ثمة سؤال ضمن أسئلة كثيرة مثيرة للقلق عن حرب إيران: لماذا الآن؟ ولماذا العجلة؟ وهل لدى الإدارة الأميركية مبرر يمكن أن يحظى بقبول الرأي العام الأميركي والكونغرس؟
أثار هذا السؤال المحلل الأميركي جريج بريدي في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنتريست”، حيث يجيب بأن الأمر لم يحظ بنقاش قبل اندلاع القتال، وهو ما أدى إلى وضع نادر تاريخيا تمثل في إطلاق حرب دون دعم أغلبية الشعب منذ البداية.
ويقول بريدي إنه، خارج السلطة التنفيذية، فإن الجهة التي تملك أكبر قدر من الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية الحساسة هي ما يعرف بـ”عصابة الثمانية”، وهي مجموعة من قادة الكونغرس من الحزبين ومن مجلسي النواب والشيوخ، الذين يتلقون أوسع الإحاطات وأكبر قدر من المعلومات.
ولدى سؤال واحد من الثمانية، السيناتور مارك وارنر (ديمقراطي-فرجينيا)، في برنامج “بي بي إس نيوز آور” مساء 3 آذار، عما إذا كانت أي من المعلومات التي اطلع عليها تكشف عن تهديد وشيك لأميركا، أجاب: “بالتأكيد لا… توقيت هذه الحرب أملاه (رئيس وزراء إسرائيل) بنيامين نتنياهو. علينا أن نظهر المخاطر المباشرة والفورية على أميركا، وهذا لم يكن موجودا.”
واستنادا على ذلك، وعلى التقارير العامة والدورية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كان النهج الإيراني لإعادة بناء برنامج تخصيب اليورانيوم منذ الحرب القصيرة في حزيران الماضي حذرا نسبيا. ولا يوجد بالتأكيد ما يمكن أن يثير بشكل منطقي حالة ذعر بشأن التوجه نحو إنتاج رأس حربي أو امتلاك مواد انشطارية بدرجة تصلح لصناعة أسلحة.
والذي تغير هو المكان الذي وضعت فيه أميركا “خطوط الهدف” لشن حرب وقائية (وليس استباقية). ويعود جزء كبير من هذا التحول إلى زيارة لم تحظ باهتمام واسع قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للبيت الأبيض في 28 كانون الأول 2025.
وخلال هذا اللقاء عرض نتنياهو على الرئيس الأميركي دونالد ترامب وجهة نظر مفادها أنه رغم عدم وجود سبب يدعو للقلق على الصعيد النووي، فإن إيران تحقق تقدما كبيرا في إعادة بناء وتوسيع برامجها للصواريخ الباليستية.
ومنح ترامب نتنياهو “الضوء الأخضر” من حيث المبدأ لشن ضربة مستقبلية، وهو ما يعني ضمنيا ضرورة مشاركة أميركا، نظرا لحاجة إسرائيل لمساعدة واشنطن في التصدي للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
ولفت بريدي إلى تقارير إسرائيلية حديثة أشارت إلى أن نتنياهو وترامب ناقشا تفاصيل حملة عسكرية جديدة خلال اجتماع كانون الأول، مع تحديد إطار زمني مبدئي في أيار 2026.
كما أن الاحتجاجات التي بدأت في إيران أواخر كانون الأول واستمرت حتى كانون الثاني قد أضافت زخما لهذه الفكرة، خاصة بعدما أعلن ترامب تعهده: “المساعدة في الطريق”.
وخلص بريدي إلى أن الأسس البنيوية لهذا القرار كانت مرتبطة أكثر ببرامج الصواريخ.
وغالبا ما يتحدث الخبراء الاستراتيجيون في إسرائيل عن الحفاظ على “حرية التحرك” فيما يتعلق بإيران، أي القدرة على تنفيذ عمليات هجومية عندما يرون ضرورة لذلك، دون قلق من رد إيراني مباشر وفوري باستخدام ترسانة صاروخية.
وبالنسبة لإسرائيل يعد هذا الوضع ميزة كبيرة، لكنه يعني أيضا أن إيران لا يمكن أن تتخلى عن هذه الترسانة عبر المفاوضات.
