أن يختار مجلس الخبراء الإيراني مجتبى خامنئي مرشداً أعلى خلفاً لوالده، فهذا فيه قولٌ كثيرٌ في لحظة فارقة تمرّ فيها إيران، هي الأشدّ منذ قيام الثورة عام 1979، فلم تتعرّض إيران، دولةً ونظاماً سياسياً ومجتمعاً، من قبل، إلى هذا الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي الهائل. عند هذا المفترَق، لم يكن اختيار مجتبى مجرّد تفصيل عادي يندرج ضمن عملية انتخاب طبيعية، فلا الطريقة التي غاب فيها المرشد السابق كانت طبيعية، ولا المرحلة التي تمرّ فيها البلاد طبيعية، ولا حتى مؤهّلات مجتبى الدينية والسياسية تؤهّله لمنصب المرشد.
أحد الشروط الرئيسية لولاية الفقيه هو الاجتهاد المطلق في الفقه، والأعلمية الفقهية في المسائل المتعلّقة بالحاكمية الإسلامية، ولا يمتلك مجتبى الدرجة العلمية التي تؤهّله لهذا المنصب، فهو وصل إلى مرتبة حجّة الإسلام، وهي متوسّطة. ولا يمتلك الرجل خبرةً سياسيةً وإدارية بحكم عدم توليه أيَّ منصب، وإنْ يتمتّع بنفوذ قوي في أروقة النظام بحكم ما أصبح عليه خلال السنوات الماضية بوابةً يمكن من خلالها الوصول إلى الأب علي خامنئي، وهذا يعني أن قوّته ليست في ذاته، وإنما في والده. ولهذا، حمل اختياره مرشداً أعلى رسائل عدّة في غاية الأهمية. الأولى أن اختياره رسالة قوية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، أن النظام الإيراني متماسك، على الأقلّ على مستوى النُّخبة العليا الحاكمة، وهذا يعني أن حربهما لم تنجح في ضعضعته، أو في إحداث ثغرة يمكن لأعداء النظام من الإيرانيين اختراقها.
يتمتع المرشد الأعلى، بموجب المادة 110 من الدستور، بصلاحيات واسعة تجعله المشرف على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وعلى رسم السياسات العامة
والثانية، إذا كانت أميركا وإسرائيل قد انتصرتا عسكرياً بتدمير قوى إيران الحربية، فإنهما خسرتا الحرب على المستويين، السياسي والاستراتيجي، من وجهة نظر أصحاب العمائم، طالما أن النظام لم يسقط. وبالتالي، الهدف البعيد من الحرب لم يتحقّق. والرسالة الثالثة أن تعيين مجتبى يعكس إجماعاً على مستوى النُّخبة العليا الحاكمة على تحدّي الولايات المتحدة وإسرائيل، والاستمرار في الخطّ المتشدّد الذي كان يعتمده والده على مستوى السياسة الخارجية، وهذا أيضاً يعتبر فشلاً سياسياً للولايات المتحدة وإسرائيل، وهي رسالة تلقّفتها واشنطن، فقد أعلن الرئيس ترامب رفضه مجتبى مرشداً أعلى. وأخيراً، حمل الاختيار رسالةً إلى الداخل الإيراني، أن النظام متماسك، وأن ولاية الفقيه مستمرّة، في محاولة لقطع الطريق، ليس على التيار الإصلاحي، وإنما على الراغبين في الداخل والخارج في التخلّص من نظام ولاية الفقيه. فقد أعلنت الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مريم رجوي، أن المقاومة الإيرانية ستنقل السيادة إلى الشعب الإيراني وتنهي أربعة عقود من حكم ولاية الفقيه.
يتمتع المرشد الأعلى، بموجب المادة 110 من الدستور، بصلاحيات واسعة تجعله المشرف على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وعلى رسم السياسات العامة، إلا أن مخاطر تولّي شخص بمواصفات مجتبى في مثل النظام الإيراني، خصوصاً في بداية سلطته، تكمن في أنه، وبحكم فقدانه للمؤهّلات العلمية والسياسية، سيكون أسير المؤسّستَين العسكرية والأمنية، سيّما الحرس الثوري الإيراني الذي انضم إليه عام 1988، وربّما ينعكس هذا سلباً على الوضع الداخلي، سواء في التعامل مع الأصوات السياسية المعتدلة، أو التعامل مع مطالب الشارع، وهي مطالب تجاوزت أخيراً القضايا المعيشية إلى بنية النظام السياسي ونظام ولاية الفقيه الذي يستأثر بالسلطتَين السياسية والدينية.
لا تمتلك إيران خياراً آخر سوى التشدّد والمضي في الحرب إلى نهايتها
وقد ظهرت متغيّرات في التكتيك الحربي مع وصول مجتبى إلى منصب المرشد، فقد رفعت إيران من وتيرة قصفها إسرائيل التي تلقّت سبعَ موجات من القصف الصاروخي، تضمّنت صواريخ انشطارية تحمل رؤوساً حربية متعددة وذخائر عنقودية، ومعها سبع موجات أخرى من حزب الله. ولم يكن هذا التغيير على مستوى الكم، بل أيضاً على مستوى النوع، إذ أطلق حزب الله صواريخ ثقيلة وأكثر دقة، وصلت إلى بيت شيمش غربي القدس المحتلة، واللد جنوبي تل أبيب، أي قطعت نحو 200 كيلومتر من دون أن تتمكّن الدفاعات الإسرائيلية من رصدها، ولا من إطلاق صافرات الإنذار إلا في الدقائق الأخيرة. وبحسب تقرير نشره موقع صحيفة وول ستريت جورنال، استهدفت إيران أنظمة الرادار في الشرق الأوسط، ما أدّى إلى إضعاف قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تتبع الصواريخ الإيرانية.
كما استخدمت إيران صواريخ باليستية تتمتّع بمميّزات عدّة: زيادة وزن الرأس المتفجّر الذي وصل إلى طنّ، ورؤوس متفجّرة عنقودية – متشظّية، ودقّة في إصابة الأهداف. وقال قائد القوة الجو – فضائية في الحرس الثوري الإيراني، العميد مجيد موسوي، لن يتم إطلاق أي صاروخ برأس حربي يقلّ وزنه عن طنّ. يفيد هذا كلّه بأن إيران صعّدت من هجماتها العسكرية في الأيام الماضية التي اختير فيها مجتبى. صحيح أن لدى إيران استراتيجية للحرب معدّة مسبقاً، تقوم على مبدأ الردع التراكمي، وعلى استراتيجية إطالة الحرب، لكن في استخدام موجة الصواريخ المتطوّرة بعد وصول مجتبى، أو في فترة اختياره، دلالة على قرار إيران بالتصعيد وليس بالتهدئة. وقد أدّت هذه الاستراتيجية إلى تغيير الأدوار بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ففي الأسبوع الأول من الحرب كانت الهجمات الأميركية على إيران الأكبر، بعد ذلك حدث العكس، إذ تراجعت وتيرة الهجمات الأميركية فيما تضاعفت الهجمات الإسرائيلية. ويعود ذلك إلى أن الولايات المتحدة تريد مشاركةً دوليةً في الحرب، فيما إسرائيل لا تمتلك ترف الوقت.
وبغض النظر عن مجريات الحرب ونتائجها، لا تمتلك إيران خياراً آخر سوى التشدّد والمضي إلى نهايتها، مهما كانت نتائجها باهظة على المستويين العسكري والاقتصادي، فمن دون هذا ستكون إيران خارج الخريطة الجيوسياسية سنوات عدّة إن أعلنت استسلامها.