في الذكرى السنوية الأولى لسقوط الأسد أُطلِقت الألعاب النارية في سماء ساحة الأمويين بدمشق احتفالاً، ورسم المظليون خطوطاً في السماء، واستعرضت الدولة الجديدة قوتها في موكب عسكري مهيب، ولم تَغِب عن المشهد الأغاني والهتافات القادمة من زمن الثورة السورية.

غير أن شيئاً واحداً كان غائباً: لم تكن هناك دقيقة صمت تَستحضرُ أرواح مئات الآلاف ممن قُتلوا أو اختفوا، لم تكن ثمة فسحةٌ للحداد الجماعي، لتحويل الألم الخاص إلى مشاعر مشتركة، للشعور بالهشاشة في وسط الجموع.

ولهذا بالذات، لم تتجه كثير من عائلات المختفين قسراً إلى الساحة في ذلك اليوم؛ ليس لأنهم لا يملكون سبباً للاحتفال بسقوط الطاغية الذي دمّر حياتهم، بل لأن كثيراً منهم خَشُوا أن تضيق بهم الساحة، أن يشعروا بالوحدة وسط الحشود، تماماً كما حدث قبل عام حين مشَوا في الشوارع المبتهجة يبحثون في كل وجه عن إشارة، عن خبر، عن أي شيء يدلّهم على أن أحبّاءهم ما يزالون أحياء.

إن هذا الشعور بالوحدة لدى عائلات المُختفين ينطوي على مفارقةٍ عجيبة، فالاختفاءُ القسري ظاهرةٌ تكاد تسكن كل زاوية في سوريا؛ ففي كل حيّ من أحياء هذا البلد ثمة من فقد قريباً أو صديقاً ذهب يوماً ولم يعد. ويُقدَّر عدد المختفين قسراً بما يزيد على مئة وثمانين ألف شخص منذ 2011، وبما يصل ربما إلى ثلاثمئة ألف منذ 1970. لكن مصيرهم يظلّ مُهدّداً بالنسيان في خضم عاصفة الأحداث المتلاحقة منذ سقوط نظام الأسد، فالأخبار السورية تتحدث عن معارك وتوترات في الداخل ومبادرات دبلوماسية في الخارج، بينما ينشغل معظم السوريين في تأمين نفقاتهم الشهرية.

يتسبّبُ ثقل الحاضر بجعل الالتفات إلى الوراء رفاهيةً يصعب تَحمُّلها، رغم أن هذا بالضبط هو ما تحتاجه سوريا؛ فضمانُ الحقيقة والعدالة لعائلات المختفين قسراً ليس ضرباً من المنّة أو الإحسان، بل هو السبيل الوحيد للبدء بعلاج جرحٍ مفتوح، جرح لن يتسبّبَ إهماله بتعذيب العائلات فحسب، بل سيأكل المجتمع السوري من الداخل.

بحث سيستغرق عقوداً من الزمن

فماذا يُقدَّمُ لعائلات المختفين قسراً؟ وما الإنجازات الحقيقية حتى اللحظة؟ وماذا ينتظرنا في الأفق؟

أمضينا شهرين في العمل على هذا التحقيق، وأجرينا مقابلات مع أكثر من عشرين مصدراً؛ من ذوي المختفين وجمعيات العائلات، ومع رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في دمشق وعدد من أعضائها، إضافةً إلى مصادر على معرفة بعمل المنظمات الدولية الثلاث الرئيسية القائمة على هذا الملف: الهيئة المستقلة الأممية للمفقودين في سوريا (IIMP)، واللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، واللجنة الدولية للمفقودين (ICMP).

ثمة حقيقة أساسية لا يختلف بشأنها الخبراء: البحث عن المختفين قسراً في سوريا لن يستغرق سنوات، بل عقوداً. ففي الأرجنتين ما يزال البحث جارياً حتى اليوم عن نحو ثلاثين ألف مختفٍ في عهد الحكم العسكري (1976-1983). وفي البوسنة والهرسك، مضت عشر سنوات كاملة على انتهاء الحرب قبل أن تُؤسَّس لجنة وطنية للبحث عن المفقودين.

