ملخص
كتب الموسيقي النمساوي غوستاف ماهلر مغناته “أنشودة الحب” وهو في العشرينيات من عمره، ومع ذلك فإن كثيراً من عناصر أسلوبه الناضج موجودة فيه بالفعل: المزج بين الموسيقى الشعبية والسمفونية والاهتمام بالطبيعة كقوة أخلاقية ثم التحولات الدرامية الحادة
إذا كان غوستاف ماهلر قد اشتهر خصوصاً بسيمفونياته، وبعدد لا بأس به من الأغنيات (ليدر) التي أنتجها طوال حياة كرسها في مجملها للموسيقى كمؤلف لأعمال أوركسترالية كبيرة، ولكن أيضاً كقائد للأوركسترا، فإنه لم يتمكن أبداً من أن يكون ملحناً أوبرالياً على رغم محاولاته.
ولعل من أبرز وأنجح تلك المحاولات مغناته المبكرة “أنشودة النحيب” التي سار فيها على منوال ريتشارد فاغنر في مجال النهل من التراث الحكائي الجرماني. وتتألف هذه المغناة من ثلاثة أقسام سنرى كيف أن الموسيقي الذي كتب النص بنفسه عاد وحذف منها قسماً لن يلبث أن يعيده. وهنا قبل التوغل في هذه الحكاية قد يكون من المفيد التوقف عند حكاية هذا العمل الذي قيل إن معظم إبداع ماهلر قد ولد منه.
حكاية زهرة
يبدأ العمل في الغابة، حيث قررت ملكة جميلة، متغطرسة، إقامة مسابقة، تكون هي جائزة الفائز فيها، وأعلنت أن الفارس الذي يجد زهرة حمراء في الغابة هو الفائز.
انطلق شقيقان، أحدهما طيب القلب وشهم، والآخر شرير وفاسق، إلى الأحراش بحثاً عن الزهرة المراوغة. سرعان ما يجد الأخ الشجاع الزهرة، ووضعها في قبعته، وغفا في الحقل، ولما رأى الأخ الضال المشهد، استل سيفه وقتل أخاه، واستولى على الزهرة لنفسه.
بعد ذلك، يعثر منشد كان يتجول في الغابة على الأخ المقتول، وينشد تفاصيل موته المأسوي، ويسعى إلى العثور على الملكة وإبلاغها.
وفي اليوم نفسه الذي كان من المقرر أن يصل فيه المغني إلى القلعة، يقام احتفال لمناسبة زواج الملكة، من الفارس القاتل، الذي هادئاً وشاحباً، يفكر ملياً في تهوره. يصل المغني ويعزف على مزمار كان قد نحته من عظمة عثر عليها في المكان الذي قتل فيه الأخ الطيب، نشيد الفارس القتيل. يصادر الملك المنتظر المزمار، لكن عندما يعزف عليه بنفسه، يظهر له أخوه القتيل ليتهمه بإنهاء حياته مبكراً لسبب ظالم، فتعم الفوضى إذ يغمى على الملكة، ويهرب المحتفلون، وتنهار القلعة.
وإذ تعد مغناة “أنشودة النحيب” من أوائل الأعمال الكبرى لماهلر، فإنها عمل يكشف منذ بداياته عن عالمه الموسيقي الدرامي القائم على التوتر بين البراءة والمأساة. ونعرف أن ماهلر كتب نص المغناة بنفسه، مستلهماً، كما أشرنا قبل سطور، أجواء الحكايات الشعبية الجرمانية، ولا سيما تلك التي جمعها الأخوان غريم، مما يجعل العمل أقرب إلى حكاية مظلمة تروى بالموسيقى… حيث وكما دائماً في هذا النوع من الحكايات، في النهاية تنكشف الحقيقة في حفل الزفاف الملكي ويتحول الاحتفال إلى مأساة.
