
أثار كلام الشرع قبل أسبوع احتمالَ تدخّل سوري في الحرب الحالية، لأنه كان واضحاً لجهة الإعلان عن دعم الحكومة اللبنانية في ملف نزع سلاح حزب الله، لا دعمها على العموم كما هو حال الصياغات الدبلوماسية المعهودة. بالتزامن، كانت هناك تحشيدات عسكرية على الطرف السوري من الحدود، تحت يافطة حماية الحدود ضمن الظروف الحالية. لكن الحشود قد لا تبقى في إطار المهمة المعلنة، وقد تُستَهدف أيضاً، خصوصاً إذا وُجِد تواطؤ أو نية لتوريطها في الحرب.
يبقى لاحتمال التدخل في لبنان وجاهته، وهو يعبّر حقاً عن العلاقة المضطربة بين البلدين منذ استقلالهما. فالشقيق الأصغر لديه مخاوف الهيمنة من طرف الشقيق الأكبر، وهناك حقاً نسبة ملحوظة من السوريين تحمل تأثيرات الأفكار القومية، وصولاً إلى تأثيرات وصاية الأسد على لبنان، التي كان البعض يعترض على ما يتعلق بالأسد فيها، لا بمبدأ الوصاية نفسه.
حضور احتمال التدخل اليوم فيه ما يشبه الأمس، فحين دخل الأسد لبنان في عام 1976 كان العنوان الرئيسي: سلاح الفصائل الفلسطينية، واشتباكها مع إسرائيل خارج قرار الحرب والسلم السيادي. ولم تكن هناك قدرة لبنانية على تجريد الفصائل من أسلحتها، ومن ثقلها متعدد الأوجه في الحياة اللبنانية. اليوم، العنوان الأبرز لبنانياً ودولياً: تجريد حزب الله من أسلحته، وتالياً من تأثيره الكبير في الحياة العامة اللبنانية. وأن تقوم بالمهمة قوات غير لبنانية، فهذا قد يكون مستحسناً من قبل خصوم الحزب في لبنان وخارجه، وليس في السياق الحالي من خيار محتمل، ورخيص الكلفة، مثل الخيار السوري.
بالمقارنة أيضاً، دخل حافظ الأسد لبنان وهو في ذروة صعوده، إذ كان قد خرج من حرب أكتوبر 1973 كمنتصر، ولم تكن رواية الحرب آنذاك على النحو الذي سيرويها خصومه. ثم إنه، بفضل الحرب وما تلاها، كان في أفضل أوقاته لجهة الانفتاح على المحيط العربي، والخليجي على نحو خاص. حالياً يبدو الشرع في وضع مشابه، من حيث رواية الانتصار على الأسد وحلفائه خلال أيام، والانفتاح على المحيط العربي، وتحديداً الخليجي.
لكن، كما يعلم جيداً اللبنانيون والسوريون، لم تقدّم القوات التي دخلت لبنان في العام 1976 مثالاً على الانضباط، بل إن بوادر قيامها باستباحة الخصوم والمدنيين ظهرت في لبنان، قبل تعميمها على نطاق أوسع في سوريا. ولا يُنتظر حالياً من الفصائل التابعة لحكومة الشرع سلوكاً منضبطاً، وهناك تقرير جديد للأمم المتحدة، رحبت به الخارجية، عن المجازر والانتهاكات في الساحل والسويداء. أخْذُ هذا السلوك بالحسبان، فوق النقمة على حزب الله وحاضنته الشعبية لدى الفصائل ولدى شريحة واسعة من السوريين، يُنذر بطبيعة التدخل هذه المرة في حال حدوثه.
