عمر كوش كاتب سوري
تواجه الإنسان تحديات كثيرة في أزمنة الاضطرابات والأزمات، لأنها تحمل الغموض والحيرة والقلق والتحولات السريعة في الواقع المعيش والعالم. وفي مثل هذه الأوقات تبرز القراءة بوصفها إحدى أهم الأدوات التي تُمكّن الإنسان من مواجهة التحديات وتحقيق توازنه النفسي والمعرفي.
يُعرَّف الكاتب الكندي، الأرجنتيني الأصل، ألبيرتو مانغويل بأنه القارئ الأكثر شراهةً للكتب، حتى إن بعضهم أطلق عليه وصف “السيد قراءة”، بالنظر إلى أنه المؤلف الذي يكتب عن الكتب، وعن القراءة وفعلها ومفهومها، حتى إنه قال ذات يوم: “يمكنني أن أعيش من دون كتابة، لكنني لا أستطيع العيش من دون القراءة، لأنها مثل التنفس، وظيفة حياتية أساسية”، فالقراءة بالنسبة إليه تُعدّ فعلًا وجوديًا لا هواية. ولعله من القلائل الذين حوّلوا شغفهم بالكتب، وعلى امتداد نحو أكثر من نصف قرن، إلى مشروع معرفي وثقافي وجمالي تجلّى في كتبه: “تاريخ القراءة”، و”ذاكرة القراءة”، و”المكتبة في الليل”، و”يوميات القراءة”، وسواها من المؤلفات التي تأمل فيها معنى القراءة والمكتبة واللغة والعلاقة الغامضة بين القارئ والنص، وأثبت فيها مقدرته على تقديم رؤى معمّقة حول دور الكتب والقراءة في حياة الإنسان. كما تنوعت إصداراته بين الرواية والقصة القصيرة والمقالات النقدية والسيرة الذاتية.
يقدّم مانغويل في كتابه “القراءة في زمن الاضطراب” (ترجمة ريم غنايم، أثر للنشر والتوزيع، القاهرة، 2025) مقالاتٍ تأملية تجمع بين الأدب والفكر والفلسفة، وتنظر إلى القراءة بوصفها فعلًا مقاومًا للزمن، ويسترجع فيه القارئ صوته حين يصمت الآخرون وتطغى السطحية في العالم، فيما يحاول بكل هدوء مرافقة القارئ وسط فوضى العالم، وفي زمن يتسم بالاضطراب وتكثر فيه الضوضاء ويقلّ فيه الإنصات والإصغاء، ولا يملك الإنسان سوى القراءة، التي لا تشكل بالنسبة إليه ملاذًا آمنًا فقط، بل وسيلةً لفهم واقعه وما يدور حوله.
ينطلق مانغويل من طرح التساؤل حول أن نكتب أو لا نكتب في عالم يزداد تشويشًا وتضليلًا، كي يعيد النقاش حول دور المثقف، بوصفه شاهدًا نقديًا على العصر ومشاركًا فاعلًا في مواجهة تآكل المعنى، ولا يدير ظهره للضعفاء والمحرومين من السلطة والمقصيين من الكلام والمنفيين إلى النسيان، أولئك الذين لفظهم البحر على شواطئ لامبيدوزا أو أُبيدوا في قطاع غزة. وينظر إلى القرن الحادي والعشرين بوصفه عصر انعدام الإيمان بالكلمة، إذ إنها المرة الأولى في التاريخ التي لا يُنظر فيها إلى اللغة بوصفها أداةً للعقل تمكّن الإنسان من تقييم الخبرة ونقلها بأدق شكل ممكن. إضافةً إلى أن الخطاب العام بات يعتمد بشكل شبه كلي على نقل المشاعر، ويُنظر إلى التناقض أو عدم الاتساق لا بوصفهما علامةً على ضعف الفكر، بل دليلًا على الأصالة. وفي مثل هذا المناخ اللاعقلاني يفقد الفعل الفكري مكانته التقليدية، حيث تسود الأخبار الكاذبة والأكاذيب العامة، ويُصوَّر المثقفون، من قِبل أصحاب السلطة، بوصفهم “أعداء الشعب”، في مواجهة المواطن العادي الذي يُتَّهَمون بازدرائه والتعالي عليه. وعليه تبدو الحاجة في المرحلة الراهنة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى إلى أصوات عاقلة ثابتة تستمر في أداء الشهادة، رغم الاتهامات بالإهمال والتعالي، ولا أعذار لتردّد المثقفين.
يستعين مانغويل بمغامرات بينوكيو التي كتبها كولودي، كي ينسج تأملاته حول تعلّم القراءة، وفيها تبدأ رحلة بينوكيو، الدمية التي تتحول من الخشب إلى اللحم والدم. وهي رحلة لا تقل إثارةً عن رحلة أليس للخروج من أرض العجائب أو رحلة أوليس إلى إيثاكا الحبيبة. ويجري النظر إليها بوصفها ملحمة التحول من الدمية إلى المواطن، التي تتجسد خطوتها الأولى في تعلّم القراءة، وتشتمل على عملية آلية لتعلّم شيفرة الكتابة التي تُشفَّر فيها ذاكرة المجتمع، وتعلّم البنية النحوية التي تضبط هذه الشيفرة، وكذلك تعلّم الكيفية التي يمكن للنقوش المكتوبة بهذه الشيفرة أن تمكّن الناس من معرفة أنفسهم والعالم المحيط بهم.