ومن الواضح أن هذه القصة البسيطة تحمل بنية أخلاقية تشبه الأساطير القديمة: الجريمة التي تدفن في الطبيعة تعود لتتكلم، وهنا يظهر أحد الموضوعات التي ستلازم ماهلر طوال حياته: فكرة أن الطبيعة نفسها تحمل صوت الضمير.
الموسيقى سرد درامي
منذ اللحظات الأولى لا يكتب ماهلر موسيقى غنائية تقليدية، بل يخلق فضاءً أوركسترالياً كثيفاً أشبه بالمسرح. فالأوركسترا في هذا العمل ليست مجرد مرافقة للغناء، بل هي الراوي الحقيقي للأحداث. نسمع أصوات الغابة، وتوترات الليل، ومشاعر القلق التي تسبق الجريمة.
ويستعمل ماهلر هنا تقنية ستصبح لاحقاً سمة أساسية في سمفونياته: المزج بين النبرة الشعبية واللغة السمفونية المعقدة، فبعض المقاطع تبدو كأنها أغانٍ فلكلورية بسيطة، لكنها سرعان ما تتحول إلى كتل صوتية ضخمة ومظلمة. ومن الواضح أن هذا التباين يخلق شعوراً بأن البراءة الريفية نفسها تحوي بذور المأساة، لذا فإن أكثر لحظات العمل تأثيراً هي المقطع الذي يتكلم فيه الناي المصنوع من عظمة القتيل. هنا يحقق ماهلر فكرة موسيقية مذهلة: الآلة الموسيقية تتحول إلى شاهد على الجريمة. الموسيقى في هذا المقطع شفافة وباردة، وكأنها قادمة من عالم آخر، لا تعلن الحقيقة بصخب، بل بنبرة شبحية هادئة، مما يجعل الاعتراف أكثر رعباً.
هذا الأسلوب يكشف قدرة ماهلر المبكرة على استخدام اللون الأوركسترالي لخلق أجواء نفسية عميقة. وهو ما يجعل احتفال يتحول إلى كارثة. أما في القسم الأخير فينتقل العمل إلى مشهد الزفاف الملكي، حيث تبدو الموسيقى في البداية احتفالية ومشرقة، لكن هذه البهجة تحمل توتراً خفياً. وما إن يبدأ الناي في سرد الحقيقة حتى ينهار البناء الاحتفالي فجأة، وتتحول الجوقة والأوركسترا إلى كتلة صوتية عاصفة، كأن الموسيقى نفسها تصرخ. هنا يظهر ميل ماهلر إلى تصوير الانهيار الجماعي، وهو عنصر سيظهر لاحقاً في سمفونياته الكبرى حيث تتحول الاحتفالات إلى لحظات فوضى كونية.
عمل شبابي للمستقبل
كتب ماهلر هذا العمل وهو في العشرينيات من عمره، ومع ذلك فإن كثيراً من عناصر أسلوبه الناضج موجودة فيه بالفعل: المزج بين الموسيقى الشعبية والسمفونية والاهتمام بالطبيعة كقوة أخلاقية ثم التحولات الدرامية الحادة، والإحساس بأن الفرح قد يخفي كارثة كامنة، ولهذا يرى كثير من الباحثين أن هذه المغناة تمثل مختبراً مبكراً لأفكار ستتطور لاحقاً في سمفونياته.
في النهاية، لا تقتصر “أنشودة النحيب” على كونها حكاية عن جريمة أخوية، إنها أيضاً تأمل في فكرة أن الحقيقة لا تموت، فحتى عندما يدفن الجسد في الغابة يبقى صوته كامناً في الطبيعة، ينتظر لحظة ليظهر. وهذا بالضبط ما يجعل العمل قريباً من عالم ماهلر اللاحق: موسيقى ترى الكون ككائن حي يحمل ذاكرة الألم الإنساني، ولكن يبقى أمامنا هنا سؤال غالباً ما يطرح: لماذا حذف ماهلر أحد أقسام مغناته هذه وهو القسم المعنون “حكاية الغابة”؟ الحقيقة أن حذف أحد أقسام مغناته المبكرة “أنشودة النحيب” يعود لدى ماهلر إلى مزيج من الأسباب الفنية والعملية معاً، ويكشف في الوقت نفسه عن تطور نظرته إلى العمل بعد أعوام من كتابته، فعندما كتب ماهلر المغناة بين عامي 1878 و1880 كانت تتكون من ثلاثة أقسام: “حكاية الغابة” – “المنشد” أو “الراوي الموسيقي” – و”مشهد الزفاف”، لكن عندما أعاد ماهلر النظر في العمل في تسعينيات القرن الـ19 استعداداً لنشره وأدائه، حذف القسم الأول بالكامل، بحيث أصبحت المغناة تبدأ مباشرة بالقسم الثاني.
