ملخص
تقول لنا اللوحات البندقية وصولاً إلى أعمال كاناليتو، كم أن اللقاءات بين تجار الشمال الأوروبي والتجار الشرقيين كانت أموراً معتادة في شوارع المدينة، مما تصفه الباحثة كونستابل في صفحات ممتعة من دراستها. غير أن الأهم يبقى، ذلك المبنى نفسه الذي شيد مرتين، أولاهما حين أسس والثانية بعدما دمره ذلك الحريق الذي أشرنا إليه، والمرة الثانية كانت هي الثابتة التي تركت لنا “فندق الألمان” كما هو حتى الآن ولكن طبعاً بعدما فقد وظيفته الأساسية تماماً ولم يبق منها إلا على الاسم.
هناك وسط مدينة البندقية وتماماً في جوار ساحة “الريالتو” الشهيرة، مبنى ذو هندسة عمرانية تعود إلى عصر النهضة لكنه يبدو دائماً فائق الحداثة والرزانة بتكوينه المستطيل وتقشف واجهاته الخارجية. ولئن كان هذا المبنى قد أثار سجالاً واسعاً في البندقية كما في إيطاليا كلها قبل عقود من جراء مسعى شركة “بينيتون” للملابس الجاهزة لاستئجار طابقه الأرضي بغية تحويله معرضاً دائماً لبضائعها وسط تلك المدينة الرائعة، وهو ما تحقق بالفعل، فإنه ومنذ زمن طويل بات يستخدم كمركز للبريد يقصده أهل المدينة وزوارها لتلك الغاية من دون أن يعرف بعض الأجانب أن هذا المبنى كان ذات يوم واحداً من أشهر الفنادق في العالم المتوسطي، وكان اسمه الذي لا يزال كثر يلقبونه به حتى اليوم “فندق الألمان” (فنداكو دي تديسكسي) في الإيطالية.
أما لماذا فندق، بالكلمة العربية الأصل نفسها وقد “طلينت”؟ ولماذا ألمان؟ فأمران سنشرحهما بعد سطور، أما هنا فلا بد من تحديد المكانة الفنية لهذا المبنى، إذ إنه ارتبط منذ الأعوام الأولى للقرن الـ16 باسمي الرسامين النهضويين الكبيرين جورجوني وتيشيانو يوم كان هذا الأخير تلميذاً للأول واشتغل الاثنان على تحقيق عدد من الرسوم الجدرانية الداخلية والخارجية للمبنى، وكلها زالت اليوم في ما عدا بعض القطع القليلة التي أنقذت مع مرور الزمن ونقلت إلى أمكنة أخرى.
أما حكاية اشتغال الرسامين على جدرانيات المبنى فتعود تحديداً إلى عام 1505 حين شاءت سلطات المدينة بعد احتراقه المريع، إعادة بنائه وتزيينه فعهدت بالمهمة إلى جورجوني الذي استقدم تلميذه الشاب للعمل معه.
وتقول الحكاية إن مساهمات تيشيانو كانت من الروعة ولفت النظر بحيث أثارت غيرة الأستاذ، لكن هذه حكاية أخرى لم تعد تعني كثيراً منذ انتهى المبنى بزينته ودوره القديمين ولم يبق منه سوى عمرانه البديع شاهداً على نهضة تلك الأزمنة العمرانية، ولكن أيضاً على ازدهار التجارة والتبادلات من حول المتوسط بين ألمانيا وإيطاليا وبلدان الشرق الأوسط المتوسطية في ذلك الحين.
فندق غير شكل
ذلك، بالتحديد، لأن الفندق الذي كان يشغل المبنى منذ تأسيسه، لم يكن تماماً فندقاً بالمعنى المعاصر للكلمة، بل كان فندقاً بالمعنى العربي الذي يعود إلى أزمنة ذروة الحضارة العربية في القرن الـ13 الميلادي.
