خليل حسين محرر بموقع السفينة
على امتداد سنوات النزاع في سوريا، استفادت القوى الكردية من التحولات الميدانية ومن الشراكة التي نشأت مع الولايات المتحدة في سياق الحرب على تنظيم “داعش”، لتعيد بناء حضورها السياسي والعسكري ضمن إطار قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وقد أفضى هذا المسار إلى بسط نفوذ واسع في شمال وشرق البلاد، شمل مناطق مختلطة إثنياً وقبلياً مثل دير الزور والرقة، إضافة إلى موارد استراتيجية من النفط والمياه والمعابر.
إلا أن التطورات الأخيرة أعادت صياغة المشهد. فالعملية العسكرية التي أطلقها الجيش السوري في يناير/كانون الثاني الماضي، وما تبعها من تراجع نفوذ “قسد”، تزامنت مع خطوة أميركية ذات دلالة تمثلت في الانسحاب من قاعدة التنف، ما عكس ميلاً واضحاً نحو تقليص الانخراط العسكري المباشر وإعادة تموضع الأولويات. هذا التحول لم يُقرأ فقط كمؤشر ميداني، بل كرسالة سياسية تتصل برغبة واشنطن في تخفيف أعباء الالتزام طويل الأمد في الساحة السورية، وإعادة ترتيب علاقتها مع أنقرة ضمن توازنات إقليمية أوسع.
في هذا السياق، أعادت إدارة الرئيس دونالد ترامب النظر في مقاربتها للملف السوري، آخِذةً في الاعتبار حساسية الموقف التركي. فبالنسبة إلى تركيا، يشكل أي كيان عسكري أو إداري مرتبط بـ”قسد” على حدودها الجنوبية مصدر قلق أمني مباشر. وقد جاء الاتفاق الأخير بين “قسد” والحكومة السورية ليمنح أنقرة هامشاً أوسع للمناورة؛ إذ رأت فيه خطوة تقلص احتمالات تشكل كيان مستقل بحكم الأمر الواقع، مع الإبقاء على حقها في متابعة الترتيبات الميدانية بما ينسجم مع أولوياتها الأمنية.
أما على الضفة الأخرى من الحدود، فقد تعاملت قيادة إقليم كردستان العراق مع التطورات بحذر محسوب. فالإقليم، الذي يرتبط بعلاقات مركبة مع كل من أنقرة وواشنطن وبغداد، يدرك أن أي تصعيد واسع في شمال شرق سوريا سينعكس سياسياً واقتصادياً عليه. لذلك بدا موقفه أقرب إلى دعم تسوية تضمن قدراً من الاستقرار، وتحافظ في الوقت نفسه على الحد الأدنى من الحقوق السياسية للكرد ضمن الدولة السورية، من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع تركيا أو خسارة الغطاء الدولي.
في خضم هذه التحولات، برزت اتصالات دبلوماسية مكثفة، كان من بينها لقاءات عُقدت في أربيل بين المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك وقائد “قسد” مظلوم عبدي، أفضت إلى اتفاق 30 يناير. ووفق ما تسرّب من أوساط دبلوماسية، حملت الرسائل الأميركية مضموناً واضحاً: لا تدخل عسكرياً مباشراً لصالح “قسد”، وضرورة التكيف مع معادلة جديدة عنوانها الانخراط في ترتيبات داخلية مع دمشق.
ورغم استمرار وجود لوبيات داعمة لـ”قسد” داخل واشنطن، من بينها شخصيات في الكونغرس مثل السيناتور ليندسي غراهام، فإن الاتجاه العام بدا أقرب إلى إدارة الأزمة لا إلى توسيعها. كما عكست اللقاءات التي جرت في ميونيخ، بمشاركة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، استمرار الاهتمام الغربي بضمان حقوق الأكراد ضمن أي تسوية، لكن من دون التزام عسكري مفتوح.
في المحصلة، يبدو أن شمال شرق سوريا يدخل مرحلة إعادة تموضع شاملة، تتقاطع فيها حسابات دمشق وأنقرة وواشنطن وأربيل. فـ”قسد” لم تعد اللاعب الذي يتحرك في هامش واسع من الدعم الدولي، كما أن الدولة السورية تسعى إلى استعادة مركزيتها، فيما تحاول تركيا تثبيت معادلة أمنية جديدة على حدودها، ويوازن إقليم كردستان العراق بين تضامن قومي وحسابات واقعية.
إنها لحظة انتقالية تتراجع فيها منطق التحالفات الصلبة، لصالح تسويات مرحلية تحكمها البراغماتية وتوازنات القوى، أكثر مما تحكمها الشعارات أو الاصطفافات الثابتة.