
الكاتبة العراقية لطيفة الدليمي (دار المدى)
لنا عبد الرحمن.. ناقدة. … اندبندنت عربية
ملخص
رحلت الكاتبة العراقية لطفية الدليمي في اليوم العالمي للمرأة. وفي هذا التزامن ما يشبه المفارقة الدالة؛ وكأنها بهذا الرحيل أرادت أن تكون مثالا للمرأة العربية المبدعة، فهي عاشت حتى اللحظة الأخيرة تكتب في الفن الروائي والنقد، ومنكبة على الترجمة التي لها فيها أعمال مهمة ورائدة.
رحلت لطيفة الدليمي في الثمانين من عمرها، هذه الكاتبة التي أمضت عقوداً تنقلت فيها بين المنفى والإبداع، ثم وجدت على صفحتها في الفضاء الافتراضي ما عجزت المؤسسات الثقافية عن توفيره لها، منبراً حراً بلا حراس.
لم تكن الدليمي تمارس النشاط الرقمي بمعناه الاعتيادي، بل يلاحظ متابع صفحتها أنها كانت تؤسس لحوار فكري عميق، كأنها في سباق مع الزمن، وكأن النار المتقدة داخلها لا تعرف الخمود سواء عبر تقديم ترجمات متواصلة عن اللغة الإنجليزية لمقالات وكتب، أو طرح أسئلة فكرية تُلقيها في فضاء النقاش، وتُقبل على الحوار والإجابة بروح كريمة ولغة ودودة.
من مدينة بعقوبة التي منحتها جذورها، إلى بغداد التي صنعت وعيها وأشعلت قلمها، إلى لندن التي فتحت أمامها نوافذ العالم حين درست اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية غولدسمث، ثم باريس التي أمضت فيها عامين، لكنها شعرت باغتراب كبير في شوارعها حد أنها كتبت ذات مرة تحكي عن اشتياقها لسماع صوتها وهي تتحدث مع أحد آخر. لذا قررت العودة إلى عمان التي كانت محطتها الأخيرة حتى وفاتها. لم تكن لطفية الدليمي كاتبة تسكن الأمكنة، بل كانت الأمكنة تسكنها هي؛ كل مدينة مرت بها تركت في كتاباتها أثراً، وكل رحيل أضاف إلى صوتها طبقة جديدة تؤلف بين الحنين والمقاومة.
الخسارة والمنفى
رحلت لطفية الدليمي بعيداً من العراق؛ وفي هذه الجملة القصيرة ما يكفي لفهم تاريخ ثقافي مأوي لبلد بأكمله. فالكاتبة التي أمضت عقوداً تشتغل على سؤال الهوية والمكان والانتماء، لم تمت في البلد الذي جعلته مادتها الوجودية الأولى، بل في المنفى الذي طال حتى صار أطول عمراً من حياتها في الوطن نفسه. وهنا يكمن الجرح الحقيقي، ليس في الرحيل ذاته، بل في أن جيلاً كاملاً من أعمق المثقفين العراقيين أُجبر على أن يحمل وطنه في الذاكرة، لأن الجغرافيا لم تعد آمنة، ولأن عليه البقاء بعيداً، كي يستمر في الكتابة.
الدليمي لم تكتب عن المنفى كموضوع أدبي رومانسي، بل عاشته كجرح مفتوح ظل ينز في كل نص كتبته، سواء وهي تحكي عن المرأة ومعاناة الاغتراب في رواياتها، أو وهي تصف أحد أبطال قصصها، لاجئ عراقي يكتشف لأول مرة قهوة الكابتشينو في إحدى المدن الأوروبية، ويقارن مذاقها بالقهوة العربية. لعل المفارقة النقدية عند الحديث عن أدبها، أنه ازداد ثراء كلما تباعدت المسافة مع مصدره، كأن البُعد الجغرافي عن المكان منحها الرؤية النافذة لاكتشاف خباياه وأحوال من بقوا فيه ومن غادروه. الخسارة هنا تبدو الشرط الإبداعي والنقدي الأكثر وضوحاً في غزارة إنتاجها في النقد والترجمة والإبداع، كانت الدليمي تكتب العراق وهي خارجه، تستحضر تفاصيله بتلك الدقة الموجعة التي لا يملكها إلا من فقد شيئاً ولم يستطع نسيانه.
الروائية والمترجمة
بين القصة والرواية والترجمة والدراسات، تجاوزت أعمالها الـ40 كتاباً. حين نتأمل مسيرة لطفية الدليمي الإبداعية، يتضح أننا أمام كاتبة لم تحبس نفسها في جنس أدبي واحد، بل كانت تتحرك بحرية واضحة بين القصة والرواية والمقالة والدراسة النقدية والترجمة. فالقصة القصيرة كانت رفيقتها الأولى والأكثر حضوراً، منذ “ممر إلى أحزان الرجال” عام 1970 وحتى “مسرات النساء” عام 2015، لم تتوقف عن العودة إليها. لكن الرواية كانت فضاءها الأكثر عمقاً واشتغالاً، إذ بنت سبع روايات على مدى ثلاثة عقود كل منها يمثل محطة في تطور رؤيتها للعالم. وإلى جانب الإبداع، أسست لحضور فكري ونقدي متميز عبر كتب في المقالة الجمالية والدراسات النقدية وأدب الرحلات، فضلاً عن اشتغالها المتواصل بالترجمة عن الإنجليزية، التي لم تكن نشاطاً هامشياً بل كانت امتداداً طبيعياً لفضولها المعرفي ورغبتها في فتح نوافذ الثقافة العربية على ما يُكتب في العالم؛ وكأنها رأت في كل هذه الأشكال أدوات متكاملة لمشروع واحد لم ينته يوماً.