ففي تلك الأزمنة التي كان العرب يسيطرون فيها على جزء كبير من مناطق البحر الأبيض المتوسط وعلى جزء من تجارة المنطقة، كانوا من المبتكرين الأساسيين، كما تقول الباحثة أوليفيا ريمي كونستابل في كتابها البديع “إسكان الغريب في العالم المتوسطي”، لتلك الفنادق التي لم تكن سياحية بقدر ما كانت مراكز تجارية.
ولا يشذ “فندق الألمان” في البندقية عن هذا، فهو بني في الأصل عام 1228 لغاية محددة وهي أن يكون نوعاً من مركز تجاري ألماني وسط البندقية، حين كان التجار الألمان يتقاطرون على المدينة محملين ببضائعهم الآتية من مناطق الشمال الأوروبي ليبادلوها بالحرائر والتوابل والعطور وأدوات الزينة والترفيه الآتية من الشرق القريب.
وتقول لنا اللوحات البندقية وصولاً إلى أعمال كاناليتو طبعاً، كم أن اللقاءات بين تجار الشمال الأوروبي والتجار الشرقيين كانت طوال قرون أموراً معتادة في شوارع المدينة ومقاصفها ووكالاتها، مما تصفه الباحثة كونستابل في صفحات ممتعة من دراستها. غير أن الأهم في الموضوع يبقى بالنسبة إلينا هنا، ذلك المبنى نفسه، المبنى الذي شيد مرتين، أولاهما حين أسس والثانية بعدما دمره ذلك الحريق الذي أشرنا إليه، والمرة الثانية كانت هي الثابتة التي تركت لنا “فندق الألمان” كما هو حتى الآن ولكن طبعاً بعدما فقد وظيفته الأساسية تماماً ولم يبق منها إلا على الاسم.
عولمة نهضوية مبكرة
فما الذي كانت عليه وظيفة هذا المبنى؟ كانت تماماً كما يقول اسمه: إيواء التجار الألمان الذين كانوا قد بدأوا يصلون عند بدايات القرن الـ13. ولما كانت حكومة الجمهورية البندقية تخشى أي وجود ألماني منذ كانت الجيوش الألمانية تتقدم بجحافلها محاولة الغزو، آثرت أن تحصر الوجود الألماني في ذلك المبنى الفسيح الشاهق المؤلف من طابق أرضي ومن أربعة طوابق مزدحمة بالغرف. صحيح أن الغرف كانت تستخدم لإيواء التجار ومساعديهم، لكن المبنى كان يستخدم أيضاً كمخزن لبضائعهم وخان لاستقبال حيواناتهم، ومكاتب لعقد الصفقات، ومن هنا كان في الإمكان ملاحظة ازدحامه نهاراً بالتجار العرب والفرس والأتراك الذي يأتون هنا للتبادل مستمتعين بواقع أن سلطات الجمهورية لم تكن تسمح لغيرهم بالتعامل في المبنى مع الألمان.
لكن ما كان أهم من هذا هو أن سلطات المدينة جعلت لدوائر الجمارك والكتاب العدل والسماسرة التجاريين، بدورهم، مكاتب في المبنى نفسه، يراقب موظفوه ما يدور فيه من صفقات ويفرضون المكوس والضرائب ويحسمون النزاعات ويتوسطون حول الأسعار ونسب التبادل تبعاً للعبة العرض والطلب.
ولقد تحدث المؤرخ والمفكر الفرنسي فرنان بروديل عن هذا الجانب طويلاً في كتابه العمدة “الحضارة والرأسمالية”، وهو جانب أساس من جوانب اللعبة التجارية التبادلية من حول المتوسط في الزمن التالي مباشرة لعصر النهضة، وربما حتى بدايات الحملات النابليونية التي بدلت في المعايير والتبادلات، لكن هذه حكاية أخرى بالطبع.
