في كتابها “أسئلة مُلحّة” (عصير الكتب للنشر والتوزيع، ترجمة منصورة عز الدين، 2024) تُورِد الكاتبة الكندية مارغريت آتوود أنّ فكرة الجمال كانت دائمًا وأبدًا فكرة ذات طابع سحري، وهي فكرة يشتبك معها الذكور والإناث في مراحل مبكرة من الطفولة، إذ تظهر تجلياتها في القصص والأفلام التي يقرأها الأطفال ويشاهدونها، حيث تُمنح الشخصيات الجميلة قدرة شبه خارقة على النجاة والحب والاختيار، بينما يُحمَّل القبح – أو الاختلاف– عبء الشرّ أو الهامش أو العزلة.
تحكي آتوود عن تطبيع الجمال في قصص مثل “سنووايت” و”سندريلا” وغيرهما، إذ تظهر الأميرة البطلة في صورة فائقة الجمال، بينما تُصوَّر الساحرات الشريرات أو العرائس المزيفات أو الشقيقات الحقودات في أشكال قبيحة ومنفرّة مقارنة بالبطلة، وتُضيف بأنّ هذا التطبيع وإن كان يؤثّر بشكل ما على المخيال الذكوري في تصوّر جمال الأجساد والوجوه الأنثوية، فإن تأثيره الأكبر يكون على مخيال النساء أنفسهنّ في إدراكهنّ لذواتهنّ وأجسادهنّ، إذ إن تمثّل الجانب الإيجابي للجمال في هذه القصص والأفلام يبث رسائل خفية في إدراك الفتيات الصغيرات حول دور الجمال المحوري في الارتقاء في الحياة وتحسين ظروفها.
في السياق ذاته، يُورِد حمودة إسماعيلي في كتابه “لغز الأنوثة وعقدة الجنس” (أفريقيا الشرق، 2015) أنّ القصص التاريخية مليئة بتطبيع معين لشكل الجمال الأنثوي، إذ يتمّ تصوير المرأة مرافقة البطل فيها كأجمل النساء، التي يتنافس عليها جميع الذكور في القصة ويظفر بها في النهاية البطل العنيد.
تميل هذه القصص جميعها – بحسب إسماعيلي– إلى تعريف معين للجمال الأنثوي باعتباره تعبيرًا عن التناسق؛ تناسق أجزاء الجسد الإنساني وتناسق ملامح الوجه، إذ تُختصر الأنثى الجميلة بهذين التناسقين، ويتمّ تصنيفها من ناحية القبح والجمال بناءً عليهما.
ليست القصص والحكايات التاريخية الفانتازية وحدها من تميل إلى تعريف الجمال الأنثوي في صورته الكاملة التي تتضَّمن تناسق الوجه والجسد، إذ يُمكن تتبّع آثاره في الكثير من الروايات والأشعار والأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية القديمة والمعاصرة، التي يظهر فيها هوس الفنان أو الشاعر أو الكاتب بالصورة الكاملة للجسد الأنثوي، أو التي تُصوِّر هوس الأنثى ذاتها بكمال جسدها وتناسق تقاسيمه.
يُمكن رصد هذا الأثر في رواية “العمل الخالد المجهول” (منشورات المتوسط، ترجمة ناظم بن إبراهيم، 2021) لأونوريه دي بلزاك، إذ تُشيّد فكرتها على هوسٍ يتضخّم شيئًا فشيئًا؛ هوس الرسام فرينهوفر بالوصول إلى كمالٍ مطلق في تصوير الجسد الأنثوي.
تحكي الرواية أنّ الرسام فرينهوفر يقضي عشر سنوات من حياته في رسم لوحته بعنوان “الجميلة المغناج”، إذ يهدف من خلالها إلى تصوير الجسد الأنثوي لا باعتباره جسد امرأة فحسب، بل بوصفه المثال الذي ينبغي أن تُختَصر فيه الحياة كلها، فهو يرى في لوحته مشروع بعثٍ جديد للجسد الأنثوي؛ ويريد للحم أن ينبض، وللبشرة أن تتنفس، وللنظرة أن تفيض بروح كاملة لا تشوبها شائبة نقص.
يلجأ فرينهوفر إلى انتقاد أعمال غيره، ويفعل ذلك انطلاقًا من إيمانه بأن الجسد المرسوم ينبغي أن يكون أكثر حياة من الحياة نفسها، وأكثر امتلاءً من الواقع الذي يُحاكيه، وهو الأمر الذي يفشل في تحقيقه، عندما تكشف خاتمة الرواية أنّ هوسه ذاك بتصوير الجسد الأنثوي على نحو مثالي لم يُنتج سوى لوحة مشوّهة تحتوي على بضع خربشات عشوائية لا أثر فيها سوى لقدم صغيرة في نهاية اللوحة، وبعد أن يكتشف الرسام العجوز ما أوصله إليه هوسه بالوصول إلى الكمال في لوحته، يقرر إنهاء مسيرته الفنية، ويُعثَر عليه في اليوم التالي ميتًا بعد قيامه بإحراق جميع لوحاته.
