مع الشاعر السوري المثنى الشيخ عطية:
في الحوار حول “معراج المعصية”…
الشعر في كونية اللايقين وتيّار “نهاية الواقع”
حوار: بشار عبود
في الحوار حول ديوانه الأخير “معراج المعصية”، يأخذنا الشاعر المثنى الشيخ عطية في رحلة فكرية وجمالية تتكشف عن رؤية جديدة تفضي إلى كون الشعر، فعلاً معرفياً وتمرّداً وجودياً، يتجاوز فتح أفق الصدام مع الموروث الثابت، إلى تفكيك أنماط اليقين التي تكبّل الوعي، بكلّية مرجعيتها الدينية والسياسية والأخلاقية.
وتأتي أهمية الحوار حول هذا الكتاب، بوصفه حلقة ضمن مشروع شعري متكامل، تتشابك فيه الأسطورة واليومي والتصوف الديني والكوني مع فيزياء الكم، في محاولة لتأسيس ما يسميه الشاعر بتيار “نهاية الواقع”؛ الذي لم يعد يُرى كحقيقة ثابتة، بل كاحتمال مفتوح، مُتعدّد، وقابل دوماً لإعادة الخلق، وكسر المُحرّمات وتفجير المسكوت عنه، ووضع القارئ أمام تجربة قراءة محفّزة على إعادة التفكير:
.jpeg)
1: في إلقائنا الضوءَ على ماهية كتاب يثير التساؤل والاستفزاز وربما الصدام بدءاً من عنوانه… أين تضع “معراج المعصية” في تجربتك الشعرية؟
ــــ “معراج المعصية”، هو وجه من وجوه مشروع شعري يستكمل ما قادني إليه كتابي الأول “كوانتوم بقطط مجنّحة”، الذي فتح باب تشابك اليومي والأسطوري والديني مع شطح فيزياء الكم، وحاول فتح الباب لتيار اللايقين و”نهاية الواقع”. ويتمحور المعراج من اسمه حول الرحلة إلى مواجهة الذات، باختلاف عن معجزة معراج الرسول لمقابلة ربّه، وعن الرحلة الصوفية في مجاهدة النفس للوصول إلى معرفة الله بالقلب، وإن تشابك مع كليهما. وفي هذه الرحلة التي تشابكتْ مع الحب وإشكالاته، جرى التشابك مع مفاهيم المعجزة والعرفانية لدى أعلام الصوفية ممن شكلوا جزءاً من معرفتي ووعيي بعالمي؛ في محاولة تجاوزها إلى صوفية كمومية كونية.
وبهذا، هو يحمل رؤيةً مغايرةً لما تمّ تقديمه من رؤى ومعتقدات عن وجودنا، وبالأخص ما قدّمته الديانات التوحيدية، وتفجير هذه الرؤية بكامل الحرية، دون مراعاةٍ لأية حساسيات دينية أو سياسية أو أخلاقية، من مثل أن تتعامل مع الإله كصديق أو قرين أو كذاتك لا كسيّد لك، وأن يطلّ عليكما الإله في الصباح بعد الحبّ أنت وحواؤك، ولا ترتبكان ولا تركضان بحثاً عن ورقة توت العورات، ولا تشعران بذنب العصيان الذي يقيّد به الكهنوت عنقيكما، بل السعادة مع هذا الإله الذي تريان فيه مرآتكما، ويقول لكما “صباح الخير”. ومن مثل تفجير مفهوم الزنا، ومعادلة المرأة كرسولة، وغير ذلك من تجلّيات الحرية التي هي أحد أهم وجوه الكتاب، وهذا أمرٌ يستفزّ، كما يبدو، العبيدَ والمستبدّين معاً، إذ يضعهم أمام مرآة كشف خوفهم ومخازيهم.
2: في اقتراب أكثر من التخصيص. يتشابك عنوان “معراج المعصية”، مع الديني والوجودي في آنٍ معاً. ما الخلفية الفكرية التي دفعتك لاختيار هذا التسمية؟ وكيف تُعيد تعريف مفهوم “المعراج” خارج سياقاته الموروثة؟
ــــ قد لا أستطيع تحديد هذه الخلفية إلّا بكلمة “الحرية”. أنا أترك للقصيدة أن تقودني إلى جناتها أو جحيمها كما تشاء، وأن تضع عناوينها بنفسها، وأعتقد أنها تفعل ذلك من خلال مشابكاتها مع الأفكار من دون نسخها، إذ لا أملك من حسن حظي جينة النسخ. ومن هنا لا أعتقد بوجود خلفية فكرية محددة، بقدر ماهي تجارب ثقافتي وحبّي وعشقي وإحساسي بوجودي، والتسمية كما أعتقد جاءت من طبيعة تجربة القصائد نفسها التي تحمل أبعاد رحلتي لاكتشاف وجودي في الكون.
