اكرم حسين.كاتب كردي سوري .
يعيد السيد صلاح بدرالدين في مقاله «السبيل لتوحيد الحركة الكردية السورية» طرح فكرة بات يكررها منذ سنوات، وهي الدعوة إلى عقد « مؤتمر كردي سوري جامع» يكون منطلقاً لإعادة بناء الحركة الكردية. غير أن هذه الفكرة، على جاذبيتها الظاهرية، تبدو أقرب إلى الرغبة منها إلى التطبيق الواقعي، لأنها تتجاهل طبيعة الوقائع السياسية والتنظيمية التي تحكم الساحة الكردية السورية.
أول ما يلفت الانتباه في المقال هو استعادة مفهوم «الكتلة التاريخية» الذي صاغه المفكر الإيطالي انطونيو غرامشي . غير أن استخدام هذا المفهوم يأتي خارج سياقه النظري. فالكتلة التاريخية عند غرامشي لا تعني تجمعاً فضفاضاً من المستقلين أو غير المنتمين إلى الأحزاب، بل هي تحالف اجتماعي بين طبقات وقوى « شعبية » منظمة يتجسد عبر النقابات والاتحادات واللجان والمؤسسات الجماهيرية، ويقوده حزب سياسي يمتلك مشروعاً للهيمنة السياسية. أي أن الكتلة التاريخية، في معناها الأصلي، تقوم على التنظيم والقيادة والبرنامج، لا على تجاوز التنظيمات أو القفز فوقها.
أما في طرح بدرالدين فتتحول «الكتلة التاريخية» إلى ما يشبه جمهوراً واسعاً من المستقلين الذين ضاقوا ذرعاً بالأحزاب ، وهنا يقع الخلط الكبير: فالسخط على الأحزاب لا يصنع كتلة سياسية، والخروج من التنظيم لا يخلق تلقائياً بديلاً تنظيمياً. السياسة لا تقوم على المزاج العام، بل على مؤسسات وتمثيل وبرامج واضحة.
يبني بدر الدين مقاله على فرضية أن «الغالبية الساحقة من الوطنيين والمناضلين باتت خارج الأطر الحزبية»، وهي فرضية بلا دليل. فالمستقلون، بحكم تعريفهم، غير منظمين ولا يملكون بنية تمثيلية يمكن قياسها أو التعبير عنها ، ومن هنا فإن تحويل هذه الفئة المتنوعة إلى «كتلة تاريخية منقذة» ليس سوى قفزة نظرية لا تسندها الوقائع.
الفكرة المركزية في المقال، هي الدعوة إلى «المؤتمر الكردي السوري الجامع» والتي تبدو أكثر إشكالية عند النظر إليها من زاوية الواقع السياسي.
أولاً، من هي الجهة التي تملك شرعية الدعوة إلى هذا المؤتمر؟
فالأحزاب القائمة، التي تمتلك على الأقل هياكل وتنظيمات، يرفضها الكاتب ويطعن في شرعيتها. أما «المستقلون» الذين يعول عليهم، فلا يملكون إطاراً تنظيمياً يمكنه الدعوة أو التحضير أو إدارة عملية التمثيل ، وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة واضحة: مؤتمر يحتاج إلى جهة منظمة، بينما الفكرة تقوم أساساً على تجاوز التنظيمات.
ثانياً، يطرح المؤتمر إشكالية التمثيل. فمن يمثل من؟ وعلى أي أساس يتم اختيار المندوبين؟ فالأحزاب، مهما كانت ملاحظاتنا عليها، تملك قواعد تنظيمية يمكن تمثيلها في مؤتمر. أما «الكتلة المستقلة» فلا تملك آلية واضحة للتمثيل، ما يجعل أي مؤتمر من هذا النوع عرضة لأن يتحول إلى تجمع نخبوي محدود لا يعكس حقيقة المجتمع الكردي ولا توازناته السياسية.
