ملخص
تمتلئ مراسلات إرنست همنغواي بأحكام مفاجئة عن زملائه الأدباء، لكن عالم الأدب لا يشكل في الرسائل سوى جزء يسير، فهناك الحياة العائلية، والسفر المتواصل، والبلدان التي تزار، وهناك الحروب التي تخاض (الحرب الأهلية الاسبانية)، واللقاءات الغريبة. وهناك لحظات الحزن والفرح، لحظات القوة والضعف
600 رسالة، في أكثر من 1000 صفحة، هي المحصلة الغنية للكتاب الذي صدر للمرة الأولى بعد سنوات طويلة من انتحار مؤلفه، أولاً بالإنجليزية ثم بلغات أوروبية عدة بينها الفرنسية. إنه كتاب يضم مراسلات الكاتب الأميركي إرنست همنغواي، لكن الرسائل التي يضمها الكتاب ليست سوى جزء مختار بعناية من ألوف أخرى من الرسائل كان همنغواي يصر دائماً على ألا تنشر، لا خلال حياته، ولا بعد موته، فلماذا؟
عندما أطلق إرنست همنغواي على نفسه تلك الرصاصة الشهيرة في أحد أيام عام 1961 واضعاً حداً مفاجئاً لحياة امتلأت بالكتابة والمغامرات والإخفاق والنجاح، راهن كثر على أن هذا الكاتب لن يكون واحداً من الذين تعيش ذكراهم طويلاً. وقالوا إن أدبه ليس له وزن أدب ويليام فولكنر، وإن أسلوبه يقل أهمية عن أسلوب شتاينبك، وإن حياته الشخصية أقل جدارة من حياة سكوت فيتز جيرالد، وقالوا، أيضاً، إن أهم ما في سيرة همنغواي انتحاره، لذلك “حين سينسى الناس حكاية الانتحار سينسون صاحبها”.
ثم أفليست رواياته الكبيرة عبارة عن ميلودرامات شعبية لا تستحق أكثر من أن تتحول إلى أفلام سينمائية، ومسلسلات متلفزة تدر الدموع؟
اليوم، بعد نحو ستة عقود مضت على رحيل همنغواي انتحاراً، وبخاصة بعدما مرت سنوات خيل فيها لبعضهم أن النسيان قد طوى، حقاً، ذكر صاحب “لمن تقرع الأجراس؟”، ها هو همنغواي يقفز حيوياً أكثر من أي وقت مضى، وها هي كتبه ما زالت تبيع أكثر من كتب أي مؤلف أميركي آخر، وها هي الدراسات توضع عنه، بل ها هي أعمال له تكتشف من جديد وتنشر بعدما كانت ضائعة في زوايا الصناديق.
حياة ما بعد الموت
إذاً، ها هو إرنست همنغواي، بعدما شغل الناس طويلاً في حياته، يشغلهم أكثر بعد موته بسنوات وسنوات. بل وإن الذين خيل إليهم، ذات يوم أنهم يعرفون – في الأقل – تفاصيل التفاصيل حول ذلك الكاتب الأفاق، وجدوا أنفسهم بفضل تلك الرسائل في الأقل، أمام فرصة مدهشة لاكتشاف أنهم، في الواقع، لم يكونوا يعرفون عنه إلا القشور.
ففي رسائل همنغواي إلى جانب أشياء أخرى بالغة الأهمية أحكام صارمة على معاصريه وكشف عن أفكار كانت تشغل باله في وقت كان الآخرون يعتقدون أنه يلهو، وتفكير عميق بعمله بل انتقادات حادة لذلك العمل.
ولعل المفاجأة الأكبر كانت ما كشفت عنه المراسلات عن رأيه مثلاً بفولكنر، فإذا كان همنغواي يبدي إعجابه بكتبه الأولى، فإذا به هنا يعتبره فاشلاً في السيطرة على عمله، بحيث أنه انتهى ما إن بدأ، أما شتاينبك فكتاباته شديدة الرطانة، وتوماس وولف أسوأ.
بمثل هذه الأحكام تمتلئ مراسلات همنغواي، لكن عالم الأدب لا يشكل في الرسائل سوى جزء يسير، فهناك الحياة العائلية، والسفر المتواصل، والبلدان التي تزار، وهناك الحروب التي تخاض (الحرب الأهلية الاسبانية)، واللقاءات الغريبة. وهناك لحظات الحزن والفرح، لحظات القوة والضعف.
ولقد أحصى الناقد فرانسوا فايرجانج في الرسائل عدداً كبيراً من القضايا المثارة على النحو الآتي: الحرب الإسبانية والحربان العالميتان الأولى والثانية، الأدب المعاصر من جيمس جويس إلى أندريه مالرو، الجسد الإنساني (الأجندة العضوية، الصحة بصورة عامة، الجسد والرياضة، الجراح، الأمراض)، الظواهر الطبيعية (الأعاصير، الحرارة، البحر، الجبل)، أفريقيا، مدينة البندقية، هوليوود (بخاصة هوليوود)، الرجولة، كل الحيوانات والنباتات، العائلة، التربية، الحياة الخاصة (أربع زيجات، ثلاثة طلاقات) والصداقة، وغيرها، وغيرها.
