ملخص
إذا كان الفيلسوف الألماني هيغل أشار إلى أهمية المدينة وعمرانها في حياة المرء، فإنه في الكتاب الذي كرسه كله لفن العمارة، توسع في موضوعه، ولكن ليس فقط في مجال حديثه عن المواطن ورغبته في التوحد مع مدينته، دنيا وآخرة
“وكما حولت الزراعة الحياة البدوية إلى طراز من الحياة المستقرة والحضرية، أسهمت القبور والأضرحة وتبجيل الموتى، في جمع شمل البشر وصارت، حتى بالنسبة إلى أولئك الذين لا يعيشون حياة مستقرة لانعدام وجود الملكية عندهم، أماكن للاجتماع، أماكن مقدسة يذاد عنها ولا يراد لها، مهما غلا الثمن أن تسقط في يد الغير”. يرد هذا المقطع في الجزء الخاص بـ”فن العمارة” من موسوعة هيغل الفريدة من نوعها في “علم الجمال”.
فهيغل الذي عزا إلى العمران، ولا سيما عمران المدن، أهمية فائقة في مجمل أبحاثه الفلسفية وفي كتاباته عن فلسفة التاريخ، كان لا بد له من أن ينظر إلى العمارة نظرته إلى الفنون الجميلة والآداب، باعتبارها إبداعاً قائماً في ذاته.
ويبدو هذا الأمر حتمياً، بخاصة، لمن يتذكر من بين تأكيدات فيلسوف ألمانيا الكبير، قوله عن أن مواطن الحاضرة اليونانية، بحثاً عن الخلود وما بعد الموت الذي ما توقفت فكرته عن مداعبة الإنسان منذ هاله الموت ووقف حائراً أمام لغزه، يتساءل عما إذا كان ثمة شيء ما بعده، هذا المواطن كان – قبل استشراء الإيديولوجيات وحتى قبل الأديان التوحيدية التي تحدثت بوفرة، عن البعث والما – وراء والجنة والنار كإجابة واضحة عن تساؤلات الموت والخلود – كان يعتبر أن بقاءه في هذا الكون، بعد موته، إنما يتأمن من طريق بقاء مدينته واستمرارها.
وهكذا كان يضم جهوده إلى جهود كل البناة، سواء أكانوا مهندسين أم عمالاً يدويين أم حتى ممولين أم متفرجين مشجعين، ليؤمن للمدينة رفعة وقوة وديمومة تتحقق بفضل فخامة المباني وضخامتها وقوتها، وجغرافيتها، والمكان الذي تحتله في الحياة اليومية للجماعة، وفي السمات الجمالية للمدينة نفسها.
توحد مع المدينة
وإذا كان هيغل أشار إلى مثل هذه الأمور، وإلى أهمية المدينة وعمرانها في حياة المرء، فإنه هنا، في هذا الكتاب الذي كرسه كله لفن العمارة، توسع في موضوعه، ولكن ليس فقط في مجال حديثه عن المواطن ورغبته في التوحد مع مدينته، دنيا وآخرة، بل كذلك في مجال حديثه المستفيض حول تاريخ نشوء المدينة العمرانية، وتاريخ تطور ارتباطها بالتطورات التي طرأت على الفنون الجميلة، بحيث صار ثمة – في نهاية الأمر – “عمارة مستقلة أو رمزية” ثم “عمارة كلاسيكية” فـ”عمارة رومانسية”، وصولاً إلى العمارة القوطية والعمارة الدنيوية في العصر الوسيط.
علماً أنه كان من الطبيعي أن يتوقف توصيف هيغل التاريخي والموضوعي، عند حدود زمنه، أي بدايات القرن الـ19. غير أن هذا الانحصار الزمني المنطقي لا ينفي كون التواريخ – والنظريات المصاحبة لها – التي عرضها هيغل تصلح كمنهج عام لبحث قضية العمارة والعمران، ودائماً من منظور فلسفي اجتماعي، لأن هيغل، على رغم تفاصيل بحثه التاريخية، لا ينسى لحظة في نصه أنه – أولاً وأخيراً – فيلسوف، وأن التحليل مطلوب منه أكثر من التوصيف والاستعراض التاريخي.
ومن هنا نراه منذ مدخل الكتاب يحدد لنا أن “المكان الأول في منظومة الفنون الخاصة يعود لفن العمارة”. فالعمارة – في رأيه وبحسب ترجمة جورج طرابيشي الذي نقل كل أجزاء “علم الجمال” إلى العربية لتصدر في دزينة من الكتب – “تمثل بدايات الفن، لأن الفن في بداياته لا يكون قد وجد بعد، للتعبير عن مضمونه الروحي لا المواد المناسبة ولا الأشكال الموافقة، مما يضطره إلى الاكتفاء بمجرد البحث عن التطابق الحقيقي وإلى الارتضاء بمضمون ونمط تعبير – أو تمثيل – خارجين صرفين. أما المواد التي يصنع بها هذا الفن الأول فهي خالية من كل روحية. هي الماد الثقيلة، الخاضعة لقوانين الثقالة، أما الشكل فقوامه الجمع بصورة متناظمة ومتناظرة بين تشكيلات الطبيعة الخارجية. وتحقيق كلية العمل الفني هنا يجعله، أخيراً، محض انعكاس للروح”.