ثالثاً، يتجاهل الطرح حقيقة أن الانقسام في الساحة الكردية السورية ليس مجرد خلاف تنظيمي يمكن حله بمؤتمر أو اجتماع. بل هو نتيجة اختلافات سياسية عميقة، وتوازنات قوى داخلية وخارجية معقدة ، ولهذا فإن أي مؤتمر، مهما كان عنوانه جذاباً، لن يكون قادراً على تجاوز هذه التناقضات ما لم تتغير شروطها السياسية أولاً.
ويبلغ الخلط ذروته عندما يقارن الكاتب كثرة القيادات الكردية بقيادات الثورات الكبرى. فالثورة البلشفية، التي ارتبط اسمها ب لينين ، لم تكن عملاً فردياً بل قادها حزب كامل هو الحزب البلشفي. وكذلك الثورة الصينية التي قادها عبر الحزب الشيوعي الصيني، والثورة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو وتشي غيفارا ضمن حركة منظمة. القاسم المشترك في هذه التجارب لم يكن قلة القادة، بل وجود تنظيم سياسي قوي قادر على توحيد القيادة والبرنامج.
غير أن الإشكالية في هذا الطرح لا تتوقف عند حدود الخلط النظري أو القفز فوق الواقع، بل تمتد أيضاً إلى مفارقة لافتة في تجربة الكاتب السياسية نفسها. فمن أمضى عقوداً طويلة في قيادة حزب سياسي، وخاض باسم الحزب معارك فكرية وتنظيمية حادة، لا يمكنه اليوم أن يعلن ببساطة أن الأحزاب مجرد تعبيرات عابرة لا قيمة لها؟. فالأحزاب، مهما كانت نقاط ضعفها، هي التي شكّلت الإطار الذي نشأت داخله الحركة السياسية الكردية في سوريا، وهي التي حملت القضية الكردية في مراحل طويلة من العمل السري والقمع.
بل إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إذا كانت فكرة «المؤتمر الكردي السوري الجامع » بهذه الأهمية والوضوح كما يطرحها الكاتب، فلماذا بقيت طوال سنوات مجرد دعوة نظرية لم تتقدم خطوة واحدة نحو التنفيذ؟ ولماذا لم تنجح في استقطاب تلك «الكتلة التاريخية» الواسعة التي يفترض وجودها؟
الواقع يشير ببساطة إلى أن المشكلة لا تكمن في غياب الدعوة إلى المؤتمر، بل في غياب الشروط السياسية والتنظيمية التي تجعل مثل هذا المؤتمر ممكناً.
إن نقد التجربة الحزبية أمر مشروع بل ضروري، لكن البديل لا يكون بإلغاء الأحزاب نظرياً أو القفز فوقها عبر مؤتمر جامع غير واضح المعالم. لأن البدائل السياسية لا تولد من الفراغ، بل تنشأ عبر عمل تنظيمي طويل، وبناء مؤسسات جديدة قادرة على كسب الثقة والشرعية.
وفي النهاية، قد يبدو شعار «المؤتمر الكردي السوري الجامع» جذاباً في الخطاب السياسي، لأنه يوحي بحل سريع لمشكلة الانقسام. غير أن التجربة السياسية الكردية، كما تجارب الشعوب الأخرى، تثبت أن الوحدة لا تُصنع بالبيانات ولا بالشعارات، بل بتوازنات واقعية وبناء تدريجي لمؤسسات قادرة على تمثيل المجتمع. أما القفز فوق الوقائع العنيدة والدعوة إلى مؤتمر شامل يضم الجميع دون شروط سياسية وتنظيمية واضحة، فلن يؤدي في أحسن الأحوال إلا إلى تكرار خيبات سابقة، وفي أسوأ الأحوال إلى إنتاج وهم سياسي جديد يضاف إلى سلسلة الأوهام التي أثقلت كاهل الحركة الكردية السورية طوال عقود.