
الممثلة جميلة الشيحي في مسرحية “إلى أمي” (خدمة الفرقة)
ملخص
في المسرح، يمكن لأي فكرة أن تُروى. يمكن للخشبة أن تعكس حروباً بعيدة أو أساطير قديمة، ويمكنها أن تبدأ من أبسط الحكايات وأكثرها حميمية: حكاية إنسان مع أمه. المسرح لم يكن فقط فضاءً لعرض الأحداث الكبرى، بل كان مكاناً لتحويل التجارب الإنسانية الصغيرة إلى لغة فنية تلامس وجدان الجمهور.
في هذا السياق يأتي العرض المسرحي الجديد “إلى أمي”Mother بنص يحمل توقيع الفنانة التونسية جميلة الشيحي وإخراج تماضر الزرلي، الذي يُقدم على مسرح قاعة الجهات في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي في العاصمة تونس.
العمل لا يسعى إلى بناء حبكة تقليدية، بل يفتح مساحة للذاكرة، حيث تتحول الخشبة إلى مكان للاعتراف والبوح. الأم تصبح محوراً رمزياً يستعيد العرض من خلاله أسئلة الطفولة، الحنين، والفقد، لتتحول تجربة شخصية إلى رحلة مشتركة مع المشاهد.
الحكاية الإنسانية
تروي المسرحية قصة امرأة بسيطة، عاملة تنظيف في بيت جامعي، تمثل كل أم غائبة أو حاضرة في ذاكرة أبنائها. العرض يسلط الضوء على العلاقة العميقة بين الأم والابنة، وعلى أثر الحنان، الغياب، والفقد في تكوين الشخصية والذاكرة الإنسانية.
المسرحية لا تعتمد على حبكة تقليدية، بل تقدم سلسلة من المشاهد القصيرة والتأملات المركّزة، حيث تتقاطع الحياة اليومية مع الذكريات، والكلمة مع الصمت، والحركة مع الفراغ، لتخلق فضاءً مسرحياً حميمياً يشعر فيه الجمهور بأنه يشارك لحظات شخصية وعامة في آن واحد. التقنيات الرمزية واضحة، فالمساحة شبه الخالية على المسرح تسمح لكل تفصيل بصري أو حركة جسدية أن تتحول إلى علامة أو ذاكرة ملموسة.
المشاهد القصيرة، أحياناً من دون حوار، تعكس الذكريات الصغيرة والمشاعر المكبوتة، مما يجعل كل لحظة على الخشبة نافذة على التجربة الإنسانية الفردية والجماعية. بهذه الطريقة، تتحول تجربة شخصية مؤثرة إلى رحلة إنسانية عامة، حيث تصبح الأم رمزاً للذاكرة والحنان والغياب، وكل لحظة على المسرح تتجاوز الأحداث المباشرة لتتواصل مع جمهورها، فتفتح أمامه نافذة على ذكرياته وتجربته الإنسانية الأولى.
اقتصاد بصري
تختار تماضر الزرلي تقشفاً بصرياً واضحاً، حيث تبدو الخشبة شبه خالية، وتتقلص عناصر الديكور إلى الحد الأدنى: طاولة واحدة، قطعة قماش، وربما كرسي متفرق. هذا الفراغ المتعمد ليس مجرد عنصر جمالي، بل أداة درامية تعزز الحميمية والجو النفسي للعمل.
كل زاوية خالية، كل مساحة غير مستخدمة، تتيح للمتفرج أن يشعر بأن الخشبة ليست مجرد مكان للأداء، بل هي امتداد للذاكرة والحنين والغياب. الإضاءة تلعب دوراً مركزياً في تكثيف التجربة. الضوء يبرز الجسد في لحظات محددة ثم يختفي في الظلال، كأنه تجسيد لتقطّع الذاكرة: تظهر ذكريات الطفولة للحظة ثم تتلاشى، تاركة أثراً نفسياً عميقاً على الجمهور.
التقشف البصري يجعل الحضور البشري محور التجربة، فتتحول الخشبة إلى مرآة للشعور الإنساني ونافذة يطل منها الجمهور على ذكرياته وحنينه الشخصي.
الأم كرمز وحضور
منذ اللحظة الأولى، يبدو واضحاً أن “إلى أمي” ليس مجرد عرض مسرحي تقليدي، بل هو عمل يحمل طابعاً شخصياً عميقاً. تجربة الفنانة جميلة الشيحي مع فقدان والدتها تتحول إلى خيط يربط الأداء بالذاكرة والجمهور، حيث تصبح العلاقة مع الأم أكثر من مجرد ذكريات طفولة. فهي المصدر الذي تتشكل منه التجربة الإنسانية بأبعادها العاطفية والنفسية.
على الركح، تتحرك الشخصية بين الحاضر والذاكرة، لتبرز الأم في كل لحظة، ليس فقط كشخصية درامية، بل كرمز للحضور النفسي المستمر والحنان الأولي الذي يترك أثره في تكوين الإنسان. كل حركة، كل صمت، وكل إضاءة تعكس حضورها الغائب، فتتحول الخشبة إلى مساحة مشتركة بين الفنان والجمهور، حيث يعيش المتفرج لحظة فقد وحضور في آن واحد.
العرض هنا لا يحكي قصة الأم وحسب، بل يستحضر ذاكرة جماعية يجد كل متفرج فيها انعكاساً لتجاربه الشخصية. تتحول تجربة فردية عميقة إلى رحلة شعورية مشتركة، يلتقي فيها الجمهور مع ذاته وذكرياته، فتتحول الخشبة إلى فضاء للحنين والمصالحة مع الغياب، بينما يصبح سرد الذاكرة هو القوة الدافعة التي تمنح المسرحية صدقها وتأثيرها الإنساني العميق.
المسرح مرآة الذاكرة
في زمن يزداد فيه اعتماد المسرح على الاستعراض البصري والتقنيات الحديثة، يذكرنا “إلى أمي” بأن أبسط الحكايات قد تكون أعمقها تأثيراً. العرض لا يكتفي بسرد تجربة شخصية للفقد والحنين، بل يحوّل الخسارة الفردية إلى تجربة جماعية، ليصبح كل متفرج شريكاً في رحلة الذاكرة والاعتراف.
المسرحية تعيد للمسرح قيمته كفضاء للتأمل والوجدان، حيث يمكن للفن أن يلمس أكثر اللحظات حميمية في حياة الإنسان، ويحوّلها إلى لغة مشتركة بين الفنان والمتفرج. فالأم ليست مجرد شخصية، بل هي رمز للذاكرة والحنين والفقد، وحضورها المستمر على الركح يمنح العرض قوته وصدقه. بهذه الطريقة، يقدم العمل نموذجاً عن المسرح الحميمي والتأملي، الذي يبتعد عن الحبكة التقليدية ويترك مساحة للتفاعل الشعوري مع الجمهور.
هذا العمل هو تجربة مختلفة في مسيرة الممثلة المميزة جميلة الشيحي، التي عرفها الجمهور في أدوار متنوعة في التلفزة والمسرح على حد سواء، وكذلك المخرجة تماضر الزرلى التي يمثل لها هذا العمل خطوة إخراجية مهمة وتطوراً في مسيرتها الفنية.
العرض يفتح أمام المشاهد نافذة على المشاعر الإنسانية الأكثر عمقاً، ويذكّره بأن المسرح ليس مجرد تسلية، بل مساحة للتواصل مع الذات والآخر. ويؤكد “إلى أمي” أن الفن الحميم يمكن أن يكون أقوى وسيلة لفهم التجارب الإنسانية ومشاركتها مع الآخرين.
اندبندنت عربية