
كانت الحرب الحالية على إيران متوقّعة، بمعنى أن التحضير لها قد وصل إلى الذروة في انتظار ساعة الصفر، وعملياً ألغت تل أبيب وواشنطن عنصر المفاجأة بجعل احتمال الحرب قائماً لفترة طويلة. وكان واضحاً أيضاً أن التجهيز للحرب يمضي بموازاة المفاوضات بين طهران وواشنطن، حيث وضعت الثانية مطلبين رئيسيين على الطاولة؛ تفكيك البرنامج النووي وتفكيك البرنامج الصاروخي. مثلما كان واضحاً أن النظام الإيراني لا يستطيع القبول بهذه الهزيمة المطلقة، ولا يستطيع حتى ابتلاع الثمن المعروض بتقديم واشنطن الوقود النووي لطهران مدى الحياة، لا لأن تعبير “مدى الحياة” غير وارد في العلاقات الدولية، لكن لأن الاعتماد على “الشيطان الأكبر” يعني انقلاب نظام الملالي على نفسه.
نظرياً، يتم تقديم الحرب بالطريقة الكلاسيكية؛ أي باحتسابها استمراراً للمفاوضات، ليكون هدفها تحقيق ما تعذّر تحقيقه دبلوماسياً. أما اللائحة التي يقدّمها ترامب للأهداف فهي تتراوح بين تحييد الخطر النووي والصاروخي الإيراني وبين تغيير النظام، وعلى عادته في الإفصاح يقول إن لديه ثلاثة مرشّحين لتسلم السلطة في طهران، مخالفاً قوله في سياق آخر الذي ينصّ على احتفاظه بالعديد من السيناريوهات لإنهاء الحرب.
واحد من السيناريوهات المجرّبة هو الإعلان عن تدمير البرنامج النووي الإيراني ونظيره الصاروخي، وقد سبق لترامب في حزيران الفائت أن أعلن عن إيقاع ضرر بالغ في الأول، وبما يكفي للقول إن المهمة أُنجزت. يبقى المؤكد بناء على تجربة الماضي القريب، وعلى التصريحات الجديدة، أن ترامب يريدها حرباً سائلة من حيث الأهداف، مع تحاشيه تقديمها كحرب مكتملة الأركان أمام الكونغرس والرأي العام الأميركي.
وبغياب هدف نهائي معلن، يصبح مفهوماً أن تكون حرباً سائلة زمنياً، فترامب وضع سقفاً لها هو خمسة أسابيع، من دون ربط هذه المهلة بهدف محدد، إلا أنها ستكون كافية لإلحاق دمار شديد جداً بإيران، وربما إلى حد لن يكون مجدياً بعده على الإطلاق الاستمرار في القصف. وعليه قد تتوقف الحرب في نهاية المهلة، مع استمرار التلويح بها. وقد يكون التوقف على غرار ما حدث في لبنان، إذ لم تتوقف الغارات الإسرائيلية كلياً على مواقع حزب الله رغم التزامه بوقف إطلاق النار.
بخلاف سلة الأهداف غير المترابطة، وبخلاف السقف الزمني المرتبط بها، تريد واشنطن وتل أبيب ضبط ساحة المعركة، بحيث لا تتعدى حدود إيران، مع احتساب مشاركة حزب الله مسبقاً كاحتمال شديد الترجيح. في هذا الجانب من الواضح أن طهران تفضّل حرباً سائلة جغرافياً، لأن انتشارها في المنطقة يزيد في تعقيداتها، وفي قدرة واشنطن على التحكم بها. لذا بادرت من الساعات الأولى إلى قصف أهداف في بلدان الخليج، بما فيها قصف أهداف في سلطنة عمان التي لعبت منذ عهد أوباما دور الوساطة بين الجانبين في الملف النووي الإيراني.
