ملخص
عمّت مشاعر خليجية متضامنة أقوى من تلك التي عايشناها إبان احتلال وتحرير الكويت عام 1990، ففي ذلك العام كانت معظم الدول الخليجية بمنأى عن نيران جيش صدام الذي احتل الكويت، بينما تتعرض دول الخليج اليوم من دون استثناء لعدوان إيراني شامل لم يستثن أحداً.
على رغم أن دول الخليج العربية، وبالتنسيق مع مصر والأردن، قد حاولت جاهدة من خلال الضغط الدبلوماسي والنأي بقواعدها وأجوائها ومياهها من انطلاق أي عدوان على إيران من أميركا وإسرائيل، وعلى رغم إدانة الدول العربية جميعاً العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران في يونيو (حزيران) 2025، لكن دول الخليج والأردن تعرضت للعدوان الإيراني بالصواريخ والمسيّرات منذ بداية “ملحمة الغضب” التي أطلقتها أميركا وإسرائيل على إيران قبيل ساعات من دخول شهر مارس (آذار) الجاري.
كإنسان خليجي يعيش في هذه المنطقة، أرى أن دولنا الخليجية قبل مارس الجاري ليست كما بعده، وأن العدوان الإيراني يفرض علينا استنتاجات ومنها:
أولاً، على رغم محاولات الخليج تجنب الحرب واشتعالها، وعلى رغم الجهود العُمانية للتوصل إلى اتفاق بين إيران وأميركا درءاً للحرب وويلاتها، لكن إيران تعنّتت وراوغت، وإدارة ترمب لم تكن بحاجة إلى ذريعة كي تشن الهجوم على إيران بتحريض ومشاركة من نتنياهو وإسرائيل، إذ يبدو أن قرار الهجوم على إيران اُتخذ في تل أبيب ثم في واشنطن، بغض النظر عن المحادثات وتطوراتها.
ثانياً، ما إن بدأ الهجوم الأميركي – الإسرائيلي على إيران حتى بدأت طهران تمطر دول الخليج بمسيّراتها وصواريخها، ولم تستثن حتى عُمان، الدولة الوسيطة والصديقة الخليجية الصدوقة لإيران، فنالها ما نالها من الصواريخ والمسيّرات، وهو تطور وتهور خطر وخطأ إستراتيجي إيراني كان يمكن تجنبه لو أن في إيران اليوم قيادة تخطط بحصافة وهدوء، فقد اسْتعدت إيران جيرانها العرب وربما أذربيجان التي ترد الأخبار عن قصفها بصواريخ إيرانية قبل ساعات، من دون مبرر وبحجة استهدافها القواعد الأميركية، لكنها قصفت مطارات الكويت ودبي والدوحة وأبوظبي، والفنادق والمجمعات السكنية والصناعية في البحرين وقطر، وأعلنت الحرب والعداء وكشفت عن وجه عدواني بغيض تجاه جيرانها، وأحرجت من كانوا يبررون سياساتها التوسعية والتدخلية في المنطقة العربية، فأسقطت شعار “تحرير فلسطين” إلى الأبد ووضعت نفسها موضع العدو، وكل من يقول غير ذلك من العرب إنما ينحاز لهذا العدو ويؤيد العدوان على العرب في الخليج والعرب بعامة.
ثالثاً، تصدى الخليجيون ببسالة منقطعة النظير للصواريخ والمسيّرات التي تجاوزت أعدادها أضعاف ما أطلقته إيران على إسرائيل، في تطور مذهل للعدوان على دول جارة رفضت الحرب على إيران، ومع هذا نال هذه الدول الخليجية أكثر مما نال إسرائيل التي تقول إيران إنها لا تعترف بها وأنها ستقوم بإزالتها من الوجود، وقد استطاع الخليجيون عبر قدراتهم الذاتية بالدرجة الأولى، وبسواعد أبنائهم وقواتهم المسلحة، أن يسقطوا معظم الصواريخ والمسيّرات، فعلى سبيل المثال تعرضت الإمارات العربية المتحدة وحدها لأكبر عدد من الصواريخ والمسيّرات حتى الآن بلغت 197 صاروخاً أسقطتها الدفاعات الإماراتية كلها، وتلقت 941 مسيرة أسقطت منها الدفاعات الإماراتية 876، بينما سقطت 65 منها على أراضي الإمارات متسببة بأضرار محدودة، وهذا يسقط المقولة الواهمة التي كان يرددها تجار السلاح وجباة الاتفاقات الدفاعية بأن دول الخليج ضعيفة وجيوشها صغيرة وغير قادرة على حماية بلدانها، فصحيح أن هذه الدول بحاجة إلى السلاح المتطور من الدول الصديقة، لكن الأصح أنها أثبتت قدرة فائقة في التعامل مع الخطر والعدوان الإيراني من خلال استعمال أحدث الأسلحة وتقنياتها، وبمعنويات عالية وشجاعة منقطعة النظير.