وفي مقاربتي لذلك شعراً، أشعر أنني حين أحتسي كأس نبيذ مع نيكوس كازانتزاكس، وهو يقف بشخصية زوربا أمام الله ويقرّعه على موت طفله النضر، أو حين يرقص رقصة الحياة على الشاطئ بعد الخسارة، أنني أحتسيه مع شمس التبريزي الذي تحلّ يده في يدي لأنتزع كتاب الرومي من يده وألقيه في الماء وأقول له “تعلّم علماً لا يمحوه الماء”، وأستعير له أقدام زوربا لندور راقصين جماعةً في يوم جمعةٍ أو أحدٍ، بمولوية فريدة تفرد أيدينا معاً بأجنحة طيور العطار محلّقين في كل الاتجاهات بكل الأمكنة وفي آن واحد، بغيابنا عراةً من الأديان في كيمياء سعادة ابن عربي، ولا نعرف إلى أين يقودنا رقصنا: إلى قلع ديكتاتور تافه يلثغ بجهله من مزبلته بين دجاجات نقاقات يعتقدن أنفسهن شبلات، أو لمدّ أجسادنا قبباً لا مرئيةً تحمي أطفال غزة من القصف، أو إلى أحضان عشيقاتنا الساحرات أمهات التاريخ والأساطير اللواتي يخلعن أجنحة الريش لاستقبالنا على شواطئ البحيرات.
3: في قصيدة “الحيرة” بـ “معراج المعصية”، تقول صراحةً: “ها أنتَ ترى يا صديقي/ ألّا يقين في أيدينا/ لنحملَ سيفَ فرسانِ معبدِ الكمال المعتوهين بعُقَدِ نقصِهم/ بعد أن قفزَ الواقع منتحراً
من فوقِ الواقعِ إلى نهايةِ الواقع/ وأقام أندريه بروتون حفلَ ختام السوريالية بمِسكِ عدَم اليقين في صالة مولَوِيَّة جلال الدين الروميّ”. ويتخلّلُ أعمالَك مفهومُ “نهاية الواقع”. كيف يتطوّر هذا المفهوم في “معراج المعصية”؟ وهل يعتبر الشطح، سواء الصوفي أو العلمي، محاولةً لتجاوز هذا الواقع نحو احتمالات لا نهائية أم لإعادة تفسيره، أو أنها فكرة فقط للخروج عن السائد سواء في الفن أو في المقدّس؟
ـــ بابتعادنا قليلاً، من دون الخروج إذ لا نستطيع من محيط خوارزميتنا الآن، عن مفاهيم عدم وجود الواقع خارج وعينا، يمكنني اعتبار “معراج المعصية” تجربةً شعرية تتجاوز التصوف بوصفه موضوعاً أو مرجعية رمزية، إلى محاولة تأسيس أفقٍ شعريٍّ يمكن تسميته بـ “نهاية الواقع”، لا باعتباره موقفاً عدمياً أو إنكارياً، بل بوصفه تحولاً جذرياً في أنماط إدراك الوجود والمعنى والذات.إذ لا يكتفي النص بنقد الواقع الديني أو السياسي أو الأخلاقي، بل يذهب أبعد من ذلك إلى تفكيك مفهوم الواقع نفسه، وإعلان سقوطه كمرجعية تفسيرية، لصالح نموذج شعري احتمالي، تحولي، ومفتوح؛ لا يعيد تفسير الواقع، ولا يخرج عن السائد في الفن والمعتقدات المقدّسة فحسب. وفي المثال الذي أوردتَه، في قصيدة “الحيرة”، يجري قلب الواقع وتاريخ العالم كلياً إلى واقع موازٍ ينتفي فيه اليقين، من أجل القول للآخر: “الآنَ وقد لبِسنا نظّارة الإنسان الافتراضيّ في شوارعِ المُدُنِ المُهدَّمة/ وكشفْنا ما يُناقضَنا في الجهة الثانية من الكون/ واحتَرْنا أكثرَ بقدْرِ ما عَلِمْنا أكثرَ/ الآن يا صديقي ها أنت ترى/ ألّا يقينَ في أيدينا لنحملَ السيفَ في أيدينا/ فدعْ سيفكَ يسقطُ من يدكِ ورداً وسلاماً/ أزلْ شبكتَكَ القبيحةَ المظلِمةَ التي أسَرَتْكَ/ ودعْ هذي الطيورَ الوسيمةَ تُكملُ رحلةَ عِشقها فيكَ/ إلى فنائها بالنور.”