في ضوء هذه المقارنة، قد يبدو تأسيس الهيئة الوطنية السورية للمفقودين في أيار (مايو) الماضي، أي في غضون ستة أشهر من سقوط نظام الأسد، إنجازاً جديراً بالتنويه. أمّا محدودية ما أنجزته هذه الهيئة حتى الآن فلا تُثير استغراباً كبيراً. يقول لويس فونديبريدر، عالم الأنثروبولوجيا الجنائية الأرجنتيني الذي يحمل خبرة أربعين عاماً في أكثر من ستين دولة: «رأيتُ هذا يتكرر مراراً. في العادة يستغرق الأمر سنةً أو سنةً ونصف كحدٍّ أدنى لمجرد تشكيل لجنة وطنية»، ويُجمع فونديبريدر مع كثيرين سواه على أنه لا يزال من المبكر الحكم على ما أنجزته الهيئة.

غير أن ثمة مشكلات ظهرت بوضوح ويُرجَّح أن تترك أثرها على هذا المسار، ويُمكن تقسيمها إلى ثلاثة محاور رئيسية بناءً على المقابلات التي أجريناها:

أولها: غياب الشفافية، والإقصاء: إذ تشعر عائلات المختفين قسراً بأنها تُهمَّش تدريجياً من قِبَل الهيئتين الوطنية والأممية على حدٍّ سواء، وهذا إشكالٌ مُضاعَف: فمن جهة، هذه العائلات هي المعنيّ الأصيل بعمل هذه المؤسسات، ومن جهة أخرى، يُفضي إقصاؤها إلى هدر ثروةٍ بشريةٍ ثمينة، إذ لا أحد في هذا العالم يمتلك من العزم والقدرة على المثابرة لعقود مثلما يمتلكه أفرادها.

تقول مريم حسن، الفلسطينية-السورية التي اختفى زوجها يونس المقبل وابنها محمد على حاجز للنظام قرب مخيم اليرموك في أيلول (سبتمبر) 2013: «ثمة كثير من الشباب المستعدين للتطوع، تعاونوا معهم!»، وتُضيف: «نحن نفهم أن هذا العمل يحتاج وقتاً طويلاً، لكننا نريد من الهيئة أن تكون شفّافةً معنا حول أين نقف. أمّا الآن فهم لا يتواصلون معنا حتى، وهذا يُولِّدُ يأساً عميقاً. يقول الناس: ما الفائدة؟ لا أحد يكترث لنا».

ثانيها: أزمة التمويل: فالهيئة تعمل وفق خطط طموحة، لكنها تعاني من شحّ شديد في الموارد، والدول المانحة تميلُ في الغالب إلى تمويل المنظمات الدولية بدلاً من دعم الهيئات المحلية، فيما تبقى الميزانية السورية في حدودها الدنيا. فضلاً عن ذلك، لم يُؤطَّر دور الهيئة بقانون واضح بعد، إذ لا تزال تستند إلى مرسوم رئاسي فحسب، ما يجعل تأمين التمويل المُستدام أمراً عسيراً.

أمّا ثالثها: فهو دور المنظمات الدولية، التي رغم امتلاكها من الموارد ما لا تحلم به الهيئة الوطنية، تشيرُ المقابلات التي أجريناها إلى أن جزءاً وافراً من هذه الأموال يذهب إلى غير مقصده، إذ تعاني الهيئةُ المستقلة الأممية للمفقودين ضعفاً واضحاً في أدائها وتكاد تعجز عن العمل الميداني في سوريا، فيما تُوجَّه إلى اللجنة الدولية للمفقودين اتهاماتٌ بالتأثير في قرارات الهيئة الوطنية لخدمة مصالحها الخاصة، لكنّ الهيئتين ترفضان هذا الادعاء كلياً. وعلى الرغم من توقيع المنظمات الثلاث مع الهيئة على «إعلان مشترك لمبادئ التعاون» في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، لا تزال الشكوك والمنافسة بين الأطراف تسود في الواقع العملي.

لجنة وطنية وسط فوضى إدارية

يشعر الدكتور محمد رضا جلخي بثقل الضغوط التي تتراكم على كتفيه، وقد كان إلى وقت ليس ببعيد مجرد أستاذ في جامعة إدلب، إلا أنه منذ أيار (مايو) الماضي بات يتصدر الهيئة الوطنية مُواجِهاً توقعات الملايين وإحباطاتهم.

عندما استقبلَنَا جلخي في وزارة الخارجية في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، لم يكن لهيئته حتى مكتبٌ خاص بها، وفي غرفة في الوزارة تُشكِّلُ مساحة عمله المؤقتة قال لنا: «لا يمكننا أن نُلوم العائلات على غضبها».