كتبت الدليمي من داخل وجع الواقع العراقي، دماره وتشظيه، وهذا ما جعل أعمالها أكثر إيلاماً وأصعب هضماً في آن واحد. في روايتها “سيدات زحل” رصدت بغداد من خلال سرد بطلتها حياة البابلي، التي تعيش أعتى لحظات الدمار بعد 2003. اشتغلت الكاتبة على مادة واحدة لا تنضب، هي الإنسان حين يُوضع في أقصى اختباراته الإنسانية. غير أن ما يميز أسلوبها السردي ليس الموضوع بل آلية الاشتغال عليه؛ إذ وظفت ثيمات الجنون والتشظي والذاكرة المرتبكة كوسيلة سردية للكشف عن هشاشة اليقين وانهيار الروايات الكبرى.
كتبت بلغة تمزج الواقعي بالفلسفي من دون أن تقع في فخ التزيين، شيدت عالم شخصياتها من الداخل لا من الخارج، مما جعل نصوصها أقرب إلى التشريح منها إلى الحكي. وهنا تكمن المسافة الموجودة مع القارئ العادي؛ لأن أدبها يستدعي قارئاً مستعداً للجلوس من أجل استقبال أسئلة مصيرية مفتوحة، من دون العثور على أي إجابات.
لنقرأ من سيدات زحل: “غادرتُ في سيارة عتيقة، لا تثير شهية قطاع الطرق، اتخذنا الطريق السريع بين حي الخضرا غرب بغداد وبين ضاحية الكاظمية وخرجنا من بوابة بغداد. لم ألتفت ورائي، التلفت مرض وبيل يلوي الأعناق، الماضي سراب كما هو الغد، وكل التفاتة للسراب تعيق إمكانية النجاة…خرست الساعات، المكان مُعتم لكنني أبصر ضوءاً، فأين أنا الآن؟ الكتب تحيط بي، والمرايا تضحك مني، ووجه ناجي يلوح شبحياً في أعماق المرايا، عيناه تومضان بألق الشهوة وفمه يرتعش وأنفاسه تلفح وجهي ثم يختفي، ليست بغداد، لا نهر، لا جسور، أين أنا الآن؟ هذا جنون، أين أنا الآن؟ لا نخل ولا نوارس، ولا أصوات رصاص. أين الليل والمساء؟ تساوت الأرض، وغاض النهر.
إشكاليات وجودية
من تجربة الرحيل والمنفى والخسارات المتراكمة، ينبثق سؤال: ما الذي يعنيه أن تكوني امرأة وكاتبة وعراقية في آن واحد؟ هذا السؤال لم تُصغه لطفية الدليمي يوماً بهذه المباشرة، لكنه كان السؤال الذي لم يتوقف عن استجوابها في كل ما كتبته. فأن تكوني امرأة في مجتمع لم يُنجز بعد سلامه مع أنوثة المرأة المفكرة، وأن تكوني كاتبة في ثقافة كثيراً ما تعاملت مع الكتابة النسائية باعتبارها استثناء يحتاج إلى تبرير لا إلى احتفاء، وأن تكوني عراقية في بلد حول التاريخ أبناءه إلى رهائن لديه، هذه الثلاثية لم تكن هويات متجاورة بل كانت إشكاليات وجودية متشابكة أنتجت في تصادمها أدباً لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الذي ولد فيه.
والنقطة النقدية الجوهرية هنا أن الدليمي لم تسعَ يوماً إلى حل هذا التوتر أو تخفيف وطأته، بل جعلته محركها السردي الأعمق، فكانت كتاباتها تُعيد صياغة الأسئلة بشكل أكثر حدة وإيلاماً. وهو ما يجعل أدبها اليوم نصوصاً إنسانية ونقدية، لا تُقرأ فقط كإبداعات جمالية، بل كشهادة حية على ما يكلفه الإصرار على الكتابة والترجمة ضمن شروط الحياة في المنفى.
اختارت الدليمي بوعي أن تبتعد عن أضواء المشهد الثقافي، لم تكن من الكتاب الذين يتسابقون للحضور الواقعي، أو يُحسنون تسويق أنفسهم في زمن صار فيه الحضور الإعلامي شرطاً موازياً للموهبة. وهذا الاختيار، الذي قد يبدو للوهلة الأولى انسحاباً، هو في جوهره موقف أخلاقي وجمالي من طبيعة الكتابة ذاتها. غير أن الحياة أضافت إلى هذا الاختيار الواعي عوامل أخرى لم تكن بيدها؛ فالمنفى الطويل أنهك الجسد قبل أن يُنهك الروح، وحين يتقدم العمر في الغربة يُصبح مجرد الاستمرار في الكتابة فعلاً بطولياً يحتاج للاحتفاء.
بنت الدليمي مشروعاً أدبياً متكاملاً يمتد على خمسة عقود، يجمع بين الإبداع والنقد والترجمة والفكر، لكن هذا التكامل ذاته كان عائقاً أمام تصنيفها وتسويقها في سوق ثقافي، ربما يُفضل الأصوات أحادية البُعد؛ وربما هذا بالضبط ما يجعل أعمالها اليوم مادة خصبة لم تُستنفد بعد، تنتظر قراءات جديدة تُنصفها بأدوات نقدية أكثر نضجاً مما أتاحه لها زمنها.