وهكذا في بقية القصائد من جميع جهات ما يعتري ويواجه الذات، بالطرق الصادمة وغير المألوفة والمدهشة يجري سقوط اليقين، سقوط الثبات، سقوط الهوية في الحيرة بسقوط الأجوبة والحقيقة، وتحوّل الوجود إلى عملية مستمرّة لا نهاية لها، مثلما يجري تراكب الزمن إلى “الآن الواحد”، وإلغاء النهاية لصالح الطريق، والمعجزة لصالح الشعر، ومثلما يلغى الواحد ويحلّ المثنّى والمتعدد بوصفهما تشابكاً احتمالياً غير محسوم.
هكذا، كما أعتقد، ينتقل الشعر الصوفي من مجال التجربة الروحية المحدودة إلى عيش موسيقى وجمال الكون، هكذا تنتهي فكرة الواقع كمرجعية نهائية للمعنى.
4: منذ مجموعتك الشعرية الأولى “نعم هناك المزيد” مروراً بـ “فم الوردة فم الهاوية” وروايتك “سيدة الملكوت”، وصولاً إلى “كوانتوم بقطط مجنّحة” وعملك الأخير “معراج المعصية”، تعتمد عناوين صادمة ونصوصاً مفتوحة تتقاطع فيها الأزمنة، وتمتزج الأسطورة بالواقع والحلم، كما تتداخل اللغة مع العلم التقني. أمام كل هذا التشابك الجمالي والمعرفي، كيف تتوقع من قارئك أن يتلقّى نصاً يضم كل هذه التنويعات في نصّ أدبي وبآن واحد؟
ــــ سوف أبدأ من ختامك لسؤالك بالجملة المفضلة لدى الكموميين: “بآن واحد”، فأعبّر عن اعتقادي بأن القارئ في الجوهر قارئ كمومي، إذ هو ابن الكون وذرة من ذراته، ويجري فيه ما يجري في دقائق الكون المتناهية في الصغر. وكان سيتلقى كل تنويعات وتراكيب ومشابكات الحياة بآن واحد، لولا تخريب العادات والمعتقدات لعقله وحواسه. وأعتقد أنه يستعيد اتصاله بالكون، وقراءة النصوص المركبة بسهولة، كلما سقطت ورقةٌ من أوراق الاستبداد عن خلاياه، وتفهمتْ عائلته أنها ستكون مجرمة بارتكابها إثم تطويع طفلها للإيمان بمعتقدات يثبت العلم خطأها وخطورتها على سلامته.
عناوين كتبي التي قلتَ إنها صادمة، تنسجم كما أعتقد مع مفهومي للشعر الذي لا يكون شعراً إن لم يكن عاصياً وجديداً غير متكرّرٍ ومدهشاً وصادماً حتى في أرقّ كلماته، بكلماته وتركيبات جمله ومجازاته واستعاراته وعموم بلاغته، ومعانيه، إذ أنه المعنيّ أكثر بين الفنون بعمليات تغيير الإنسان، أو بالأصح غسيله من أدران التطويع، لكي يعود، واسمح لي أن أمزح هنا، إلى قراءة نصّي المركّب المتشابك بخلايا حرّة من مسبق ما تلقّاه. وأعتقد أن عصر ميكانيكا الكم الذي يتعامل معه جميع أطفال عالمنا اليوم، هو معي الآن بعد أن عقدتُ صداقة المشروع الشعري المتشابك معه.
