خليل حسين. محرر بموقع السفينة
في كثير من الأحيان لا تكون الجريمة هي الغاية النهائية بحد ذاتها، بل مجرد الشرارة الأولى التي تفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات السياسية والأمنية. وفي الحالة الكردية في سوريا، تبدو بعض أعمال العنف الأخيرة وكأنها تندرج ضمن هذا السياق؛ إذ لا يمكن فهمها بمعزل عن حالة الإخفاقات والانكسارات التي مرّت بها بعض التنظيمات المرتبطة بالمشهد الكردي خلال السنوات الماضية.
فالجرائم التي تُرتكب هنا أو هناك لا يمكن النظر إليها فقط بوصفها حوادث معزولة، بل كأفعال قد تحمل طابعًا انتقاميًا موجّهًا ضد المجتمع الكردي نفسه. ويبرز في هذا السياق دور ما يُعرف بـ“منظمة الشبيبة الثورية”، التي تُعدّ من التنظيمات الرديفة المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي وبحزب العمال الكردستاني التركي. وهذه المنظمة، كما هو حال العديد من التنظيمات الرديفة في تجارب الأنظمة والحركات ذات الطابع الشمولي، تُستخدم في كثير من الأحيان كأداة موازية تمارس أدوارًا لا ترغب البنية الحزبية الرسمية في الظهور بها بشكل مباشر.
لقد شهد التاريخ السياسي للأنظمة الأيديولوجية المغلقة نماذج عديدة من هذه التنظيمات الرديفة التي تتحرك خارج الأطر الرسمية لكنها تبقى مرتبطة بها سياسيًا وتنظيميًا. وغالبًا ما تُستخدم هذه البنى غير الرسمية في إدارة الصراع الداخلي، أو في فرض الهيمنة السياسية داخل المجتمع، أو حتى في تصفية الحسابات مع الخصوم والمعارضين.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بطبيعة هذه التنظيمات أو أدوارها، بل بالموقف الحقيقي للشارع الكردي في سوريا من هذه الظواهر. فالمجتمع الكردي، الذي دفع خلال السنوات الماضية أثمانًا باهظة من الصراع والحروب والتحولات السياسية، يقف اليوم أمام معادلة معقدة: بين الحاجة إلى الاستقرار والأمن، وبين رفض تحوّل مناطقه إلى ساحات صراع داخلي أو أدوات في صراعات حزبية ضيقة.
وفي موازاة ذلك، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: ما هو موقف السلطة المركزية في دمشق من هذه التطورات؟ وهل تنظر إليها بوصفها قضية أمنية محلية، أم أنها جزء من معادلة سياسية أوسع تتعلق بمستقبل العلاقة بين الدولة السورية والمناطق الكردية؟
إن مستقبل المشهد الكردي في سوريا لن يتحدد فقط عبر موازين القوة العسكرية أو نفوذ التنظيمات السياسية، بل عبر قدرة المجتمع نفسه على صياغة موقف واضح من العنف السياسي ومن محاولات توظيف الألم الكردي في صراعات داخلية لا تخدم في النهاية سوى مزيد من الانقسام والاضطراب.
وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة طرح السؤال الأساسي: هل يمكن للمجتمع الكردي في سوريا أن يخرج من دائرة الصراعات الحزبية الضيقة نحو أفق سياسي أوسع، أم أن دوامة العنف المتبادل ستظل تستهلك طاقاته وتؤجل استحقاقات المستقبل؟