رابعاً، عمّت مشاعر خليجية متضامنة أقوى من تلك التي عايشناها إبان احتلال وتحرير الكويت عام 1990، ففي ذلك العام كانت معظم الدول الخليجية بمنأى عن نيران جيش صدام الذي احتل الكويت، بينما تتعرض دول الخليج اليوم، من دون استثناء، لعدوان إيراني شامل لم يستثن أحداً، وقد عزز هذا العدوان مفهوم المصير المشترك بين شعوب الخليج، والضرورة القصوى لتوحيد هذه الدول اتحاداً كونفدرالياً، يوحد الجيوش والسياسة الخارجية وينسق المسائل الاقتصادية.
خامساً، بلغ التنسيق العسكري بين دول الخليج درجة غير مسبوقة بغية التصدي للعدوان، ووصلت مستويات التواصل وتبادل المعلومات وتحديد الإحداثيات والإنذارات المشتركة حالاً من الالتحام العسكري لجيش واحد لا لجيوش ست دول، وهو ما سيحتم مستقبلاً بناء جيش خليجي موحد كان طرح فكرته سلطان عُمان الراحل قابوس بن سعيد بداية الثمانينيات، وأخذت نواته تتشكل في “درع الجزيرة” لكنه لا يزال دون الطموح المنشود.
سادساً، أثبت قادة الخليج روحاً فريدة في المسؤولية والتضامن وتجاوز الخلافات متى ما تعرضت أي من دولهم للخطر، ولعل أوضح صور هذا التضامن والتسامي فوق الخلافات هو ما تمثل في الاتصالات الهاتفية التي أجراها ولي عهد المملكة العربية السعودية ورئيس وزرائها الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز مع كل قادة دول الخليج، ليجدد تضامن بلاده مع كل أشقائها دون استثناء، ويضع مقدراتها في الدفاع عنهم والذود عن بلادهم.
سابعاً، أثبتت دول الخليج رباطة جأش وصبر عبر التصدي وعدم الانجرار إلى حرب شاملة ينشدها الإيراني اليائس لحرق المنطقة وهدم المعبد على من فيه، فقادة الخليج يدركون أن حرباً شاملة مع إيران قد تؤدي إلى انسحاب الأميركي والإسرائيلي من المنطقة والتفرج من بعيد على حرب بين دول جارة مسلمة، قد تطول مثل الحرب العراقية – الإيرانية لثمانية أعوام أو أكثر، وتستنزف مقدرات الخليج في شراء الأسلحة والقتال العبثي، وتؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح والاقتصادات تتجاوز تلك التي خلفتها حرب العراق وإيران خلال الثمانينيات.
ثامناً، تثبت التطورات أن السياسة الأميركية تجاه المنطقة تمليها وتحددها وتفرضها إسرائيل، وأن الحليف الأميركي الحالي ليس كالحليف الأميركي قبل 30 عاماً، فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية أصبح القرار الأميركي في الشرق الأوسط رهن الإملاءات الإسرائيلية لأسباب يطول شرحها، ولكنها تؤدي إلى نتيجة أن حماية إسرائيل مُقدمة على حماية أي من حلفائها، بل إن مصالح إسرائيل لها أولوية على المصالح الأميركية نفسها، وعليه “فما حك جلدك مثل ظفرك”، وعلى دول الخليج والدول الشقيقة، وعلى رأسها مصر، والصديقة وبينها باكستان وتركيا، التنسيق لخلق توازن أمني إقليمي يحفظ للدول أمنها ومستقبلها واستقرارها.
أخيراً فإن هناك شعوراً خليجيا سائداً بأن العدوان الإيراني سيندحر عاجلاً أو آجلاً، وأن العامل الحاسم في انتهاء العدوان ونهاية الحرب هو تطورات الداخل الإيراني بالدرجة الأولى، وما ستؤول إليه الأوضاع هناك بعد تصفية المرشد علي خامنئي وقيادات الصف الأول في الجمهورية الإيرانية، إضافة إلى مدى فاعلية الضربات الأميركية والإسرائيلية عبر شلّ القدرات الصاروخية الإيرانية وإخمادها.
اندبندنت عربية