السيرة تخون صاحبها
رسائل، هي كما قلنا، سيرة حياة. ولأنها سيرة حياة مكتوبة يوماً بيوم، ها هي ذي تخون صاحبها وتعريه أمام القارئ. وهمنغواي كان من الذكاء بحيث يدرك هذا مسبقاً، ومن هنا احتاج الأمر إلى انتظار 20 سنة وأكثر قبل أن تقتنع “مؤسسة إرنست همنغواي” بضرورة التصرف على عكس ما كان الرجل يريد، فهو كان قد قال في وصيته مشدداً أنه لا يريد أن تنشر، أبداً، أي من الرسائل التي كتبها طوال عمره.
وحسناً فعلت المؤسسة بالطبع أن هي خالفت الوصية، فهمنغواي الذي، حين منعه الأطباء من السفر إلى استوكهولم لتسلم جائزة نوبل التي فاز بها، كتب خطاباً قصيراً سجله بصوته، وكان أبرز ما جاء فيه تذكيره الحاضرين بأن الكتاب يعملون وسط ركام وحدتهم، وأن عليهم في كل يوم أن يجابهوا الخلود أو غياب هذا الخلود.
والحقيقة أننا قبل قراءتنا رسائل همنغواي كنا نعرف كثيراً عن حياته، منذ ولادته في أول بارك بولاية الينوي (الـ21 من يوليو / تموز 1899)، حتى انتحاره في كيتشوم بولاية أوهايو (الثاني من يوليو / تموز 1961)، وكنا نعرف أنه شارك باكراً في الحرب العالمية الأولى وجرح في إيطاليا، ثم عاد للولايات المتحدة حيث كان زواجه الأول من هادلي ريتشاردسون التي عاد معها لإيطاليا وأوروبا عموماً، واستقر لفترة في باريس، حيث كان كتاباه الأولان، بعد صداقته مع غرترود شتاين وإزرا باوند.
لكن كتابه الحقيقي الأول كان “ولا تزال الشمس تشرق” (1926) وتلاه “وداعاً للسلاح” (1929). وإذا كان معظم الباحثين يعتبرون هذين الكتابين أفضل ما كتبه همنغواي، فإن هذا لم يمنع الكاتب من مواصلة الكتابة حتى نهاية حياته، ولم يمنعه من أن تكون كتبه على الدوام شرائح من حياة عاشها ممزوجة بشرائح من حياة يتمنى عيشها.
والحقيقة أن همنغواي لفرط هيامه بأوروبا، أوروبا الحرب وأوروبا السلام، أوروبا المرح الباريسي وأوروبا قسوة الطبيعة، أمضى جزءاً كبيراً من حياته فيها، بل جعل أحداث قسم مهم من كتبه يدور فيها وبوحي من أحداثها. وهو كان لا يغيب عن أوروبا إلا ليعود لها، ومن هنا تكشف لنا نظرة نلقيها على المصدر الذي منه بعث همنغواي بعدد كبير من رسائله، عن أنها مرسلة في معظمها من أوروبا.
جهود خارج الكتابة
لكن هذا كله لم يكن شيئاً أمام الجهود التي بذلها همنغواي خارج نطاق الكتابة، إذ نعلم أنه توجه في عام 1944 إلى أوروبا كمراسل حربي لمجلة “كولييرز” وقام بإحدى مهماته الصحافية وهو على متن إحدى طائرات سلاح الجو البريطاني، كما أنه شارك قوات الحلفاء في تحرير باريس.
وبعد أوروبا توجه إلى أفريقيا، ثم مرة أخرى إلى كوبا التي كان لا يفتأ يزورها بين الحين والآخر. وهو بعد ذلك التجوال الطويل، الذي تواصل نحو 20 عاماً، عجز همنغواي خلالها عن كتابة أعمال كبيرة له تأتي على قوة أعماله التي صدرت في الثلاثينات، عاد في عام 1950 وأصدر “خلف النهر وتحت الأشجار” ثم ألحقها بعد عامين بـ”العجوز والبحر” (1952) الذي كان آخر كتاب ينشره خلال حياته. وهذا الكتاب هو الذي جعله يفوز أولاً بجائزة بولتيزر ومن بعدها بجائزة نوبل في عام 1954، وأعطاه شهرة كبيرة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
هذا كله كنا نعرفه قبل قراءتنا رسائل إرنست همنغواي، غير أن ما لم نكن نعرفه بدقة، إنما كان موقف الرجل من هذا كله، ورد فعله إزاء هذه الحياة الغريبة. ما لم نكن نعرفه إنما هو الجواب عن السؤال الآتي: لماذا كان يركض همنغواي؟ وكيف قيض لتلك الحياة الغريبة والحافلة أن تنتهي بانتحار صاحبها؟
وقراءة الرسائل تجيبنا – في الحقيقة – عن هذين السؤالين، لأنها تضع أمامنا الرجل في واقعه الحقيقي: في اضطرابه، في قلقه، في أزماته المتواصلة، إذ نلاحظ هشاشة شخصيته، مثلاً، حين يغضب لأن صحافياً وضع رجولته موضع الشك. إن رد فعل همنغواي إزاء مثل هذا الأمر يكشف لنا عن أن صورة “البطل” التي كان يعطيها همنغواي لنفسه لم تكن في الحقيقة سوى قناع خارجي، ولأن همنغواي كان يعرف هذا ويخافه، ولأنه كان يعرف أن رسائله تكشف عنه ما لم يكن يحب له أن ينكشف، كان يصر على عدم نشر الرسائل. لا خلال حياته، ولا بعد موته. لكن الرسائل صدرت، ومكنت قراءه من الوصول إلى فهم جديد وأكثر غنى وتنوعاً لأعمال واحد من أكبر روائيي القرن الـ20.