الموسيقى تكشف ذاتها
كان القسم الأول، “حكاية الغابة”، بمثابة مقدمة سردية طويلة تروي بالتفصيل قصة الأخوين والزهرة الحمراء والجريمة في الغابة. مع مرور الزمن شعر ماهلر أن هذا الجزء مطول أكثر مما ينبغي يبطئ بداية الدراما، لذا يشرح القصة بدلاً من ترك الموسيقى تكشفها. كان ماهلر يميل دائماً إلى التكثيف الدرامي، ولذلك رأى أن بدء العمل من القسم الثاني يجعل المستمع يدخل مباشرة إلى قلب الحدث: اكتشاف العظمة وصنع الناي الذي يكشف الجريمة. بعبارة أخرى، حذف المقدمة جعل العمل أكثر غموضاً وأكثر قوة درامية، وهناك تطور أسلوب ماهلر فقد كتب المغناة وهو في الـ20 تقريباً، لكن مراجعتها تمت بعد أكثر من عقد، حين كان قد بدأ يبلور أسلوبه الخاص الذي سيظهر في سمفونياته.
في النسخة الأولى كان تأثير الأوبرا الرومانسية الألمانية واضحاً، خصوصاً تقاليد الحكايات الشعبية التي نجدها في أعمال مثل فاغنر وفون فيبير، لكن ماهلر أصبح لاحقاً أقل ميلاً إلى السرد المباشر وأكثر اهتماماً بالرمز والإيحاء. ولذلك شعر أن القسم الأول ينتمي إلى مرحلة شبابية أكثر تقليدية. هناك سبب عملي أيضاً، النسخة الأصلية من المغناة كانت تتطلب: أوركسترا ضخمة وجوقة كبيرة بل أحياناً فرقة موسيقية إضافية خارج المسرح، وهذا جعل العمل صعب التنفيذ في المسارح وقاعات الحفلات.
أيهما أفضل؟
عندما حذف ماهلر القسم الأول وقام بتبسيط بعض التوزيع الأوركسترالي أصبح العمل أقصر وأكثر قابلية للأداء. ومن المعروف أن ماهلر، بوصفه قائداً أوركسترالياً محترفاً، كان شديد الوعي بمشكلات التنفيذ العملي للأعمال الموسيقية. ومن البديهي أن حذف “حكاية الغابة” غير طبيعة العمل، ففي النسخة الأصلية يعرف المستمع الجريمة منذ البداية، أما في النسخة المختصرة فالقصة تنكشف تدريجاً عبر صوت الناي الذي يتكلم بعظمة القتيل.
هذا التحول جعل المغناة أقرب إلى مأساة غامضة بدلاً من حكاية تروى من البداية، وبذلك أصبح عنصر الكشف في النهاية أكثر تأثيراً، ولم يختف القسم الأول تماماً، ففي القرن الـ20 عاد بعض الموسيقيين إلى النسخة الكاملة ذات الأقسام الثلاثة، وبدأت تؤدى أحياناً في الحفلات والتسجيلات الحديثة، وهكذا صار لدينا اليوم نسختان من العمل: النسخة التي نشرها ماهلر بنفسه (قسمان) والنسخة الأصلية الكاملة (ثلاثة أقسام) ويختلف النقاد حتى اليوم حول أيهما أكثر إقناعاً درامياً.
