ملخص
الاختبار الأبرز الذي سيواجهه المرشد الجديد يكمن في الآلية التي سيعتمدها في ترجمة الإشارات التي تضمنتها رسالته حول دور وموقع الشعب في تثبيت الجمهورية وفي الحفاظ على استقرار الوضع الداخلي، إضافة إلى شكل المرحلة الجديدة حول معادلة السلطة مستقبلاً وشراكة القوى السياسية، وهل سيبقى هذا المسار قائماً وسيستمر النظام في اعتماد منهجية الاعتراف بالتعددية السياسية وحقها في أن تكون جزءاً من القرار والسلطة وإنهاء سياسة الإقصاء والإبعاد، وبخاصة في حال استطاع النظام تجاوز وعبور الشعور بحالة الخطر الوجودي.
تكشف الرسالة الأولى التي كتبها المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي بعد انتظار سياسي وشعبي استمر لـ13 يوماً، أن الطابع العقائدي والأيديولوجي ما زال مسيطراً على خطاب رأس النظام الإسلامي، وأن اغتيال المرشد لم يؤد هدفاً طالما كانت الأطراف المعنية بالحرب ضد إيران لا تلمس مع المرشد الجديد يكون أقل تصلباً واستعداداً للتغيير والحوار والتفاوض وإنهاء حالة الحرب القائمة، ويساعد على إخراج المنطقة والعالم من المأزق الذي تعيشه وخطر التصعيد المفتوح على جميع الاحتمالات التي قد لا تقتصر على الداخل الإيراني.
المرشد الجديد، المحتجب، إما لأسباب أمنية حتى لا يكون هدفاً سهلاً لعملية اغتيال جديدة أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه لن يفوت أي فرصة للقيام بها، أو لأسباب ترتبط بالإصابة التي تعرض لها جراء استهداف مقر إقامة المرشد وسط طهران صباح السبت الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، ضمَّن رسالته المكتوبة بعدين أساسيين، الأول يخاطب الداخل وبخاصة الشعب الإيراني، واستغرق هذا الخطاب الجزء الأساس من الرسالة، وشملت كل المستويات التي تهم هذا الشعب، من المسؤولية الكبيرة التي قام بها في سد فجوة الفراغ والإرباك الذي أصاب مؤسسات النظام، وصولاً إلى ضرورة تعويض المتضررين وعلاج المجروحين. أما البعد الثاني، فقد خصصه لموقف النظام من استمرار الحرب والالتزام بالبعد العقائدي والأيديولوجي للنظام، من خلال الدعوة إلى إحياء يوم القدس في آخر يوم جمعة من شهر رمضان.
رسالة المرشد في بعدها الداخلي تضمنت مواقف حاول فيها القائد الجديد تقديم مسار سياسي يخاطب هواجس عدد من الشرائح السياسية والشعبية، التي سبق أن أعلنت واعتمدت مواقف معارضة للنظام، من خلال تأكيد دور الشعب في تحمل الأعباء خلال مرحلة الفراغ بين اغتيال المرشد وانتخاب مرشد جديد، وما يعنيه ذلك من صمود وتحمل أعباء الحرب والقتال في ظل غياب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
خامنئي، بصفته المرشد الجديد، تحدث عن دور الشعب في تعزيز مفهوم الجمهورية، وهو البعد الذي شهد جدلاً كبيراً وواسعاً خلال العقدين الماضيين في ظل سلطة وقيادة المرشد السابق، واتهام الجماعات المتشددة والمحافظة المقربة منه لإضعاف البعد الجمهوري للسلطة لمصلحة تغليب جهود التمكين لإقامة حكومة إسلامية، تكون فيها الديمقراطية ذات دور صوري وسطحي في الكشف عن الإرادة الإلهية في اختيار المرشد والقيادات الأساس عبر صناديق الاقتراع. وما تلا ذلك فهو محكوم بإرادة إلهية وغيبية يترجمها ولي الفقيه، الذي يستمد سلطته وشرعيته من كونه نائباً للإمام الغائب الذي يمثل بدوره سلطة النبي المستمدة من السلطة الإلهية.
وعلى رغم التركيز الذي تضمنته الرسالة على مخاطبة الشعب الإيراني والاعتراف بدوره وإنجازه في الحفاظ على إيران وقطع الطريق على انهيار النظام، فإن المرشد يواجه أزمة ثقة شعبية، وخوفاً من أن يكون هذا الخطاب مجرد محطة ضرورة للعبور من هذه الأزمة الوجودية، من خلال محاولة استرضاء القواعد الشعبية، وتهدئة القوى السياسية التي قبلت بالعملية الانتقالية في ظل التهديد، وسكتت عن كل ملاحظاتها واعتراضاتها على المسار التاريخي الذي اتخذته عملية هندسة انتقال القيادة من الأب إلى الابن.
