ملخص
تكشف الحرب الحالية كيف يغذي التطرف الديني في واشنطن وطهران حسابات السلطة، من نبوءات نهاية الزمان لدى الإنجيليين إلى عقيدة ظهور المهدي في إيران. وبينما تستثمر إسرائيل الفوضى لتغيير موازين المنطقة، تنزلق الولايات المتحدة إلى مغامرة قد تكون أخطر من حرب العراق.
لا تملك أميركا أي خطة. فقد اعترف دونالد ترمب بأن الأشخاص الذين كانت واشنطن تفكر في تعيينهم لقيادة إيران قد ماتوا الآن، وأن مرشحين آخرين قد يموتون قريباً. لذا، قد يبدو أن آلة الحرب الأميركية- الإسرائيلية لن تحقق أي انتصار نظراً لعدم وجود أي تحديد لشكل هذا الانتصار
ولكن، على حد تعبير السناتور إليزابيث وارن، التي أدلت بتصريحات عقب اجتماع إحاطة مكثف في البيت الأبيض بشأن الحرب، فإن الوضع “أسوأ من ذلك بكثير”.
لقد مررنا بهذا الموقف من قبل ولم نتعلم الكثير منه.
فالأكاذيب التي ترددت قبل غزو العراق عام 2003، وما تلاها من انعدام كفاءة ارتكزت، جزئياً على الأقل، إلى الأسباب نفسها.
إذ يعتقد الإسرائيليون اليمينيون المتشددون وأنصارهم من المسيحيين الإنجيليين أنه كان من الضروري الإطاحة بصدام حسين في العراق وبالحكم الديني في إيران الآن للحفاظ على أمن الدولة اليهودية على المدى الطويل.
وقد ذُكر ذلك بوضوح في وثيقة صادرة عام 1996 بعنوان “التحول الكامل – استراتيجية جديدة لتأمين المملكة [إسرائيل]”، والتي أعدها لمصلحة بنيامين نتنياهو رجال أصبحوا في ما بعد من أبرز النافذين في إدارة بوش، وفي مقدمهم من المحافظين الجدد دوغلاس فايث وديفيد ورمسر.
لقد عملوا جاهدين ضمن خلية استخباراتية سرية تابعة للبنتاغون تُسمى مكتب الخطط الخاصة من أجل حياكة أكاذيب مفادها أن صدام حسين كان يدعم تنظيم “القاعدة”، وأنه كان على وشك صنع سلاح نووي، وهي أكاذيب استُخدمت على جانبي المحيط الأطلسي لتبرير الحرب الكارثية على العراق.
لكنها كانت أكاذيب. كذلك أنه من غير الصحيح أن إيران كانت على وشك الانتهاء من صنع سلاح نووي، وأنها شكلت تهديداً وشيكاً على الولايات المتحدة (أو حلفائها)، أو أن الولايات المتحدة تهتم بأي شكل من الأشكال بالعدد الهائل من الإيرانيين الذين يتوقون بشدة إلى التحرر من القمع العنيف الذي يمارسه ملالي إيران.
ربما كانت الإطاحة بصدام حسين تناسب إسرائيل عام 2003. وربما يكون نتنياهو من المعجبين برئيس أركان فلاديمير بوتين، فاليري غيراسيموف، الذي يؤمن بأن إشاعة الفوضى في صفوف العدو تشكل انتصاراً.
لذا فإن أجندة إسرائيل في إيران واضحة. تدمير المكان وجعل الآخرين يحلون المشكلة. إذا انزلقت إيران إلى حرب أهلية مثلما حدث في العراق، فليكن. لن تمتلك طهران أي أسلحة نووية، ولن تتمكن من دعم جماعات مثل “حزب الله” و”حماس”، أو الحوثيين في اليمن، وستغرق آلاف السنين من الثقافة الفارسية في بؤرة الفوضى والانفلات الأمني.
سواء عام 2003 أو الآن في 2026، يناسب إسقاط الأنظمة في الشرق الأوسط نتنياهو وجماعته من القوميين اليمينيين المتطرفين.
إن تدمير مسار السلام في المنطقة هو مغامرة لا تتردد إسرائيل في خوضها، بينما تستولي في الوقت نفسه على أراضٍ في الضفة الغربية والآن في غزة.
قد لا تؤتي هذه المجازفة ثمارها، ولكنها تستند إلى حجة واقعية لتبرير ارتكاب مثل هذه المجازر الوحشية.