في الساعات التي قضيناها معه في أكثر من لقاء، بدا جلخي صادقاً في انشغاله بمهمته، ورغم الانتقادات التي تُوجَّه إلى الهيئة، بما يشمل غياب الشفافية وضعف الخبرات في التعامل مع ملف التغييب، يحظى هو شخصياً بإشادة عدد من العاملين في القطاع، فيصفونه بالنزاهة والذكاء ودماثة الخلق. ويُضاف إلى ذلك أنه يحظى بعلاقات متينة مع الدوائر العليا للسلطة الحالية، وهو ما لا ينطبق على جميع العاملين في هذا الملف.

غير أنه حين استقبلنا في ديسمبر الماضي، في مكتبه المؤقت، قال لنا يومها: «سيكون جاهزاً خلال أسبوعين». لكننا حين اتصلنا به في منتصف يناير لترتيب مقابلة لمتابعة التطورات، كان المكتب لا يزال غير جاهز.

أكثر ما يُقلقه، كما يقول، هو ضرورة الموازنة بين السرعة والدقة، فرغم الضغط المتصاعد لتقديم نتائج عاجلة، يُصرّ على أن الهيئة لن تنشر أسماءَ من وثائق الأرشيف كما تفعل بعض المواقع الإخبارية أو تطبيقات، مثل «فاتح 115». ويقول: «في بعض هذه الوثائق أخطاء. لقد وجدنا شهادات وفاة لأشخاصٍ لا يزالون أحياء».

وقد فاقمت الفوضى السائدة في حفظ الأرشيف وتنظيمه الأمر تعقيداً، فخلال عملية إسقاط النظام جرى تدمير كثير من الوثائق أو سرقتها، والمواد التي أنقذتها السلطات باتت موزعةً بين أفراد ووزارات مختلفة، في غياب واضح للتنسيق مع الهيئة.

ومن أبرز مظاهر هذا الخلل ما بات يُعرف بـ«ملف دمشق»، وهو كنز وثائقي مُسرَّب يضم 33 ألف صورة لمعتقلين لقوا حتفهم. أفادنا المحامي المقيم في برلين أنور البني بأنه هو من سلّم هذه المواد إلى الصحفيين، وأن المصدر الذي أوصلها إليه في كانون الثاني (يناير) 2025 سلّمها أيضاً إلى مسؤول بارز في السلطة الجديدة.

غير أن جلخي أخبرنا بأن هذا المسؤول لم يتواصل معه بشأن البيانات. وبعد يوم واحد من نشر تحقيق «ملف دمشق»، أصدرت هيئته بياناً أكدت فيه أنها لم «تتلقَّ أي ملفات إضافية تتعلق بما تداولته وسائل الإعلام مؤخراً» وحين سألنا في مطلع فبراير عمّا إذا كان الوضع لا يزال على حاله، وعمّا اتخذته الهيئة من خطوات للحصول على هذه المواد، رفض المتحدث باسمها التعليق وأحالنا إلى البيان السابق.

ولم يبدُ أنور البني من جهته متحمساً كثيراً لمدّ يد العون إلى الهيئة. فرغم أن المحامي الحقوقي أفاد بأنه تسلّم الملفات منذ يناير من العام الماضي، يقول جلخي إن منظمة البني لم تقترح مشاركته المواد إلا بعد أن أنجز الصحفيون نشر تحقيقاتهم. وحتى حينها، أخبرنا البني بأنه تخلى عن الفكرة في نهاية المطاف لأنه لم يجد في نفسه رغبة في الالتزام بالإجراءات التي أرسلتها إليه الهيئة. وقال ساخراً: «أرسلوا لنا بالبريد الإلكتروني نحو عشر صفحات تشرح كيفية نقل الوثائق. قلت لهم: ربما أكتفي بإلقائها على عتبة بابكم».

غير أن وزارة العدل وفق ما أفاد به جلخي، سلّمت الهيئة مؤخراً مجموعة ضخمة من الملفات، تشمل عشرات الآلاف من شهادات الوفاة وأوامر الإعدام، ويُرجَّح أن هذه المواد تتقاطع جزئياً على الأقل مع ما يتضمنه «ملف دمشق».

تفحصُ الهيئةُ الآن هذه الملفات للتحقق من صحتها، وفق ما أفاد به جلخي. وبمجرد الانتهاء من ذلك، ستُزار العائلات، التي تظهر أسماء أفراد منها في الملفات، في المنازل لإبلاغها بالنتائج. ويؤكد جلخي: «سنوضح أن هذه نتائج أولية وليست نهائية» مشيراً إلى أن العائلات ستُمنَح خياراً: فإن رأت أن المعلومات المُستخرَجة من الوثائق كافية، تُسلّم لها شهادة وفاة. أمّا من تريد يقيناً أعمق، فلا بد من البحث عن الرفات.