فروق بين المواد المستخدمة
من الناحية التأريخية، بعد ذلك، يفيدنا هيغل أننا “في معرض بحثنا عن البدايات الأولى للعمارة، نلتقي أولاً الكوخ، مسكن الإنسان” والمعبد كملاذ للألوهية ولجماعة المؤمنين.
ويلاحظ هيغل هنا أن البحوث التاريخية في فن العمارة ركزت على الفروق القائمة بين المواد التي يمكن أن تكون استخدمت في البناء الأول، فهل كانت البداية بالخشب أو بالحجارة؟ ويقول هيغل إن مسألة التحديد لا تخلو من أهمية “إذ لا يتعلق الأمر، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بمواد خارجية وحسب، بل كذلك بأشكال معمارية تتنوع تبعاً للمواد المستعملة، مثلما يتنوع تزويق هذه المواد”.
وبعد هذا يؤكد هيغل أن “السمة المميزة الأولى للمأوى – الكوخ – وللمعبد، ولغير ذلك من الأبنية، هي كونها وسائل برسم هدف خارجي”. وستظل هذه السمة حاضرة ودائمة في العمارة على الدوام، بخاصة أن هيغل “يعيد للأذهان هنا، أن العمارة لا تستطيع التعريف بمدلولاتها إلا في المحيط الخارجي. وعليه – يقول هيغل – إذا كان الفارق بين الإنسان أو صورة الألوهية التي هي بحاجة إلى حرم، وبين المبنى المخصص لتلبية هذه الحاجة لا وجود له، بعد”، في الأصل” فإن علينا في هذه الحال أن “نبحث عن أبنية لها – نظير أعمال فن النحت – وجودها المستقل السؤددي، أبنية لا تستمد مدلولها من هدف أو حاجة خارجية، بل تحمله في ذاتها”.
تاريخ ما للعمارة
بعد هذا الكلام التنظيري العام، يندفع هيغل في استعراض تاريخ العمارة. ويبدو لافتاً في صورة خاصة توقفه عند العمارة الكلاسيكية حيث نراه، منذ البداية يحدد أن السمة الأساسية لهذه العمارة، هي التكيف مع هدف محدد، يجعل من تواؤم المبنى بداخله وخارجه، مع الهدف أمراً محتماً. وهو في معرض برهنته على هذا يأخذ البيت كنمط أساس، إذ تحكم أهداف عمارته كونه أكثر حرية من العمارة الرمزية، التي كان يغلب عليها طابع روحي ما. فالعمارة الرمزية “تستعير أشكالها من الطبيعة العضوية”، فيما “تجد العمارة الكلاسيكية مضمونها في أهداف روحية لكنها تعطيه شكلاً تبتكره ملكة الفهم البشري، بصرف النظر عن كل نموذج مباشر وبصورة مستقلة عنه”.
ويلاحظ هيغل في هذا الإطار أن “الحرية في هذا الإطار نسبية ولا تطاول إلا مجالاً محدوداً”، بخاصة أن تأمل العمارة الكلاسيكية، يبرز على الفور “طابعها الجاف المعزو إلى عقلانية أشكال هذه العمارة”.
ولا يفوت هيغل، في هذا السياق بالذات أن ينقل عن زميله ومواطنه شلنغ قوله إن “العمارة موسيقى متجمدة” شارحاً أن كلا الفنين، العمارة والموسيقى، يقوم على أساس من تناغم العلاقات القابلة لأن ترجع إلى أعداد، مما يسهل بالتالي إدراكها وعقلها في سماتها الرئيسة”.
التماشي مع العقلانية
ومن الواضح هنا أن جورج فلهلم فردريش هيغل (1770 – 1831) يبدي أكبر قدر من الإسهاب والتعمق المعتادين على أية حال لديه، حتى وإن كان لا بد لنا من أن نلاحظ بأن هذا النص الذي يتعلق بالعمران لديه، يبدو من الأقل صعوبة في مجمل كتاباته وربما يعود ذلك، أكثر ما يعود، إلى أن كون الفيلسوف الكبير إنما يتعامل هنا مع واحد من الفنون الأكثر ارتباطاً بالحياة اليومية والحياة العملية لدى البشر، ولا سيما من خلال دراسته لهذا الفن وبصورة أكثر تحديداً للنمط الكلاسيكي من العمارة، لأنه النمط الأكثر تماشياً مع نزعته الفكرية والعقلانية، حتى وإن كانت مثاليته، من ناحية ثانية تقربه أكثر من الفن الرمزي ذي السمات الروحية البينة التي، من ناحية ما، قد تبدو أكثر ملاءمة له.
وهيغل هو بالطبع فيلسوف العقلانية والروح معاً، الأكبر في العصور الحديثة، يتجلى ذلك بالطبع في أجزاء “علم الجمال”، تلك الموسوعة التي تكاد تكون فريدة من نوعها في زمنها وتضم، إلى التبحر في شؤون العمارة الذي يطالعنا في الجزء الذي نتحدث عنه هنا، أجزاء حول جماليات الشعر والرسم والموسقى وما إلى ذلك بالطبع.
ونعرف أن من بين مؤلفات هيغل الأخرى تلك الكتب العابرة للأفكار والعصور مثل “فينومينولوجيا الروح” و”فلسفة التاريخ” و”موسوعة العلوم الفلسفية”، وغيرها من كتب صنعت له مكانته الكبرى في تاريخ الفلسفة.
اندبندنت عربية