فالاختبار الأبرز الذي سيواجهه المرشد الجديد يكمن في الآلية التي سيعتمدها في ترجمة الإشارات التي تضمنتها رسالته، حول دور وموقع الشعب في تثبيت الجمهورية وفي الحفاظ على استقرار الوضع الداخلي، إضافة إلى شكل المرحلة الجديدة حول معادلة السلطة مستقبلاً وشراكة القوى السياسية، وهل سيبقى هذا المسار قائماً وسيستمر النظام في اعتماد منهجية الاعتراف بالتعددية السياسية وحقها في أن تكون جزءاً من القرار والسلطة وإنهاء سياسة الإقصاء والإبعاد، وبخاصة في حال استطاع النظام تجاوز وعبور الشعور بحالة الخطر الوجودي.
وقد يستطيع المرشد والنظام معه تجاوز هذه المرحلة الدقيقة، إلا أن الالتفاف الشعبي والسياسي والاجتماعي الداخلي حول إيران ورفض أي تهديد ينال من وحدتها الجغرافية والسياسية، قد لا يستمر ما بعد انتهاء الحرب، لأن الأسئلة ستعود مرة جديدة إلى الواجهة. فالذاكرة السياسية والشعبية والاجتماعية الإيرانية قد تجد صعوبة في تناسي الاتهامات التي كانت تطاول المرشد الجديد، في ظل سلطة والده المرشد السابق، ودوره بالشراكة مع مؤسسة حرس الثورة والأجهزة الأمنية في ضرب كل مواقع القوى السياسية المعارضة، سواء في صفوف الإصلاحيين أو داخل التيار المحافظ الذي يرفض التسليم التام أمام إرادة هذه الدوائر.
بالتالي، أمام هذا الخطاب الذي من المفترض أن يحمل نفساً انفتاحياً يبقى السؤال الأساس، هل يشكل هذا التوجه مجرد محطة مرحلية لتجاوز الخطر المحدق وتهدئة الساحة الداخلية لمنع انفجارها، وما يعنيه ذلك من تهديد لبقاء النظام واستمراره، أم هو توجه جدي ونيات حقيقية تشكل الأسس والأرضية التي تسمح بنقل إيران والنظام إلى مرحلة جديدة ومختلفة من الإصلاح والعودة إلى الإرادة الشعبية والاعتراف بالتنوع والتعددية السياسية وشراكة الجميع، في ظل الانفتاح والحريات الشخصية والسياسية والفكرية التي تضمن حق التعبير الحر من دون الخوف من الملاحقة التي تحولت إلى سلوك قهري لأجهزة النظام؟
الخامنئي الشاب خاطب المجتمعين الدولي والإقليمي إلى جانب خطابه الداخلي، وسعى لتقديم صورة فيها كثير من الصرامة والصلابة التي لا تقل عن صرامة وصلابة سلفه، من خلال تأكيد استمرار المواجهة المفتوحة على جميع الجبهات، مع إمكانية فتح جبهات جديدة لم تشهد أي تصعيد في المرحلة الماضية والحالية، والتي قد تشكل إرباكاً وصدمة للعدو لكونها خارج حساباته.
هذه الإشارة إلى جبهات جديدة تترافق مع قرار حاسم أعلنه المرشد بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة بضرورة الاستمرار في عملية إقفال مضيق هرمز، مما يعني في التقدير الأول أن النظام يسعى إلى توظيف ورقة إمدادات النفط والطاقة للضغط على الاقتصادات العالمية، وبخاصة الاقتصاد الأميركي لإجباره على خيار إعلان وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة التفاوض بالشروط الإيرانية، خصوصاً أن الرسالة أو الخطاب تضمن إشارة واضحة حول إجبار الولايات المتحدة والمعتدين على دفع تعويضات عن الخسائر التي لحقت بإيران، وإلا فإنها ستعمد إلى تحصيلها بطرق خاصة ومختلفة أو اللجوء إلى استهدافها وتدميرها بالجحم المساوي والموازي لما تطالب به من تعويض.
وقد يكون المقصود أيضاً من هذه الإشارة إمكانية اللجوء إلى استخدام ورقة مضيق باب المندب، الذي يمكن طهران من التأثير في حركة التجارة العالمية بصورة أوسع لا تقتصر على إمدادات الطاقة والنفط، وبخاصة أن الجميع يطرح سؤالاً قلقاً حول التريث الذي ما زالت جماعة الحوثيين في اليمن تمارسه بعدم إعلان الدخول في معركة الإسناد. ولعل اقتصار الإشارة في خطاب المرشد الجديد لليمن وجماعة الحوثي ودورهما في دعم غزة، يحمل على الاعتقاد أن هذه الورقة لم يحن أوان استخدامها واللجوء إلى تفعيلها في إسناد إيران خلال هذه المرحلة، على غرار ما فعل “حزب الله” في لبنان والفصائل العراقية.
