
في ساعة كتابة هذه السطور، يمكن الإقرار بعودة ساعات التغطية الكهربائية إلى التحسّن في سوريا، بشكل ملحوظ، وذلك بعد بضعة أيام من الانتكاس، جراء وقف توريد الغاز من الأردن ومصر، مع بدء الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران. كذلك، هدأت إلى حد كبير، موجة الاندفاع إلى محطات الوقود لشراء البنزين والمازوت وتخزينهما، مع سريان شائعات عن فقدان مرتقب للمادتين في الأسواق جراء الحرب. واقتنع عدد كبير من السوريين بمصداقية تصريحات المسؤولين، بأن لا “أزمة” مرتقبة في المادتين. وهو تطور مهم للغاية.
أيضاً، سجّل سعر صرف الليرة السورية تحسناً بعد تراجع ملحوظ. ولا تتجاوز نسبة التراجع في سعر صرف الليرة، حين كتابة هذه السطور، مقارنة بسعر ما قبل الحرب، نسبة 0.42%. وهي نسبة مقبولة للغاية، مقارنة بتراجع سعر صرف الجنيه المصري مثلاً، الذي خسر 4.7% من قيمته مقابل الدولار، خلال أسبوع. بطبيعة الحال، لا توجد أموال ساخنة في سوريا يمكن أن تخرج من أدوات الدين المحلية، على غرار مصر.
كل ما سبق، مؤشرات إيجابية تدل على محدودية أثر الحرب على الاقتصاد السوري، حتى الآن. يقابلها مؤشرات سلبية. إذ يمكن لحظ ارتفاع أسعار بعض السلع بنسب تتراوح ما بين 10 – 15%، منذ بدء الحرب، ليُضاف إلى ارتفاعٍ سابق تزامن مع دخول شهر رمضان. كما أن أزمة الغاز المنزلي، التي تكررت وعود مسؤولي الطاقة بانتهائها قريباً -منذ شهر- لا تزال جليّة على الأرض.
وبذكر كلمة “أزمة”، نلحظ أن هذا التوصيف يثير حساسية ملحوظة لدى المسؤولين المعنيين بمعيشة السوريين. كما تثيرها اقتراحات الارتداد إلى معالجات كانت قائمة في عهد نظام الأسد، وكانت تهدف إلى إدارة حالة الشح في السلع المتاحة في الأسواق، خصوصاً منها المحروقات. ويمكن أن نتوقع أن المسؤولين اليوم يقرأون الارتداد إلى معالجات تعود لعهد نظام الأسد، سواء كان البطاقة الذكية أو نظام الكوبونات، وكأنه إقرار بالفشل في إدارة معيشة السوريين، بصورة أفضل. رغم أن هذا الارتداد بات مطلباً لشريحة واسعة، وفق ما يمكن لحظه في وسائل التواصل الاجتماعي، جراء أزمة الغاز المنزلي التي لم تجد طريقها للحل، حتى الآن.
وفيما ينزعج المسؤولون من توصيف “أزمة”، يتبدى جلياً أن البلاد قد تكون مقبلة على جملة أزمات خطرة معيشياً، إن استمرت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، مدداً زمنية طويلة. مما يتطلب تحرّك الجهات المعنية، سريعاً، لتشكيل خلية لإدارة الأزمة، تستند إلى جملة أسس استراتيجية، مختلفة عن تلك القائمة في أدائها الآن. وفي حين يتم لوم عامة السوريين على سلوكهم الاحترازي القائم على التخزين الاستباقي للمواد، خصوصاً المحروقات، مما خلق “أزمة” بالفعل، ربما يجب قراءة السبب في ذلك، من زاوية مختلفة. فالثقة بالمسؤول الرسمي، اهتزت إلى حد كبير، مع تجربة أزمة الغاز المنزلي. وهي أولى القضايا التي يجب استعادتها، سريعاً، كي يمكن مواجهة ما سيأتي من “أزمات”، جراء الحرب في المنطقة.
ويمكن تحديد نقطة البداية في فقدان شريحة واسعة من السوريين، للثقة في مسؤولي الحكومة، مع صدور تصريحات أظهرت انفصالهم عن أوجاع الشارع، تزامناً مع صدور فواتير الكهرباء المستندة إلى الأسعار الجديدة، مطلع العام الجاري. إذ وجّه المسؤولون في وزارة الطاقة تحديداً، اتهامات لعامة السوريين بالهدر في استهلاك الكهرباء. وأن الاقتصاد في هذا الاستهلاك، هو الحل في مواجهة الأسعار الجديدة، من دون إقرار بأن الأسعار المحددة في خريف العام الماضي، لا تتناسب مع القدرة الشرائية للغالبية العظمى من السوريين، الذين يعجز 80% منهم عن توفير احتياجاته من الغذاء الكافي والمتنوع والمغذي، وفق آخر تقرير لبرنامج الأغذية العالمي.
لاحقاً، جاءت “أزمة” الغاز المنزلي، لتسبب شرخاً جديداً في ثقة السوريين بمدى مصداقية تصريحات مسؤوليهم. فمنذ منتصف الشهر الفائت، تتكرر وعود مسؤولي الطاقة بانتهاء قريب للأزمة، خلال ساعات ومن ثم أيام. محملين مسؤوليتها إلى سلوك تخزيني من جانب السوريين الذين يشترون أكثر من حاجتهم من أسطوانات الغاز. إلى جانب وجود ممارسات احتكارية واستغلالية من جانب المعنيين بعمليات التوزيع، فشلت السلطات المعنية في ضبطها، حتى الآن. وقد تم ربط ميل السوريين للتخزين، ببدء شهر رمضان. ذلك كله جاء قبل الحرب مع إيران، التي تزامنت أيامها الأولى مع “أزمة” طلب على البنزين والمازوت، وعودة مشاهد الطوابير على الكازيات.
وفيما توحي المؤشرات المتوافرة الآن، أن الحرب في الشرق الأوسط قد تطول، وقد تتمدد آثارها، يتطلب ذلك معالجات مختلفة عن تلك التي تم اعتمادها في قضيتي الكهرباء والغاز المنزلي. ألف باء تلك المعالجات، الاقتراب من الشارع مجدداً، واستعادة ثقة السوريين، عبر الخروج في مؤتمر صحافي يضم المسؤولين المعنيين بقطاع الطاقة، ليتحدثوا بشفافية مع الشعب، حول حجم المخزونات من المشتقات النفطية والغاز، والخيارات البديلة التي يعملون عليها لتجنب انقطاع سلاسل الإمداد. والاعتراف إن كان هناك نقصاً. وما الخطة التي تم اعتمادها للتعامل معه. تلك الشفافية، وإشراك عامة السوريين بالمعطيات الدقيقة التي تحكم أهم شريان لحياتهم –الوقود- هي المدخل الأمثل لخلق تفاعل صحي بين الحكومة والسوريين في الأيام المقبلة. سواء اشتدت الأزمات، أو انفرجت.