وهذا البحث سيطول لعقود، ولا يمكن الشروع فيه في المدى المنظور. إذ يرى جلخي أن المقابر الجماعية يجب أن تبقى مغلقةً وتحت الحماية حتى عام 2027 على الأقل، ريثما يتوافر تمويل كافٍ لدعم تدريب المختصين الجنائيين وإنشاء مختبرات الحمض النووي.

في الوقت ذاته، يطمح جلخي إلى بناء مؤسسته من الداخل عبر توظيف كوادر وافتتاح مكاتب إقليمية. وتتضمن خُططه إصدار بطاقات خاصة لعائلات المختفين قسراً، تُيسّر لهم حل العقبات القانونية والحصول على دعم اجتماعي واقتصادي ونفسي.

غير أن عنصراً جوهرياً يغيب عن هذه الخطط كلها: الميزانية. إذ لم تحصل الهيئة حتى الآن إلا على تمويل طارئ رمزي. ويُجري جلخي محادثات مع الحكومة للتفاوض على ميزانية فعلية لهذا العام. ولا يرغب في الإفصاح عن أرقام محددة، لكن المبلغ، على الأرجح، لن يتجاوز بضعة ملايين من الدولارات، وهو أقل بكثير مما تتلقاه لجان مماثلة في بلدان أخرى تُعاني من ظاهرة مشابهة على نطاق أضيق بكثير.

الهيئة الأممية للمفقودين: موارد وافرة وأداء متعثّر

تحظى المنظمات الدولية العاملة على ملف الاختفاء القسري في سوريا بأموال أوفر بكثير، فمثلاً، خُصصت للهيئة الأممية للمفقودين، ومقرُّها جنيف، ميزانية اعتيادية معتمدة بنحو 11 مليون دولار لعام 2025 (صُرف منها في نهاية المطاف نحو 8 ملايين دولار في ضوء الأزمة المالية الأممية). وبحسب المعلومات الأممية المتاحة للعموم، ذهب 72 بالمئة من هذه الأموال (نحو 8 ملايين دولار) كرواتب لموظفيها، وهي نسبة مرتفعة حتى بمقاييس المنظمات الدولية. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الموارد، التي يحلمُ بها جلخي، تُعاني الهيئة الأممية من إخفاقات صريحة في أدائها، وفق ما كشفت عنه محادثاتنا مع أكثر من ست مصادر مختلفة.

أُسِّسَت الهيئة الأممية في حزيران (يونيو) 2023 إثرَ سنوات من الضغط والمناصرة من قِبَل جمعيات العائلات في الشتات السوري، وحين افتتحت مكتبها في جنيف في العام التالي، أسهمت هذه الجمعيات في وضع هياكلها وتحديد استراتيجيتها. كانت الهيئة، باختصار، مُؤسَّسةً للعائلات ومن العائلات.

لكن أموراً كثيرة تغيّرت منذ أن أمسكت الموظفة المدنية المكسيكية كارلا كينتانا بزمام الهيئة في كانون الثاني (يناير) 2025. كانت كينتانا قد ترأست اللجنة الوطنية المكسيكية للبحث منذ عام 2019 حتى استقالتها عام 2023. ووفقاً للتقارير المكسيكية، فقد استقبلت جمعيات العائلات رحيلها بارتياح.

وفي رئاستها للهيئة الأممية للمفقودين، يُقال إن كينتانا تُدير المنظمة بأسلوب مُغلق يفتقر إلى الشفافية ويميل إلى المركزية المفرطة، وهو ما يستدعي إلى الذهن الانتقادات ذاتها التي أُثيرت في وسائل الإعلام المكسيكية. وتقول جمعيات العائلات السورية إن دورها في صنع القرار، الذي كان فاعلاً في السابق، تراجع في عهد كينتانا، وإنها تفتقر إلى معرفة عميقة بالشأن السوري، فضلاً عن أنها استقطبت عدداً من الموظفين المكسيكيين منذ توليها المنصب. والأرقام تقول إن أربعةً فقط من أصل خمسة وثلاثين موظفاً مُسجَّلون بالجنسية السورية، وإن كان متحدث الهيئة أشار إلى أن غالبية الموظفين يُتقنون العربية بمستوى مهني.

