
الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وأذرعها هي أول اختبار فعلي لشكل العالم وتوازاناته المقبلة. حصتنا في الشرق الأوسط من هذه التغييرات وازنة بكل المقاييس، وخطيرة أيضا بكل المقاييس. لكن استقراء هذه المخاطر لا يصح، ولا يجب أن نغامر في استقرائه قبل تحديد الملامح الكبرى لهذا التحول الجذري في العلاقات الدولية.
لنبدأ من تصريح وزير الدفاع الأميركي: نحن نخوض هذه الحرب لننتصر. لم يقل هيغسيث إن بلاده تخوض هذه الحرب لتصل إلى تسوية، حتى لو على أساس هزيمة الطرف الآخر. ما قاله أن بلاده تريد أن تنتصر. والنصر يعني في مثل هذه الحرب التي افتتحت بقتل من يفترض به أن يوقع صك الاستسلام في حال هزيمته، أي المرشد الأعلى الإيراني وقادة إيران الأساسيين، قتلاً لحق إيران بأن تقرر سياساتها بنفسها الآن وفي المستقبل.
تبدأ أميركا حربها من افتراض أنه لا يحق لإيران أن تقرر في سياساتها الخارجية، ولا في سياساتها الدفاعية. وعليها أن تخضع للإملاءات الأميركية. ما تقوله أميركا علنا: ليس كل أمة ولا كل دولة يحق لها ان تتصرف كدولة. بعضها يجدر به أن يجتهد ليصبح ولايات، وبعضها الآخر ما زال قادرا على تقرير بعض ملامح سياساته الخارجية، لكن الغالبية الساحقة من هذه الدول على امتداد العالم، لم تعد تملك القدرة أن تتصرف بجيشها على النحو الذي يجعله خاضعا لحساباتها الخاصة، ومتماشيا مع ما تراه في مصلحتها. الجيوش اليوم ليست كلها على سوية واحدة. معظمها على الأرجح تحول إلى مجرد قوى أمنية محلية يجدر بها أن تبقي الميدان آمنا للسيد الذي يقيم في البيت الأبيض، وفي مقار الشركات الكبرى.
ماذا عن إيران التي تحارب من دون رأس قادر على رعاية الاتفاقيات الدولية؟
إيران اليوم تدرك، أو هي على الأقل تحدس، أن المطلوب من نظامها أن ينحر نفسه. شعاراته، أفكاره، آماله العريضة والمبالغ بها، سيادته على قراراته. هذه كلها في مرمى النار. والأهم، المقاتل الإيراني ليس جنديا يخضع لمعايير وأعراف العلاقات بين الجيوش المتحاربة. إنه مجرد قاطع طريق مدان سلفا، وعليه أن يموت أو يستسلم ويترك أمر تقرير مصيره لمن يقصفه بالطائرات.
لهذا، لا يبدو أن قادة إيران قادرون على الاستسلام، وطبعا لم تترك لهم أميركا فرصة أن يكونوا قادرين على صناعة تسوية. إنهم يقاتلون لأن لا أمل لهم بعد. وطبيعة القتال التي يخوضونها بالغة التعبير عن هذه الحال التي بات العالم عليها. هو قتال يريد الإعلان إنني لم أمت بعد، وأن اأاميركي لم يحقق نصره بدليل أن ثمة صاروخ ما، في مكان ما، ما زال مجهزا للإطلاق. على ماذا وما هو هدفه؟ ليس مهما، بوسعه أن يقع على رؤوس حلفائه وينفجر في بيوتهم، المهم أن مصدره إيران. وهذا بالضبط ما تريد إيران التصريح به علنا: لم تقتلونا جميعا، وما زلنا قادرين على تخريب ما تسمح به إمكاناتنا. ليس مهما أن نقتل المهاجمين. فهؤلاء يمكلون من التحصينات ما نعجز عن اختراقه. إذا فلنقتل من كان حتى الأمس القريب يحاول فك الخناق الذي يضيق علينا. (دول الخليج).
إنه قتال من يشعر أن العالم تواطأ على إعدامه، ويريد الانتقام من أي كان وأي شيء.
تكثر التحليلات التي تقول إن إيران تراهن على نفاد الاحتياطيات الأميركية والإسرائيلية من الذخيرة. في هذه الحال، ستجد الجيوش المهاجمة نفسها في موقع من سيوقف النار مرغما. وهذا يحسبه هؤلاء المحللون انتصارا إيرانيا. لكن واقع الحال يقول غير ذلك. لم تعد إيران منذ أن بدأت هذه الحرب دولة يحسب لمصالحها حساب. حتى المتحمسين لحرية الشعب الإيراني باتوا يغلفون خطابهم بنغمة المنظمات غير الحكومية. هذا الخطاب الذي يتضامن مع الضحية بوصفها لم تعد تملك أن تكون صاحبة خطاب أصلا. الشعب الإيراني هو الغائب الأكبر الآن. قد تصمد إيران في هذه الحرب وتستمر بإطلاق الصواريخ رمزيا. لكنها لن تعود أبدا إلى موقع الدولة، وستبقى في موقع القرصان.
لنلق نظرة على حلفائها من الصين إلى روسيا إلى بريكس. رد الفعل الروسي لا يتحول إلى فعل. رد فعل خافت ولا يرقى إلى مستوى التنديد. يعلم بوتين الغارق في حرب أوكرانيا أنه سيفقد مورد أسلحة كان يعتمد عليه كثيرا أو قليلا، لكنه لا يملك القدرة على تغيير المعادلة أو المسارات. الصين التي تعتمد كثيرا على النفط الإيراني، لم تجد نفسها ملزمة في وضع كل بيضها في سلة النفط الإيراني. تراقب وتنتظر، وتأمل أن تتعثر أميركا في مسعاها الذي بات واضحا أنه لا يقيم وزنا للدول السيدة. بريكس لم يرفع صوته أيضا، ولا الأمم المتحدة. مناصرو إيران ليسوا اليوم أكثر من دعاة لا يملكون من مصادر القوة ما يمكنّهم من التأثير في المعادلة.
والخلاصة؟ لو صمدت إيران واحتفظت بعد دمار كبير ببعض منصات إطلاق الصواريخ، فإنها ستتحول إلى بلد شاسع المساحة لا سلطة مركزية فيه، وتعيث فيه خرابا عصابات قاطعي طرق، كانوا حتى الأمس القريب حكامه. ولو انتصرت أميركا وفرضت شروطها، فإننا سنكون أمام مشهد غير مسبوق في التاريخ الحديث. أميركا الإمبراطورية تولد الآن، وتحول الدول السيدة إلى مجرد ولايات، تعزل منهم من تشاء حين تشاء، وتثبت من تشاء حين تشاء. وهذا ينسحب تقريبا على مجمل منطقتنا، وفي طريقه للاختبار في سائر أصقاع العالم.