5: قسّمتَ “معراج المعصية” إلى ثلاث مقامات: “النور”، “التحوّلات”، و”مقام المُثنّوي”، وخصّصت فيها مساحة واسعة للجسد كي يتحرّر من قيوده ومعاييره. انطلاقاً من هذا البناء الفني والفلسفي، كيف تفهم علاقة الإنسان بجسده ـ رجلاً كان أم امرأة ـ بوصفه فضاءً للمعنى، ومصدراً للحرية، وميداناً للتجربة الروحية والجمالية؟ وهل هو يعكس رؤيتك للعالم؟
ــــ أعتقد أن علاقة الإنسان بجسده وجسد الآخر، علاقة معقّدة، ولا يمكن الإلمام ولو بالنزر اليسير منها. ويزيد الأمر تعقيداً معرفتنا أنها ليست ثابتة، وأنها متشابكة بنزعات لا تبدأ بالتملك ولا تنتهي بالقتل، وأن محورها الذي نعرف أنه الحب ملتبس ومتشابك بالكراهية والجنس والتملك والصداقة وما هنالك من رغائب ونزعات. وأعتقد أن معالجة الفن لهذه العلاقة هي مسألة أكثر تعقيداً، ولا يمكن للفن المساعدة في تقديم حلول لها إلا بطرح أسئلته عنها؛ ولذا أنا ألجأ إلى عيش الجمال والتشابك مع الأفكار المتعلقة بهذه العلاقة من خلال السؤال وقلب الأفكار، من مثل فكرة حوريّات الجنة، التي تعبّر عن استغلال المستأسدين لأجسادنا من أجل تكريس سيطرتهم.
أجسادنا جزء من جسد الطبيعة التي تعبّر عن تجدّدها وجمالها بولاداته من قلب الموت، وتلك عملية لا يمكن إيقافها ببث الأوهام وشهر سيف المحرّمات، فإلى جانب أمنا الطبيعة التي لا نستطيع قتلها إذ نقتل أنفسنا؛ يأتي سيف الشعر الذي يبث فينا نار عدم الرضوخ لمن يريد تقييد أرواحنا وتقييد علاقاتنا مع أجسادنا بشروط محرماته.
وأنت قلتها بسؤالك الجميل يا صديقي، وأنرتني بهذا الفهم لعلاقتي مع جسدي بوصفه فضاءً للمعنى، ومصدراً للحرية، وميداناً للتجربة الروحية والجمالية، وهو يعكس رؤيتي للعالم، في تجلّي هذه الشذرات العاصية من براكينه في “معراج المعصية”.
6: في مشروعك الشعري، يهيَّأ لي أنك أول من شابكَ علم فيزياء الكم بالشعر بين الأدباء العرب، بلغةٍ تحمل كل معاني وفلسفة هذا التشابك… هل تقصّدت أن تدفع بهذا الصدام اللغوي إلى تخوم غير مألوفة لدى القارئ، وأن تقدّم له تجربة إبداعية غير معهودة فحسب؟ ثم ألا تخشى أن يتحول هذا الصدام إلى حاجز أمام تلقّي النص وفهمه، أم أنك تثق بقدرة الشعر على إيجاد لغة مشتركة بين الروحي والفيزيائي؟
ــــ من جهتي، أعتقد أن الكثيرين من الأدباء العرب تعاملوا ويتعاملون أكثر الآن مع الأدب والحياة بصورة كمومية، وإن لم يحدّدوا مصطلح التعامل. وأشرتُ شعرياً من خلال قصيدة “الطيور” في “معراج المعصية”، حيث يمكن للقارئ بالتحليل وليس بالتلقي المباشر رؤية ذلك، إلى أن امرئ القيس، هو أول شاعر لمس التشابك الكمومي بين شعرائنا في بيت شعره الشهير عن حصانه: “مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معاً”، مثلما اعتبرتُ من خلال التشابك مع قصيدة محمود درويش شبه الأخيرة “لاعب النرد”، في قصيدتي “شاعرٌ يفتح للشعراء ألف باب وباب بضربة نرد”، ضمن مجموعة “كوانتوم بقطط مجنحة”، أن درويش هو معلم التشابك الشعري الكمومي، ورائده الذي أعتقد أنه بدأ مرحلة التشابك في هذه القصيدة لكي يكمله، لكنه ـــ ويا للخسارة ـــ مات قبل ذلك، وبقي علينا نحن أن نوضح هذا عن درويش، وأن نهزّ بحيرة الشعر التي استنقعت بإلقاء أحجارنا مهما كانت صغيرة فيها، وأن نكمل طريق المشابكة لإغناء وجودنا بالحرية والجمال.