رفضت كينتانا إجراء أي مقابلة، وأحالت الأسئلة إلى المُتحدِّث باسمها. ولم يُعلّق المُتحدِّث على الانتقادات الموجهة إلى أسلوبها في القيادة تحديداً، مكتفياً بالتأكيد على أن «العائلات في صميم عمل الهيئة»، ومُشيراً إلى أن المنظمة عقدت الشهر الماضي جلسة حوار معمّق مع 27 ممثلاً لمنظمات المجتمع المدني السوري. غير أن عدداً من الحاضرين في هذا اللقاء أكدوا أن مشاركة العائلات لم تعد تتجاوز كونها ديكوراً وواجهة، ولاحظوا غياب شخصيات مدنية بارزة كانت تحضر في لقاءات مماثلة في السابق.

وفوق هذه الإشكاليات الداخلية، تواجه الهيئة الأممية عائقاً خارجياً كبيراً: ذلك أن الحكومة السورية لم توافق بعد على نقل مقر الهيئة إلى دمشق. ولهذا أسبابه المُتشعبة؛ فثقة السوريين عموماً – حكومةً وشعباً – بالأمم المتحدة تآكلت بسبب إخفاقها الذريع في سوريا، ولأن الأموال الأممية كانت تتسرّبُ في جيوب النظام السابق. وبشكل أخصّ، يبدو أن الهيئة الوطنية تخشى من أن الهيئة الأممية قد تستقطب كفاءات محلية بعروض رواتب أممية مغرية، وأن تُقحِمَ نفسها في ملفات يَحرص جلخي على الاحتفاظ بزمامها. وقد أفادَ لنا بأنه طلب أصلاً من الهيئة الأممية وقف تسجيل حالات الاختفاء القسري الجديدة، وهو ما كان يُمثِّلُ أحد أنشطتها الملموسة القليلة.

أكدت الهيئة الأممية من جهتها أنها «لم تتلقَّ أي ردٍّ سلبي» على طلب فتح مكتب لها في سوريا، ورفضت التعليق بصورة أوسع. وأشار المُتحدِّثُ إلى أن فِرَق الهيئة تتوجّه إلى سوريا باستمرار «لتعميق التعاون مع أصحاب المصلحة المعنيين»، مؤكداً قدرة المنظمة على «تنفيذ مهامها الجوهرية». وحين سُئل عن أبرز إنجازاتها العام الماضي، أشار إلى توقيع الإعلان المشترك مع الهيئة الوطنية والشركاء في تشرين الثاني (نوفمبر).

وعلى الرغم من تَحسُّن طفيفٍ في العلاقة مع الحكومة مؤخراً، يبقى واضحاً أن الهيئة الأممية غير قادرة على القيام بمهامها التي أُسِّسَت من أجلها في الوقت الراهن. وما لم تطرأ تغييرات على إدارتها الداخلية، وما لم يُتَح لها وجود دائم داخل سوريا، فإنها تسير نحو التهميش التدريجي أو ربما الإلغاء الكامل. وهذا ليس خسارة مالية وحسب، بل خسارة لمؤسسة يرى فيها كثير من الأسر ضماناً وجدار حماية إن عادت سوريا إلى الصراع أو أخفقت الهيئة الوطنية في أداء مهمتها.

حدود الدعم الدولي

تمتلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) حضوراً ميدانياً بارزاً في سوريا؛ إذ أنفقت في عام 2024 ما يزيد على مئة وخمسة وثلاثين مليون دولار على عملياتها هناك (دون أن تُتاح الأرقام التفصيلية لعام 2025). وإن كانت الغالبية العظمى من هذه الأموال تذهب إلى الإغاثة الإنسانية والخدمات الأساسية، فإن الصليب الأحمر يُسهم أيضاً في البحث عن المختفين قسراً في سوريا، وهو من أكثر الجهات العالمية خبرةً في هذا الملف.

غير أن متحدث الصليب الأحمر رفض ترتيب أي مقابلة مع خبير متخصص في ملف المفقودين، واكتفى بالإجابة عن أسئلة خطية. وحين سُئل عن حجم الإنفاق المُخصَّص لهذا الملف تحديداً، أجاب بأن «اللجنة لا تُفصِحُ علناً عن توزيع الميزانية على الملفات المختلفة».