يستلهِم الفيلم الفرنسي “La Belle Noiseuse” أو “الجميلة المشاكسة” من رواية بلزاك السابقة، ويروي في مدة زمنية قدرها أربع ساعات قصة ذلك الرسام العجوز الذي يريد أن يرسم لوحة عمره مع موديله الحسناء، ويُمكن القول إنّ جمالية الفيلم نابعة من كونه مليئًا بمقاطع طويلة صامتة خالية من أي حوار أو حديث، لا شيء فيها سوى صورة فرشاة الرسام وهو يُحرّكها على ورقة الرسم ويرسم، فهذه المقاطع الطويلة كانت كمن يُنبئ عن الهوس بتقاسيم الجسد الأنثوي، وهو الذي يرسمه العجوز ليُلامس كل تفصيلة فيه، وليستغرق في تفاصيل جماليته إلى الحد الأقصى، وليعيد تصويره على اللوحة البيضاء التي أمامه بدقة متناهية تُبرز مواضع تناسقه، وكأنها تقرّبه من كماله المفترض.
أما حلقة “الزائرة” من المسلسل السوري “شبابيك” فتجيء لتكشف هوسًا من نوع آخر بكمال الجسد الأنثوي، وهو هوس يكمن في تلابيب اللاوعي ويختبئ بين طياته، إذ تُظهر وقائع الحلقة أنّ الكاتب والروائي عماد يغفو أثناء عمله في كتابة روايته الجديدة بعنوان “توليب”، وبينما هو في خضم إغفاءته تزوره امرأة لا يعرفها ذات جمال مثالي بجسد فاتن وشعر ذهبي وعينين غجريتين، وتدور بينهما حوارات عديدة توحي بأنّها بطلة الرواية التي يكتبها، وأن وجودها سببه إلهامه في إتمام الرواية، وتدعوه أخيرًا إلى ممارسة الحبّ معها.
تنتهي الحلقة بمشهد عماد وهو يفتح الباب لجارته الجديدة التي سكنت في الطابق العلوي منذ مدة قصيرة، ليتبيّن أنّ هذه الجارة الجميلة ذات الوجه الجميل والجسد المثالي هي نفسها المرأة التي زارته في حلمه، وتأتي النهاية كمن يُنبئ عن الهوس اللاواعي عند الكتاب والأدباء بالجمال الأنثوي الكامل والمثالي، وهو الذي يظهر في مخيالهم وتصوراتهم حول بطلات قصصهم ورواياتهم، أو يتبدى في أحلامهم حول المرأة المرغوبة والمشتهاة.
لا يقتصر الهوس بالجسد الأنثوي المثالي على الفنانين والأدباء والكتاب الرجال، بل يتجاوزه إلى الأنثى نفسها في تطلعها نحو جسد متناسق وكامل الأوصاف، ولعلّ هذا التطلّع يتبدى في المقطع الشعري من قصيدة “المنزل” للشاعرة الصومالية وارسان شاير، والذي تقول فيه: “أشير لجسدي وأقول: أهذا الشيء القديم؟ لا، لقد انزلقتُ فيه للتو”، ففي مقطعها يظهر الجسد كمساحة اغتراب أكثر منه موطنًا أليفًا، فهي لا تتحدّث عن جسد مستقر في تعريفه، بل عن جسد يُعاد اكتشافه كما لو كان غريبًا، كأنّ الذات تنزلق فيه بدلًا من أن تسكنه.
تُحيل العبارة السابقة إلى ذلك الشرخ العميق بين المرأة وجسدها حين يُحاصر بمعايير الجمال المثالية؛ فتصبح العلاقة به علاقة تفحّص دائم، ومساءلة لا تنتهي: هل هذا هو الجسد المطلوب؟ هل يطابق الصورة التي صاغها الخيال الجمعي؟ من هذا المنطلق، يبدو “الشيء القديم” استعارة عن جسد مثقَل بتوقّعات سابقة، بتاريخ من النظرات والأحكام، فيما “الانزلاق” يشير إلى محاولة متجددة لامتلاكه أو لمصالحته في عالم لا يكفّ عن إعادة تشكيل صورته المثلى.
على النقيض من المقطع السابق، يأتي مقطع الشاعرة الكويتية سعاد الصباح في قصيدتها “كن صديقي”، والذي تقول فيه: “إنّ كل امرأة في الأرض تحتاج/ إلى صوت ذكي وعميق/ وإلى النوم على صدر بيانو أو كتاب/ فلماذا تُهمل البعد الثقافيّ/ وتُعنى بتفاصيل الثياب؟”… فهذه الكلمات تُعيد ترتيب سلّم الأولويات في صورة المرأة، فهي لا تُنكر أهمية التناسق الجسدي للمرأة، لكنها ترفض اختزالها فيه، كما أنّها تنقل مركز الثقل الأنثوي من السطح إلى الجوهر، من المظهر إلى الوعي، من القماش إلى المعنى.
تُذكّر كلمات الصباح بأنّ الجسد الأنثوي، مهما بدا جميلًا، يظل ناقصًا إن لم يُحط بصوت يُخاطب العقل، وبثقافة تمنحه عمقًا يتجاوز شكله، وتأتي كمن تعترض على هوس البحث عن صورة مثالية للجسد الأنثوي يُراد للمرأة أن تبقى حبيستها فحسب بعيدًا عن أبعادها الفكرية والثقافية الأخرى.
يُمكن القول إنّ الهوس في البحث عن الجسد الأنثوي الكامل والمثالي، سواء أكان لضرورة إلهامية عند الفنانين والأدباء والكتاب، أو حاجة جمالية عند النساء أنفسهنّ، يعكس الصراع المستمر بين اعتبار الجسد معيارًا للجمال، وبين رؤية الإنسان ككائن كامل له عقل وروح وأفكار، كما أنّه يبرز الحاجة إلى إعادة النظر في قيمة المرأة خارج حدود شكلها الخارجي.