ازدواجية خطاب النخب السياسية في الشرق الأوسط: بين استجداء التدخل ورفضه..
خليل حسين .محرر بموقع السفينة
في خضم التحولات السياسية الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، تبرز إشكالية عميقة في خطاب النخب السياسية، تكشف عن حالة من التناقض والانفصام الواضحين في طريقة تعاطيها مع العلاقة بين الداخل والخارج. يمكن رصد هذه الإشكالية في الموقف المتأرجح من القوى الدولية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا القمع وحقوق الإنسان.
فمن جهة، لا تتردد هذه النخب في استنكار القمع الذي تمارسه الأنظمة الاستبدادية بحق شعوبها، وترفع شعارات حقوق الإنسان، وتلمح في كثير من الأحيان إلى ضرورة تحرك المجتمع الدولي للضغط على هذه الأنظمة، أو حتى المساهمة في إسقاطها. لكن المفارقة تظهر بمجرد أن يلوح في الأفق أي شكل فعلي من أشكال التدخل الخارجي. هنا ينقلب الخطاب رأسًا على عقب.
فعندما تتحرك واشنطن أو العواصم الأوروبية لفرض عقوبات أو إدانة انتهاكات جسيمة، سرعان ما نجد الأصوات نفسها تعلو منددة بهذا التدخل، متهمة الغرب بالسعي لخدمة مصالحه الخاصة، أو تنفيذ أجندة إسرائيلية، بدلاً من الدافع الحقيقي لحماية الشعوب. تتحول القضية في لحظة من “إنقاذ الشعوب” إلى “مؤامرة خارجية” يجب التصدي لها.
هذا التأرجح لا يعكس فقط انتهازية سياسية، بل يكشف عن مأزق فكري حقيقي. فالنخب تعترف ضمنيًا بعجز القوى الداخلية عن مواجهة آلة القمع الرسمية؛ إذ تحتكر الأنظمة الأمن والعنف، مما يجعل أي تغيير من الداخل مستحيلاً في ظل المشهد الحالي. ومع ذلك، يتم رفض أي يد خارجية قد تخلخل هذا الواقع، حتى لو كان هدفها المعلن هو وقف نزيف الدماء وحماية المدنيين.
تُعد تجربة الاحتجاجات الأخيرة في إيران مثالاً صارخًا على هذا التناقض. فقد واجه النظام الإيراني المحتجين بعنف لا مثيل له. تشير التقديرات الرسمية إلى مقتل نحو 3720 شخصًا، بينما تؤكد المصادر المستقلة أن العدد الحقيقي فاق ذلك بكثير، في ظل حملة قمع شرسة. ومع ذلك، ظل الموقف الرسمي وغير الرسمي لتيارات واسعة في المعارضة والنخب يرفض أي ضغط دولي حقيقي على النظام، تحت شعارات “رفض التدخل الخارجي” و”مقاومة الهيمنة”، وكأن حياة المواطنين رهينة لشعارات أيديولوجية فارغة.
إن هذه الازدواجية في الخطاب لا تخدم في النهاية إلا الأنظمة المستبدة نفسها. فهي تمنحها غطاءً سياسياً وشعبوياً لمواصلة القمع، وتجرد الشعوب من أي سند دولي محتمل. تبقى الشعوب بذلك عالقة في شرك مزدوج: استبداد داخلي لا يرحم، ونخب تخشى أن تفقد شعاراتها الأيديولوجية أكثر مما تخشى فقدان أرواح المواطنين.
لذلك، فإن المعضلة الحقيقية التي يجب أن تواجهها النخب السياسية في المنطقة ليست اختيارًا مبسطًا بين “قبول التدخل” و”رفضه”، بل هي دعوة للخروج من هذا الإطار الثنائي المسدود. النقاش الجاد يجب أن ينصب على كيفية حماية الشعوب من القمع بأي ثمن، وكيفية بناء توازن سياسي تعلو فيه كرامة الإنسان وحقوقه على كل الحسابات الأيديولوجية والشعارات الجوفاء. إما أن تكون النخب جزءًا من الحل لإنقاذ الشعوب، أو ستظل شريكًا ضمنيًا في نظام القمع الذي تدّعي مقاومته.