أما بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، فإن انجرارهم أكثر إلى المستنقع الإيراني سيكون “أسوأ من ذلك بكثير”.
طبعاً، قد تحلم شركات النفط الكبرى بالحصول على الوقود الأحفوري الموجود في إيران. ولا بد أن الشرفاء في جميع أنحاء العالم يفرحون بقطع رأس النظام في طهران وتدمير بنية القمع في جميع أنحاء إيران بواسطة القنابل الإسرائيلية والأميركية، مع أن ذلك غير قانوني بموجب القانون الأميركي والقانون الدولي.
لكن الجنون يسود قلب إدارة ترمب. إنه نوع من التطرف الديني الذي لا يضاهيه سوى تطرف الملالي.ن
في 2018، ألقى بيت هيغسيث الذي كان حينها معلقاً في قناة “فوكس نيوز”، خطاباً في فندق الملك داوود في القدس قال فيه إن تأسيس إسرائيل عام 1948 كان “معجزة”، وكذلك انتصارها في حرب الأيام الستة عام 1967، وقرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس عام 2017.
وقال إنه يتوقع حدوث معجزة أخرى، وهي إعادة بناء الهيكل اليهودي في موقع الحرم الشريف في القدس، وهو موقع مقدس في الإسلام.
ووفقاً للمعتقدات المسيحية المتعلقة بنهاية العالم، يعد هذا الأمر عاملاً أساسياً لعودة المسيح.
في الديانة اليهودية، يعد ذلك أحد الشروط المسبقة اللازمة لظهور “المسيح” للمرة الأولى، ويجب أن يسبق تحقق كلا المعتقدين تجمع يهود العالم بأسره في إسرائيل الحديثة قبل “الاختطاف”، عندما يصعد الصالحون إلى السماء.
وشَمَ هيغسيث على صدره شكل صليب القدس، وهو رمز صليبي تبنته الحركة القومية المسيحية اليمينية المتطرفة.
من الواضح أنه مؤمن بما يقوله عندما يعبر عن ابتهاجه بما تفعله الحملة الأميركية- الإسرائيلية في إيران وبـ”ضرب” النظام الإيراني.
ثمة اعتبارات سياسية واضحة تقف خلف الترويج لفلسفة نهاية الزمان في الولايات المتحدة. فوفقاً لاستطلاع أُجري عام 2022 من جانب “معهد بيو”، يعتقد نحو 39 في المئة من الأميركيين، و47 في المئة من البروتستانت الإنجيليين، أننا نعيش بالفعل مرحلة “نهاية الأزمنة”.
كذلك يرى ثلثا الإنجيليين أن انتخاب ترمب هو جزء من خطة إلهية. وفي العام الماضي، كشف استطلاع لـ”يوغوف” أن 43 في المئة من الأميركيين يؤمنون بوجود الشياطين.
ويؤمن مايك هاكابي، سفير الولايات المتحدة في القدس والمسيحي الإنجيلي، أن الله منح اليهود “صكوك ملكية” لأرض إسرائيل، وعندما سئل عما إذا كان على نتنياهو توسيع حدود إسرائيل حتى الفرات، قال “إذا قرروا الاستيلاء على كل شيء، فلا مانع لدي”
هذا الأمر لا يبدو منطقياً بالنسبة لمعظم الأوروبيين الذين يستمتعون بمشاهدة مصاصي الدماء والشياطين في أفلام هوليوود على التلفزيون، لكنهم يعلمون أن هذه الشخصيات خيالية وليست حقيقية.
في المقابل، يسود بين قادة النظام الإيراني إيمان بأن البلاد تهيئ الظروف اللازمة لعودة المهدي (المخلص) المنتظر الغائب عن الأنظار، وهو اعتقاد أساسي في مطالبتهم بالسلطة الدنيوية وجزء من الدستور الإيراني.
فدور المرشد الأعلى في إيران هو التحضير لظهور المهدي.
ومن الشروط المسبقة لذلك هزيمة الجيش الذي يحارب ضد الصالحين، وهو ما قد يفسر سبب رفض طهران إجراء محادثات لوقف إطلاق النار.
قد يبدو هذا ضرباً من الجنون لكن هذه هي الحقيقة السائدة في أروقة السلطة في واشنطن وفي مخابئ الملالي اليوم.
اندبندنت عربية
© The Independent