وبصرف النظر عن بعض المقارنات التفصيلية، كان دخول القوات السورية إلى لبنان في متصف السبعينات إيذاناً بعهد سوري جديد، مختلف عمّا كان عليه منذ الاستقلال. فللمرة الأولى بعد الاستقلال يكون لسوريا وزن إقليمي ضمن معادلة إقليمية أوسع تلت حرب أكتوبر، وصار ممكناً الحديث عن ثلاثي يقوم عليه النظام العربي، مكون من السعودية ومصر وسوريا، مثلما كان النظام الإقليمي الأوسع متصلاً بالتنافس والتوافق بين ثلاث قوىً إقليمية، هي إسرائيل وتركيا وإيران. ورغم اتفاقيات كامب ديفيد، وما تلاها من انقسامات عربية، بقيت آثار الثلاثي العربي ماثلة، ليُستحضر بقوة (ولمرة أخيرة) مع حرب الخليج الثانية، حيث كانت المشاركة الرمزية لقوات مصرية وسورية بمثابة غطاء مطلوب دولياً وإقليمياً.
لقد كان الانسحاب المُذلّ من لبنان من أكبر الضربات التي وُجِّهت إلى الأسد الابن، قبل اندلاع الثورة، إذ فقد عملياً أوراق قوته في الإقليم. ومن المحتمل جداً أن يكون تحالفه الوثيق مع طهران قد وجّه ضربة كبرى للتنسيق بين الثلاثي العربي، وهذا وحده لا يقول ما هو مهم عن التغييرات الإقليمية الأوسع والأعمق. فمع نهاية القرن الفائت بدأت تتوضح ملامح توزع جديد للقوى في المنطقة العربية، أبرز ما فيها التراجعُ الشديد لأنظمة كانت فاعلة من قبل، في مصر والعراق وسوريا وحتى في ليبيا، لمصلحة بروز فاعلين جدد في الخليج إلى جوار السعودية.
ذلك فضلاً عن التراجع في القيمة الجيوستراتيجية لسوريا بعد إسقاط بشار، ثم إضعاف إيران والحزب بعمليات عسكرية آخرها الحرب الدائرة الآن. سوريا نفسها قد تكون ساحة للتنافس أو الصراع بين القوتين الإقليميتين، تركيا وإسرائيل، اللتين ستتنافسان على وراثة النفوذ الإيراني الذي كان في سوريا ولبنان. أي أن سوريا لن تكون مجدداً بمثابة الوصي المعتمد على لبنان، لا من قبل المحيط العربي، ولا من قبل القوتين الضاغطتين على دمشق من الجنوب والشمال.
أقل من الوصاية، لا يُستبعد بالمطلق أن توكل للجانب السوري مهمة محدودة، متعلقة بالحرب البرية على حزب الله. هذه بطبيعتها لن تكون مقدّمة لاسترجاع النفوذ الإقليمي من البوابة اللبنانية، وستخفف عن بعض اللبنانيين عبء الضغائن والأحقاد الداخلية، لتكون على طرفي الحدود، ولتكرّس ما هو سابق لجهة العلاقة غير المستقرة بين البلدين. السوريون بغنىً عن هذا السيناريو، وهم مستفيدون أيضاً من عدم استرجاع النفوذ الإقليمي من البوابة اللبنانية، لأن النفوذ الذي اكتسبه الأسد فيما مضى تم تصريفه داخلياً بالمزيد من القمع، والمزيد من الإعراض عن الداخل السوري لقاء تشبيك المصالح الخارجية.
من الجانب الآخر، ربما يكون اللبنانيون، للمرة الأولى منذ نصف قرن، مع موعد للتحرر من الوصاية الخارجية كما عاشوها في سنوات الوصاية السورية، ثم الوصاية الإيرانية بواسطة الحزب. وإذا تمكنوا من إدارة شؤونهم باستقلالية فهذا سيكون جيداً، إذ سيردع الشقيقَ الأكبرَ عن التدخل مرة أخرى، وسيكون استرجاع ملامح الأسدية أكثر صعوبة في سوريا، ما دامت مستحيلة في لبنان. وإذا صحّ الكلام عن تغييرات واسعة في الإقليم، فمن المستحسن عدم انتظار عودة القديم بلباس جديد، بل العمل للحيلولة دون عودته كي لا تُكرَّر الكوارث القديمة على نحو أشدّ بذاءة وكلفة. من مصلحة البلدين، ضمن ما هو منظور، أن يقدّم الشقيق الأصغر النموذجَ الذي يعجز الأكبر عن تقديمه.