وعن خشيتي من خلق التشابك لحاجز في تلقي النص وفهمه من قبل القارئ، فأعتقد أن الأمر يتعلّق بالنص نفسه إن كان جذاباً ومدهشاً ومتصادماً مع القناعات ومحرضاً لعيشه، إذ يثير بهذا القارئ حتى لو تميّز بمسحة من الغموض. ولا حجّة للشعراء بعدم فهم القارئ، القارئ يمتلك الإحساس بالجمال، كيفما كان إن كان جمالاً حقاً.
7: قدّمت في “معراج المعصية” نصوصاً شعرية تتجاور مع لوحات لبابلو بيكاسو كرفيق بصري لنصّك الشعري. لماذا اخترت بيكاسو؟ ولماذا لم تلجأ للتشابك مع أعمال فنانين سوريين أو عرباً، ربما كانوا أقرب ثقافياً وجمالياً إلى أجواء الكتاب، لا سيّما الصوفية؟وبهذا التجاور، على ماذا تراهن في استخدام رسومات إيروتيكية بهذه الجرأة في صدمها للعادات؟
ــ أعتقد أن الكثير من الفنانين التشكيليين العرب متداخلون إبداعياً مع العوالم الجديدة التي فتحها عصرنا، وربما يعود سبب عدم تشاركي معهم إلى تقطّع جسور التواصل، واختلاف التجارب العامة والشخصية. وقد فكرت فعلاٌ بالتداخل مع أعمال فنان سوري معروف يهتم بعوالم الصوفية، وقمت بجهد السفر إلى البلد الذي يعيش فيه، لرؤية محترفه وكامل أعماله، والحوار معه من أجل ذلك. لكنه وفق ما صرّح لي واتضح من أعماله، لم يكن مطّلعاً على عوالم ميكانيكا الكم، رغم أن هذا أمر غير شرطي للتداخل كما تعلم، لكنه كما لمستُ، لم يكن مستعدّاً للتشابك مع غير العوالم التي اعتادها، ولا التفاعل مع المشاريع الغريبة التي يطرحها العصر، وهذا يشمل كما تبيّن لي، وما صرّح به الراصد العراقي للثقافة حسين السعدون، معظم المثقفين العرب في عدم تفاعلهم مع ميكانيكا الكم.
وقد لجأتُ وفقاً لمشروعي المنفتح على الذات وعلى ما ينتج العالم، والنابذ للتجمّد بسلاسل المعطى، إلى أعمال بيكاسو التي صوّرتُ معظمها بنفسي من متاحفه في باريس، وبرشلونة وملقا؛ ومنحتني هذه الأعمال فعلاً، طاقة ما يفرد أجنحتي أكثر لتداخلات الشعر والفن.
وبالنسبة للتشابك مع إيروتيكية بيكاسو، فإن القصائد المتشابكة ذاتها ممسوحةٌ بزيت الإيروتيكية الصادمة لمن أسرهم ما قُدّم لهم من وهم الأخلاق، وما حوّلهم إلى جلّادين لأنفسهم وللآخرين. ولحسن حظ الكتاب، فقد وجد تفهماً وجرأةً على نشره من قبل الأستاذ ماهر كيالي في المؤسسة العربية للدراسات والنشر. وأعتقد أنه سيجد التفهم كذلك من الأوساط الثقافية والقراء، رغم اعتراض الكثيرين بفعل الخوف من كسر المحرمات.
8: هل من جديد في اتجاهات وتكامل مشروعك الشعري في تشابك الشعر وفيزياء الكم؟
ـــ في الحقيقة هناك مجموعة شعرية قبل معراج المعصية، تحت عنوان “فتى الدراجة على الجسر”، حاولت فيها استعادة طفولتي وطفولة مدينتي التي عانت من تدمير الديكتاتورية الممنهج لها، من خلال ولوج الأكوان المتعددة، وبالأخص كون أمي المتداخل مع كون الجنّ. وكنت قد جهزْتها برسومات مرافقة كعادة مجموعاتي، لكنّها عانت من بعض معيقات النشر. وسوف تخرج قريباً لتضيف وجهاً ثالثاً من وجوه تشابك الشعر مع شطح العلم.
المصدر مجلة الحوارات