تجربة بينوكيو في تعلّم القراءة تقف على النقيض التام من تجربة بطلة تائهة أخرى هي أليس، حيث تستعيد اللغة في عالم أليس غموضها الغني الجوهري، ويمكن لأي كلمة أن تعني ما يشاء المتكلم أن تعنيه، وعلى الرغم من أن أليس ترفض مثل هذه الافتراضات الاعتباطية، إلا أن المعرفة اللغوية المفتوحة للجميع هي القاعدة في بلاد العجائب.
غير أن كل ما يستطيع فعله بينوكيو، بعد أن يتعلّم القراءة، هو تكرار خطاب الكتب المدرسية، حيث يستوعب الكلمات على الصفحة لكنه لا يهضمها، وبالتالي لا تصبح الكتب جزءًا منه بشكل حقيقي.
يعرف بينوكيو حق المعرفة أن الكتب لا تُشبع المعدة الجائعة، ولا يمكن التفكير في إمكانية تعلّم القراءة قبل أن تلبي قوانين المجتمع حاجيات الإنسان من طعام وسكن ورعاية صحية، إذ في مجتمع لا تُلبّى فيه الحاجات الأساسية للمواطنين تكون الكتب غذاءً هزيلًا، وإذا أُسيء استخدامها فقد تصبح قاتلة. والمفارقة هي أن المجتمع يحتاج لأن يورّث معارفه وشيفراته لمواطنيه كي يكونوا فاعلين، لكن معرفة تلك الشيفرة تمكّن أولئك المواطنين من مساءلة المجتمع وكشف عيوبه ومحاولة تغييره.
ينطوي فعل القراءة على ثلاثة عناصر، هي الكاتب والقارئ والنص. وهؤلاء الثلاثة يتفاعلون بعضهم مع بعض، لكن لكل واحد منهم مزاياه وخصائصه ودوره الذي يقوم به، ويحدث اللقاء بين القارئ والكتاب لأسباب غامضة تتعلق بطبيعة الكتاب وطبيعة القارئ وطبيعة الزمن والظروف. وتغدو القراءة حديثًا متبادلًا يكون فيه للقارئ الكلمة الأخيرة، لأن القارئ يؤوّل ما يقوله النص من دون أن يتمكن النص من التدخل في هذه العملية. ولعل أحد أشكال القراءة الممتعة يتمثل في القراءة الجماعية التي تسمح بظهور تأويلات أخرى للنص.
ينظر مانغويل إلى القارئ بوصفه منفىً متنقلًا يحمل مكتبته معه باعتبارها دليل نجاة، فالقارئ ليس متصالحًا مع العالم بل منغمسًا في إشكالياته على طريقته الخاصة، لذلك يقرأ كي يجد في النصوص عزاءً ضد الاضطراب والأزمات. وعليه يستدعي صورة العمى بوصفها رمزًا للتبصّر الداخلي للإنسان، لأن القراءة لا تحتاج إلى عيون بقدر حاجتها إلى خيال خلّاق.
مع تراجع الثقة بالكلمة والمعنى في المرحلة التي نعيشها، بات الخطاب العام يستند أكثر إلى المشاعر والانطباعات بدل التفكير المنطقي، لذلك تصبح العودة إلى القراءة وسيلةً لإعادة بناء الفهم واللغة، إذ تصبح القراءة ضرورة مدنية ودعوة ملحّة كي لا يسود الصمت في العالم المعاصر، الذي يعيش حالة من الفوضى والصخب والاضطراب الفكري، وتضعف فيه الثقة باللغة والمعنى. وعليه تغدو القراءة فعل مقاومة، لأنها تساعد الإنسان على فهم العالم وليس الهروب منه، بالنظر إلى أن القراءة ليست هواية عادية، بل طريقة للدفاع عن التفكير العميق في زمن السرعة والسطحية، فالقارئ يبطئ إيقاع العالم ويعيد اكتشاف المعنى عبر النصوص. وعندما يقرأ الإنسان فإنه يعيش تجارب وحيوات عديدة من خلال الكتب، فيتعرّف إلى أفكار وثقافات مختلفة، ويصبح أكثر قدرة على فهم الآخرين.
لقد فقَدَ الفعل الفكري مكانته في مجتمعاتنا المعاصرة، وتحولت المدارس والجامعات فيها إلى ساحات لتدريب القوى العاملة، وليس إلى أماكن يُغذّى فيها الفضول ويُنمى فيها الفكر. ويرجع مانغويل إلى وزيرة المالية الفرنسية كريستين لاغارد، خلال رئاسة نيكولا ساركوزي، التي خاطبت الفرنسيين بالقول: “لدينا في مكتباتنا ما يكفي لنحكي عنه لقرون قادمة. ولهذا، أود أن أقول لكم: كفى تفكيرًا. شمروا عن سواعدكم”، وكان فحوى رسالتها لجيل الشباب الفرنسي: “فكّر أقل، واعمل أكثر”. وبات الشعار في فرنسا كما في غيرها: “أسرع من الفكر”، في حين أن التفكير يتطلب الوقت والعمق، وهما جوهر فعل القراءة. وفي عالم سريع ومليء بالضجيج يبقى فتح كتاب فعلًا بسيطًا، لكنه يحافظ على التفكير العميق والخيال الإنساني، والقارئ الحقيقي هو من يحمل مكتبته معه أينما ذهب، وتغدو القراءة جزءًا من هويته ونهجه في فهم العالم، خاصةً وأنها تساعد الإنسان على التفكير في الأسئلة الكبرى، تلك المتعلقة بالرحمة والعدالة والمعنى ومصير الإنسان والعالم.
يبقى أن ثمة حقيقة تتجسد في أن الكتب لا تُنقذ العالم، لكنها تعلّم الناس كيف يُنقذون أنفسهم من الخراب، خاصةً وأنهم يمتازون بقدرتهم على الإصغاء وعلى القراءة والكتابة أيضًا.