أما بالنسبة لأميركا فالوضع أكثر تعقيدا، فلو كانت إدارة ترامب عرضت مبررات الحرب على الكونغرس والرأي العام استنادا فقط للتهديد التقليدي الإيراني والحفاظ على “حرية التحرك”، مع الاعتراف بعدم وجود خطر نووي فوري، لما كان الأمر مقنعا للغالبية بالقدر نفسه الذي يشكله التهديد النووي.
وحاول ترامب الترويج لفكرة وجود تهديد إيراني بصواريخ باليستية عابرة للقارات خلال خطابه عن حالة الاتحاد، رغم أن وكالة استخبارات الدفاع ترى أن أي تهديد محتمل من هذا النوع يظل بعيدا في المستقبل، حتى لو قررت إيران تطويره انطلاقا من مركبات إطلاق الأقمار الاصطناعية لديها. ولا توجد حاليا أي مؤشرات على أنها تعتزم ذلك.
ونظرا لقدرة إيران المثبتة على إعادة بناء برنامجها الصاروخي بعد الحروب، يعني ذلك أن إسرائيل ستضطر إلى “جز الشعب” بشكل دوري لإبقاء البرنامج تحت السيطرة.
كما أن إسرائيل سوف تحتاج، بناء على التجارب الأخيرة، إلى دعم أميركي في مثل هذه الضربات حتى تتمكن واشنطن من المساعدة في اعتراض الصواريخ باستخدام منظوماتها الدفاعية، مثل “ثاد”، وصواريخ “إس إم3”. وجرى استنزاف نحو ربع هذه الصواريخ الاعتراضية خلال حرب حزيران الماضية، وفي المواجهات الأميركية مع الحوثيين في اليمن خلال السنوات الأخيرة.
وسوف يكون تكرار ذلك بمرور الوقت خيارا صعبا لأميركا، كما أنه غير قابل للاستدامة وفق أي معدل إنتاج واقعي للصواريخ الاعتراضية.
وبما أن إسرائيل سوف تحتاج إلى دعم ومشاركة أميركية مستمرة، فإن هناك طلبا ضمنيا ضخما وطويل الأمد موجها لأميركا، حيث يتطلب ذلك بالتأكيد إعادة توزيع للقوات والموارد العسكرية الأميركية، وهو أمر يستدعي إجراء نقاش جاد في واشنطن، وليس مجرد قبول سلبي.
وربما يكون هذا هو السبب لماذا تركز إسرائيل والولايات المتحدة على تغيير النظام في إيران.
ويتساءل بريدي، لكن ما مدى واقعية هذا الهدف؟ وهل يمكن لأي تغيير في النظام أن يفضي إلى حكومة إيرانية لا ترغب في تسليح نفسها، حتى بالأسلحة التقليدية؟
ويقول المحلل بريدي إن القادة الإسرائيليين ربما كانوا أكثر تقبلا من أميركا لفكرة تفكك إيران، أي سيناريو يتم فيه تسليح ودعم حركات انفصالية عرقية من قبل أميركا وإسرائيل، حتى مع خطر انطلاق فترة طويلة من العنف والفوضى الداخلية بعد توقف العمليات العسكرية المباشرة.
وتشير تقارير صحفية حديثة إلى أن إدارة ترامب تبدو منفتحة على هذا الاحتمال، بعد معلومات عن تواصل وكالات الاستخبارات الأميركية مع انفصاليين أكراد.
ولكن بريدي يرى في ذلك مخاطرة كبيرة، إذ قد تدفع بعض الإيرانيين القوميين إلى العودة لدعم النظام الحالي أملا في الحيلولة دون تفكك البلاد.
ويبدو أن إسرائيل مستعدة لتحمل عواقب احتمال تحول إيران إلى دولة فاشلة، ولكن مصالح واشنطن – الاستقرار والتدفق الحر للطاقة من الخليج – تبدو مختلفة تماما.
ويرى المحلل الأميركي في تقريره أن “الطلبات الضمنية التي تطرحها إسرائيل على الولايات المتحدة للمستقبل ـ من خلال مطالبتها بخفض عتبة الحرب الوقائية من البرنامج النووي إلى الصواريخ الباليستية، والحفاظ على حرية التحرك ضد إيران ـ ضخمة للغاية”.