وحين سُئل عن طبيعة أنشطتها في هذا الشأن، أشار إلى أن اللجنة تُجري مقابلات مع الأسر حول ذويهم المفقودين، وتُجمّع المعلومات الواردة منها، وتُنظّم جلسات توعية حول مفهوم «الفقد الملتبس»، وتُدرّب خبراء الطب الشرعي السوريين، وتُسهِم في إنشاء مختبر للحمض النووي. كما تتعامل اللجنة مع الهيئة الوطنية منذ تأسيسها، لكن المتحدث لم يُفصح عن طبيعة هذه العلاقة، مكتفياً بالقول: «الحوار الذي تُجريه اللجنة مع الهيئة الوطنية يبقى ثنائياً وسرّياً».

المنظمة الدولية الوحيدة التي وافقت على منح مقابلة فعلية لهذا التحقيق كانت اللجنة الدولية للمفقودين (ICMP)، التي أُسست في عام 1996 في أعقاب حرب البوسنة، ومقرها لاهاي، وتنشط في كثير من الدول، وبلغت مساهمات المانحين لها نحو تسعة عشر مليون دولار في عام 2024. وفيما تستأثر أوكرانيا بالجزء الأكبر من هذه الأموال، تُقدَّر استراتيجية التمويل الخاصة بها لبرامج سوريا للفترة 2025-2030 بنحو 3.8 مليون دولار لعام 2026.

وفق المديرة العامة للَّجنة، كاثرين بومبرغر، تَنصبُّ الأولويةُ في سوريا على بناء قدرات الهيئة الوطنية. وهذا لا يعني مجرد توسيع الكوادر، بل يستلزمُ صياغة تشريع يُحدِّدُ صلاحيات الهيئة، ويضمن ميزانيتها، ويُرسي قواعد حماية البيانات. وتقول بومبرغر إنها حضرت جلسات عصف ذهني مع الهيئة وعدد من الوزارات في الخريف الماضي، وعرضت المساعدة في تيسير تشكيل لجنة لصياغة التشريع. كما أكدت استعداد اللجنة لمشاركة بيانات ثلاثين ألف مفقود مع الهيئة، وتزويدها بنظام إدارة قواعد بيانات مُعرَّب. وقالت: «نظامنا جاهز للانطلاق. العراق يستخدمه، وأوكرانيا تستخدمه، وليبيا على وشك الانضمام».

من الواضح أن (ICMP) تُولي اهتماماً بالغاً لعلاقتها مع الهيئة الوطنية. يُقال إن مدير برنامجها السوري مازن البلخي يتمتع بقنوات تواصل قوية مع جلخي، الذي أتاحت له اللجنة لقاءات وزيارات عدة. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، استقبلته المنظمة في لاهاي حيث وقّع اتفاقية تفاهم. وقبل ذلك بشهر، يسّرت له ولفريقه زيارة إلى البوسنة والهرسك للاستفادة من تجربتها في البحث عن المفقودين في منطقة غرب البلقان، حيث تمت معرفة هوية أكثر من سبعين بالمئة من المفقودين بمساعدة اللجنة ومختبراتها المتخصصة في تحليل الحمض النووي في لاهاي.

لكن يبدو أن هذه الرحلات لا تخلو من المصالح الشخصية، فوفقاً لخمسة مصادر، ثلاثة دبلوماسيين واثنان من خبراء الاختفاء القسري، اكتسبت اللجنة سُمعةً بالتشبيك الفعّال مع الحكومات لتسويق خبراتها ومختبراتها لاحقاً.

يقول فونديبريدر، الأنثروبولوجي الجنائي الأرجنتيني: «اللجنة بارعةٌ في التسويق. تدّعي أنها المؤسسة الوحيدة القادرة على إجراء أبحاث الحمض النووي في حالات كهذه، وهذا ببساطة غير صحيح. في نظري هي فرصة تجارية. إذ يُكلّف تحليل فردي باستخدام الحمض النووي لعظمة واحدة نحو خمسمئة دولار، وإن جرى استخدام الحمض النووي الميتوكوندري، وصل السعر إلى ألف وخمسمئة دولار للعظمة الواحدة».