بين الحاجة والدور
ولد “فندق الألمان” إذاً من تلك الحاجة التي بدت مزدوجة في ذلك الحين: الحاجة إلى حماية المدينة من الألمان حتى ولو كانوا مجرد تجار مسالمين، والحاجة إلى ترسيخ وظيفة مدينة البندقية في دور الوسيط التجاري بين الشرق والغرب بصورة عامة، وبين الشمال الأوروبي المهيمن عليه ألمانيا، وبين الشرق العربي بصورة خاصة. ومن هنا كان اعتناء الجمهورية الخاص بالمبنى وموظفيه الذين أدوا في الوقت نفسه دور “العيون” لسلطات بلادهم، أي دور الجواسيس الذين يرصدون كل حركة وسكنة هنا، وكل تحركات الألمان، لينتهي الأمر بهم إلى تقديم تقارير فورية للسلطات.
لذا جعلت البندقية للمبنى وظائف عدة في وقت واحد، بيد أن الوظيفة الأساسية ستبقى وظيفة جمركية، إذ تفيدنا الأرقام التي توردها كونستابل في كتابها، بأن مدخول الدولة من التبادل التجاري الذي كان يتم عبر المبنى لم يكن يقل في بعض المواسم عن مئات آلاف “الدوكات” الذهبية، إضافة إلى أن التبادلات التي كانت تتم من طريق السماسرة والموظفين المحليين كانت توفر عملاً مربحاً لهؤلاء ولغيرهم من عمال النقل والتفريغ والخدمة وما إلى ذلك ولنضف إلى هذا أرباح المبنى الأساسية كفندق.
فالطوابق الأربعة العليا كانت تؤجر ببدلات سنوية للتجار المداومين الذين لفرط ازدحام المكان وازدهار التجارة عبره، كانوا يضطرون إلى دفع إيجارات سنوية حتى ولو لم يأتوا سوى لأشهر قليلة. وطوال العام كان المبنى الغارق في روائح التوابل والعطور الشرقية المرغوبة جداً في طول أوروبا وعرضها، يوفر الطعام والشراب وأدوات اللهو لزبائنه مع الحرص الدائم، تحت طائلة العقاب الشديد، على عدم السماح للنساء بالدخول إلى المكان حتى ولو كن زوجات التجار، فالجمهورية الكاثوليكية، حتى ولو لم تكن متزمتة، ما كانت تريد لذلك المكان أن يتحول إلى ملاه ليلية أو أماكن التقاء ومجون.
لهذا الغرض، كان في إمكان التجار ومساعديهم أن يتجولوا في أحياء أخرى من المدينة شرط أن يعودوا إلى الفندق في ساعة محددة يغلق بعدها هذا أبوابه مانعاً أياً كان من الدخول أو من الخروج، لذا كان التجار البنادقة والشرقيون الراغبون في عقد الصفقات هنا، واثقين دائماً من أن في وسعهم الالتقاء بشركائهم في المكان طوال النهار، ودائماً تحت مراقبة الموظفين المحليين ومن أهمهم المشرف الذي يسمى “صنصالي” وله عادة وظيفة فخرية تمكنه من أن يجني بعض المال من دون أن يبذل كثيراً من الجهد.
ولسوف تتحول الوظيفة لاحقاً إلى نوع من منصب تكريمي تسنده السلطات إلى فنانين مشهورين كي تمكنهم من العيش بما يدفع لهم هنا. في اختصار، وإذ استخدم الطابق الأرضي على الدوام لتشغله المكاتب الإدارية ومطعم الفندق المزدحم دائماً، صار “فندق الألمان” مركزاً تجارياً متشعب الأهداف والوظائف، وظلت تلك هي حاله حتى أزمنة متقدمة ليتحول إلى مركز بريد المدينة وتختفي آثار الأعمال الفنية التي أنجزها له جورجوني وتيشيانو، ولا يبقى سوى الصرح العمراني الذي يقال إن السلطات نفسها شاءته منذ البداية متقشفاً كي لا يطغى جماله على بهاء ما جاوره.
اندبندنت عربية