وكان واضحاً أن طهران تمهّلت في إدخال حزب الله إلى المعركة، لأنها كانت تفضّل تركه كورقة ضغط احتياطية، وقد أدى الفشل في إشعال الخليج إلى سرعة الزجّ بالحزب. وفكرة إشعال الخليج كانت تتيح نظرياً إيقاع أذىً أكبر، بسبب المدى القريب المطلوب للصواريخ، وتالياً بسبب قدرتها التفجيرية. وقد تبين أن الموجة الأولى من الصواريخ الإيرانية لم تؤدّ المرجوّ منها، واللجوء إلى المخزون الاستراتيجي من صواريخ أشدّ تدميراً قد لا يؤدي سوى إلى نفاذ المخزون من دون تحقيق أهداف تُذكر. جدير بالذكر أن الانتهاء من مخزون الصواريخ الإيرانية هو مطلب إسرائيلي وأميركي، في الطريق لإنهاء القدرة على معاودة الإنتاج. لكنه قد يكون خيار اليأس الإيراني، حتى إذا لم يكن انتحارياً، وإنما بمثابة خطوة ضرورية سابقة على قبول الشروط الأميركية.
من المؤكد أن النظام الإيراني ليس حالياً في وضع يسمح بظهور “غورباتشوف” شيعي، وقد كان ذلك ممكناً نظرياً منذ بدأت هزيمة المحور الإيراني في المنطقة، خصوصاً بعد إسقاط بشار الأسد كنايةً عن التحوّل الكبير في السياسات التي كانت قد أبقت عليه. خارج هذا الاحتمال تتدرج الخيارات بين قيادة تواجه حتى النهاية وقيادة براغماتية تبتلع الهزيمة الخارجية بلا آثار على الداخل، أي تجمع بين المرونة إزاء الخارج والتشدد في الداخل، لكنها المرونة المتعلقة بالبرنامج النووي والصاروخي بشكل أساسي، طالما بقيت البنيةالأيديولوجية عائقاً أمام تطبيع أوسع.
ما قاله الفارق التكنولوجي الهائل إننا سنكون أمام إيران منزوعة الأنياب، هذا مؤكد بما أن معجزة ما لن تحدث، إلا أنه من غير المؤكد أن نكون إزاء شرق أوسط جديد، على النحو الذي يروّج له متحمّسون للتغيير في المنطقة، أو متحمّسون لهزيمة إيرانية تفسح المجال أمام تحالفات إقليمية يتمنونها. والواقع أن ترامب ونتنياهو لا يتحدثان عن شرق أوسط جديد، بل يكتفيان بالحديث عن تحييد الخطر الإيراني كلياً.
حتى مطالبة المعارضة الإيرانية باستغلال فرصة الحرب لا تبدو جادة، إذ من الصعب (أو من المتعذّر) على المعارضة أن تستجمع قواها من أجل إطاحة النظام في ظروف استثنائية، لجهة وقوع البلاد تحت خطر القصف طوال الوقت. ومن المؤكد في هذه الحرب أن واشنطن لن تزجّ قواتها البرية لتحتل إيران، لا بسبب الصعوبة الشديدة لهذا السيناريو، وإنما أيضاً لأنه غير وارد ضمن تفكير ترامب، ولا ضمن التفكير السائد في أميركا حيث يُنظر إلى التدخل في العراق على أنه خطأ، وإلى الانسحاب من أفغانستان بوصفه قراراً واقعياً.
بصرف النظر عن الانحيازات السياسية، من المؤكد في هذه الحرب أن دماراً كبيراً سيقع، خصوصاً إذا استمرت لأكثر من شهر. هذا الدمار لن يكون ثمناً قاسياً، ومقبولاً في آن، لأنه ضريبة التغيير. وربما تحدث الفوضى هنا وهناك، تحديداً في إيران والعراق ولبنان، لكنها ليست الفوضى الخلاقة التي سبق للمحافظين الجدد التبشير بها.
ليست الحرب الحالية وحدها الحرب السائلة، وربما يجوز وصف العديد من الحروب التي اندلعت في السنوات الأخيرة بأنها كذلك، لأنها حروب خارج النمط الكلاسيكي الذي يفترض نشوب الحرب لتحقيق غايات محددة، حتى إذا كانت المطالب العلنية أعلى من المطالب المقبولة. عطفاً على ذلك كان من الصعب إغلاق بعض الحروب بالمعنى المباشر، في حين توقّف البعض منها من دون أن تزول الأسباب التي قد تعيد إذكاءها. فداحة هذا النوع من الحروب لا تتوقف عند قابليتها للاستمرار، ولا عند غياب الأهداف والمشاريع بالمعنى الذي شهده عصر الحداثة. فداحتها هي في أن هذه المعطيات جميعاً تمنع التفكير في المستقبل، بما أن المتحكّمين فيها لا يتطلعون إليه.