ويُضيف فونديبريدر أن نجاح تجربة اللجنة في البلقان تَحقَّقَ في سياق استثنائي لا يُعيد إنتاج نفسه بسهولة في أي مكان آخر. فضحايا سريبرينيتشا، على سبيل المثال، سقطوا في رقعة جغرافية محدودة وخلال إطار زمني ضيق، مما يُيَسّر استخدام الحمض النووي لأن ثمة فكرة مبدئية عمّن دُفن وأين. أمّا الحالة السورية فمختلفة جذرياً؛ البلاد مليئة بالمقابر الجماعية، كثير منها لم يُكتشَف بعد، واستغرق الاختفاء القسري فيها عقوداً متتالية. وفي هذا السياق، يقول فونديبريدر: «الخطوة الأولى هي تتبّعُ الخيوط من خلال الأرشيف والمقابلات مع الأسر والجناة. الحمض النووي لا يُحقّق المعجزات وحده. فالمسألة ليست مجرد جمع عينات. الأصعب بكثير هو تحديد الصلة بين شخص موجود في الأرشيف وبين الموقع الذي قد يكون دُفنَ فيه».

بالمقابل، ردّت كاثرين بومبرغر على منتقديها بحزم. قالت: «لا مصلحة ذاتية لنا في هذا كله. نريد أن نساعد سوريا بالتنسيق مع المؤسسات الشريكة، ونحن لدينا مختبر حمض نووي هنا يمكنه خدمة سوريا إن شاءت سوريا الاستفادة منه». وأكدت أن مجالات عمل اللجنة «متعددة الأوجه»، مشيرةً إلى أنها لم تُبادر بذكر مختبرات الحمض النووي خلال المقابلة – وهذا دقيق – ورأت في الانتقادات انعكاساً لحدّة التنافس في القطاع في ظلّ التقليص الحاد في التمويل الإنساني العالمي؛ تقول: «المانحون محدودون ونحن جميعاً نتسابق على كسب دعمهم».

«نحن كالجمر المتقد»

في هذا السباق على التمويل، تنطلق الهيئة الوطنية من نقطة مُتأخِّرة. رغم أن جلخي أشار إلى أن المملكة المتحدة وألمانيا تواصلتا معه مؤخراً لبحث إمكانية الدعم المباشر، فإن الدول المانحة في الغالب تُفضّل ضخ أموالها عبر المنظمات الدولية. وهذا يُجسّد إشكالية أعمقَ تعتري القطاع الإنساني بأسره. فالحكومات الغربية، ولا سيما في تعاملها مع العالم العربي، تتحاشى في الغالب تمويل الجهات المحلية مباشرةً، خشيةً من ردود فعل شعبية سلبية لدى ناخبيها الذين يحملون في الغالب صورة نمطية سلبية عن المنطقة. لذا يلجؤون عادةً إلى توجيه الدعم عبر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، حتى حين تكون هذه الأخيرة أقل كفاءةً من نظيراتها المحلية. فالهيئة الأممية للمفقودين، ورغم ضعف أدائها الظاهر، تلقّت العام الماضي مليوناً ومئتي ألف دولار كمساهمات طوعية من ألمانيا ولوكسمبورغ إلى جانب ميزانيتها الاعتيادية، وأكد المتحدث أن دولة أخرى تعهدت بمساهمة إضافية في كانون الأول (ديسمبر).

يُقدّمُ جلخي وجهة نظر حادة في هذا الشأن، فهو يرى – كما يرى كثيرون في القطاع – أن الجزء الأكبر من أموال المنظمات الدولية يُصرَف في نفقات عامة، واستشارات، وورش عمل، وبنود إدارية. يقول: «هذه الأموال هي في الأصل ملكٌ للعائلات. لذلك اتخذتُ قراراً بعدم المشاركة في أي ورشة أو نشاط مماثل ما لم تكن العائلات هي المستفيدة منه».

وحين سُئل عن أسباب عدم انتقال الهيئة الأممية إلى دمشق حتى الآن، لم يُجب بشكل مباشر، لكنه أشار إلى استمرار المباحثات. أمّا فيما يخص اللجنة الدولية للمفقودين (ICMP)، فأكد أنه يتفاوض معها للحصول على الكوادر البشرية المتخصصة والمعدات اللازمة لإنشاء المختبرات، مُصرّاً في الوقت ذاته على أن فحوصات الحمض النووي يجب أن تُجرى داخل سوريا، ويقول: «لن نسمح بخروج عينات الحمض النووي من سوريا».

يُقدِّمُ جلخي موقفاً صريحاً في المُجمل بشأن العلاقة مع الفاعلين الدوليين: سوريا بحاجة إلى مساعدة الجميع، لكن الهيئة هي التي تُحدد الاستراتيجية وتتولى تنفيذ المشاريع على أرض الواقع. يقول: «هذا العام سيكون اختباراً حقيقياً للمنظمات الدولية ومدى تعاونها المثمر معنا. نحتاج إلى تنفيذ مشاريع على أرض الواقع، لا إلى حضور ورش عمل».

