ساطع نورالدين.كاتب وباحث لبناني
عندما تعلن إسرائيل رسمياً أنها تقف “على أعتاب معركة حاسمة في لبنان، ستحدد مستقبل البلدين”، ويقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب ان على الولايات المتحدة، التي تحب لبنان وشعبه، ان تتخلص من حزب الله.. لا يبقى السؤال مطروحاً حول ما تحقق وما لم يتحقق من أهداف الحرب على إيران، ويتحول الهدف اللبناني الى عنوان رئيسي يختزل تلك الحرب، ويدفعها الى مسار الإبادة الجماعية الذي تفتقده على الجبهة الخليجية.
ولعل المدخل الى هذا المسار هو الإشارة الى ان عدد الضحايا اللبنانيين في الحرب الراهنة، منذ اندلاعها في 28 شباط فبراير الماضي،الذي تجاوز حتى اليوم رقم ال700، يضاف اليهم ما يزيد على 2100 جريح، يقترب بسرعة مخيفة من عدد الضحايا الإيرانيين الذي بلغ رقم 1450، يضاف اليهم عدد موازٍ من الجرحى.. ويكاد يتخطاه في أقل من أسبوع إذا ما تابعت إسرائيل إرتكاب المجازر اليومية التي تحصد ما يزيد على المئة ضحية.
وللعلم فقط، فإن قراءة الهدف اللبناني للحرب لا تستقيم مع الهدف الإيراني، حيث يتفادى الاميركيون والإسرائيليون حتى الان ارتكاب المجازر بحق المدنيين الإيرانيين، (عدا مذبحة مدرسة الأطفال الإيرانيين التي أوقعت 150 ضحية في اليوم الثاني من الحرب)، ويركزون على الأهداف العسكرية والأمنية والاقتصادية طبعا. منذ أيام، بات لبنان يندرج في الخانة الفلسطينية، ويخضع للسلوكيات العسكرية الإسرائيلية التي حكمت الحرب على قطاع غزة، طوال الأعوام الثلاثة الماضية، وأوقعت ما يزيد على ربع مليون ضحية مدنية.
هذا هو الطور الجديد الذي دخلته الحرب الإسرائيلية على لبنان: سفك دماء المدنيين اللبنانيين، الشيعة خاصة، بالمئات لا بالعشرات، وهدم عمرانهم في مختلف انحاء سكنهم ومهجرهم، من أجل الضغط على حزب الله، لكي يوقف إطلاق الصواريخ والمسيرات.. طالما ان الضغط على الحكومة اللبنانية لن يجدي نفعاً، حتى ولو استهدف البنى التحتية والمرافق العامة، حسبما شاع من تهديدات إسرائيلية في الساعات القليلة الماضية.
لبنان هدف رئيسي جديد للحرب الأميركية الإسرائيلية على لبنان، وهو ما لا يعني بالضرورة توجيه الضغط نحو المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي وفريقه العسكري، الذي لا يعير حزب الله وبيئته الشيعية اهتماماً خاصاً، ولا يبدي حرصاً ظاهراً على الحزب والبيئة ، وعلى الجمهورية اللبنانية كلها، يعادل ما يبديه من حرص على جمهوريته الإسلامية التي يقودها الان في معركة انتحارية ليس لها مثيل في التاريخ الحديث.
ولعل من الاجدى الافتراض ان مجتبى وفريقه، يتمنى حصول السيناريو الذي يلوح به الان الإسرائيليون والأميركيون على حد سواء، أي الانتقال من الغارات الجوية الصاروخية التي لم تؤتى ثمارها في الأيام الماضية، ولم تعطل صواريخ الحزب ومسيراته بل زادت وتيرة ضرباتها.. الى العمليات البرية الواسعة النطاق، التي تشمل احتلال المزيد من الأراضي اللبنانية بشكل دائم وبعيد المدى، على غرار ما كان سائداً قبل العام 2000.
مثل هذا السيناريو الجهنمي، وما يمثله من مخاطر وجودية على الكيان اللبناني، عندما يترسخ الاحتلال الإسرائيلي المباشر لمنطقة جنوب نهر الليطاني، ويتم إفراغ جنوب نهر الاولي من السكان، فتسقط بيروت تلقائياً من دون رصاصة واحدة.. عندها يصبح بإمكان المجتبى الخامنئي ان يطلق النفير العام لحقبة جديدة من المقاومة اللبنانية، تصحح “الأخطاء” التي ارتكبها والده في التعاطي مع لبنان طوال السنوات الأربعين الماضية، باعتباره بلداً صغيراً، ضعيفاً، متعدداً، متنوعاً، يستحق بين الحين والأخر هدنة من المجازر الاسرائيلية!
بيروت في 12 / 3 / 2026