وعلى رغم أن خطاب خامنئي لم يختلف عن سلوكات المؤسسة العسكرية وحرس الثورة في التعامل مع الجوار الخليجي، الذي حولته طهران إلى مسرح للاستهداف اليومي، وعمد تزامناً مع تأكيد حصرها على بناء علاقات صداقة وأخوة وحسن جوار مع هذه الدول، إلى توسيع دائرة الاستهداف والإضرار بمصالح هذه الدول، من خلال تعطيل كل أشكال الأنشطة الاقتصادية وتصدير الطاقة بعدما لجأت إلى إقفال مضيق هرمز، فإن الحديث عن جبهات أخرى قد يعني أن تصاعد شعور النظام بارتفاع منسوب الخطر قد يجبره على فتح جبهات أخرى، تعمد عدم استفزازها مع علمه بالدور الذي لعبته وتلعبه في عملية استهداف الداخل الإيراني، وتحولها إلى منصات لانطلاق أنشطة القوات الأميركية والإسرائيلية، وبخاصة في منطقة آسيا الوسطى (تركمنستان) والقوقاز الجنوبي (أذربيجان) وصولاً إلى قاعدة إنجرليك في تركيا، وما يعنيه ذلك من توسيع دائرة الاشتباك مع القوات الأميركية وإدخال القوة الأوروبية إلى جانب القيادة المركزية الوسطى وجرها إلى الحرب.
وإذا ما كان المرشد الجديد سعى لتكريس شرعيته الثورية وتصديه للاستكبار العالمي الأميركي والصهيوني، من بوابة التمسك بالمواجهة واستمرار الحرب، فإن هذه الشرعية لا بد أن تسعى إلى تحقيق الهدف الاستراتيجي الذي يطمح له المرشد ومعه المؤسسة العسكرية لبناء “الجمهورية الإيرانية العظمى”، وهو طموح واستراتيجية ترتكز على الأسس التي عمل عليها ووضع خططها المرشد السابق بالتعاون مع حرس الثورة وشراكة مجتبى، باعتباره المكلف من قبل والده بمتابعة ملف وشؤون المؤسسة العسكرية التي تعد الحامل الأساس لمشروع النظام وولاية الفقيه، والرافعة التي كانت تعمل من أجل تمهيد الطريق لوصول خامنئي الابن إلى خلافة والده.
وأمام ما وصلت إليه القيادة الإيرانية من اعتقاد بأن مساعي وجهود واشنطن وتل أبيب لتغيير النظام وصلت إلى طريق مسدود، فإن المرشد الجديد لجأ إلى توجيه رسائل غير مباشرة لكنها واضحة في دلالاتها وأبعادها، وليس فيها أي تنازل أو الإيحاء بوجود أي ضعف في موقف النظام من القضايا والمسائل الأساس التي شكلت أساس الخلاف والصراع مع واشنطن أولاً، والقوى الإقليمية ثانياً وإسرائيل ثالثاً، مما يعني أن القيادة الجديدة لن تتخلى عن موقفها الرافض لأي تنازل في البرنامج النووي، وستسعى لتكريس حقها بكامل مندرجاته ومستوياته القانونية، من دون الحاجة للتفاوض مع واشنطن كما تؤكد جميع مستويات السياسية والعسكرية الإيرانية.
وإلى جانب البرنامج النووي، فإن طهران استطاعت تثبيت قدراتها الردعية من خلال فعالية برنامجها الصاروخي وما حققه لها من قدرة على إلحاق الأضرار بالجهات التي هاجمتها واعتدت عليها، بالتالي فهي ما زالت قادرة على فرض نفوذها وسيطرتها على محطيها الإقليمي وعمقها الاستراتيجي الخارجي.
وإضافة إلى هذين الأساسين لقوة النظام، فإن تعمد المرشد الحديث عن محور المقاومة والدور الذي يقوم به من اليمن إلى لبنان مروراً بالعراق، يعني أن مسارات النفوذ الإقليمي لإيران ودورها ما زال على حاله ولن يشهد أي تراجع، بل إن طهران ستعمل على تكريس حل إقليمي عام يشمل جميع أضلاع نفوذها، وأن عودة التهدئة إلى المنطقة لا تقتصر على إعلان وقف الحرب مع طهران فحسب، بل لا بد أن تكون متزامنة وبصورة مختلفة عن السابق مع جميع هذه الأضلاع، بما يضمن لها مرحلة جديدة من الدور والموقع داخل مناطق وجودها.
اندبندنت عربية