لكن على الهيئة نفسها أيضاً اجتياز اختبارات جوهرية، فإن أرادت اجتذاب مزيدٍ من التمويل الدولي، فعليها إثبات أنها تعمل وفق معايير صارمة. وقبل كل شيء، يُريد المانحون التأكد من أن الهيئة محايدة تماماً وتبحث عن جميع المختفين قسراً، بمن فيهم من اختُطفوا بعد سقوط الأسد، أو على أيدي جهات كانت قريبة من الحكومة الحالية أو ما تزال.

يؤكد جلخي التزامه الشخصي بهذا المبدأ: «هذه الهيئة هي لجميع السوريين، وهي مستقلة عن الحكومة. وإن سمعتم يوماً أنني استقلت، فاعلموا أن الحكومة حاولت التدخل في عملي».

ورغم أن مصادر في القطاع أكدت أن جلخي نفسه يبدو ملتزماً فعلاً بالحياد، فإنها أبدت تشكُّكاً أشدَّ تجاه الحكومة ومسارها، ولهذا يُلحّ هؤلاء على ضرورة أن يتحوّل تفويض الهيئة من مرسوم رئاسي إلى قانون راسخ في أسرع وقت ممكن.

فضلاً عن ذلك، يرتبط التزام الحكومة بملف المختفين قسراً بالتزامها بالعدالة الانتقالية بمفهومها الأشمل، وهنا أيضاً تبقى الأمور مُلتبسة. فرغم تصريح وزير العدل في مقابلة تلفزيونية أخيرة بأن عام 2026 سيشهد تطورات جدّية في هذا الملف، لم تُعقَد حتى اللحظة محاكمات علنية ذات شأن لكبار مسؤولي النظام السابق.

بل على العكس من ذلك، أبرمت الحكومة الجديدة عشرات الصفقات مع رجال الأسد وبعض أدواته، وهو ما وثّقه الأكاديميان علي الجاسم من جامعة (أوترخت) ورينود ليندرز من كلية (كينغز كولدج لندن) في تقرير مُفصَّل. ولعل أكثر ما استثار الجدل أن لجنة السلم الأهلي التي شكّلتها الحكومة قررت التعاون مع فادي صقر الذي كانت قواته، من ميليشيات الدفاع الوطني، متورطة في عدد لا يُحصى من حالات الاختفاء القسري وجرائم حرب أخرى.

ما دامت هذه الصفقات الجارحة قائمة، يظلُّ من العسير على العائلات أن تضع ثقتها في هيئة جلخي. فرغم أن ملف المختفين وملف العدالة الانتقالية يتولّاهُما جهازان منفصلان، إلا أن العائلات ترى فيهما وَجهين لقضية واحدة.

تقول مريم حسن، التي فُقِدَ زوجها وابنها على حاجز قرب مخيم اليرموك: «أولويتنا المطلقة الآن هي العدالة. يُمكننا أن نصبر على الحكومة في الكشف عن مصير أحبائنا، لكن العدالة لا تنتظر. لن نشعر بالسلام الداخلي إلا حين نرى المجرمين يُعاقَبون، وهذا السلام سينعكس على المجتمع كله».

وتُحذّر مريم: إن تأخرت العدالة، «سيكون ذلك كوضع قشّ فوق النار». فكثيرٌ من عائلات المختفين، حسب قولها، قد يصل بهم اليأس في نهاية المطاف إلى الانتقام، فيُعيدون إشعال دوامة العنف من جديد: «نحن كالجمر المُتّقد. يُمكن تبريده إلى حين، لكن إن تُرِكَ وحده وأُهمل، فسينتشرُ الحريق إلى حد لا يستطيع أحدٌ إخماده».

طبعاً، الجميع يعرف أن الجمر يجب ألا يُهمَل. لكن الناس ينسون. وليس أشد ما تخشاه مريم أن السوريين لا يكترثون بالعدالة، بل أن تُبتلَعَ هذه القضية مع الوقت في زحمة الأحداث المتلاحقة، حتى تتحول إلى مجرد إزعاج غير مُرحَّب به، وأمر نافر لا يتلاءم مع أجواء الاحتفال والتطلع للمستقبل. فبالنسبة لمريم، التي كانت من بين الأهالي الذين آثروا عدم التوجه إلى ساحة الأمويين في الثامن من ديسمبر، أحياناً يبدو ذلك المآل أقربَ مما تريد أن تتخيله.