنظيمية، بينما تبدو المعارضة في الخارج منقسمة وغير قادرة على بلورة بديل موحد. أما الأحزاب الكردية الإيرانية، فتمثل عامل توتر أمني في المناطق الحدودية، لكنها لا تشكل في الوقت الراهن تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لبنية النظام.
السؤال المركزي يظل: إلى أي مدى يمكن للنظام الاستمرار في سياسة “الصبر الاستراتيجي” في ظل ضغوط معيشية متزايدة؟
السيناريوهات المحتملة
استمرار “اللا حرب واللا سلم”
وهو السيناريو الأرجح: مفاوضات متقطعة في جنيف، يقابلها ضغط عسكري أمريكي محسوب، دون انفجار شامل.
اتفاق مرحلي محدود
تفاهم غير شامل يجمّد بعض الأنشطة النووية مقابل تخفيف محدود للعقوبات، يمنح الطرفين وقتًا لإعادة ترتيب الأولويات.
تصعيد واسع نتيجة خطأ في الحسابات
حادث أمني أو هجوم مباشر قد يخرج الأمور عن السيطرة، رغم أن كلفته الباهظة تجعل الجميع يتجنبه.
تحول داخلي تدريجي في إيران
سيناريو بعيد المدى، يرتبط بتغيرات اقتصادية واجتماعية عميقة أكثر من ارتباطه بالضغط الخارجي المباشر.
المفارقة الأساسية في المرحلة الراهنة أن الدبلوماسية تتحرك بالتوازي مع استعراض القوة. مفاوضات جنيف تعكس رغبة في تجنب الانفجار، بينما الحشد العسكري الأمريكي يؤكد أن واشنطن لا تفاوض من موقع ضعف.
في الأفق المنظور، يبدو أن منطق “إدارة التوتر” سيستمر، حيث تبقى المنطقة معلّقة بين احتمال تسوية جزئية واحتمال انزلاق غير مقصود نحو مواجهة أوسع. إنها مرحلة توازن هش، تتداخل فيها حسابات الردع مع رهانات التفاوض، فيما يظل الداخل الإيراني والمتغيرات الدولية عنصرين حاسمين في رسم المآلات النهائية.