ملخص
مسرحية “الضيف الثقيل” لتوفيق الحكيم تعتبر، وبحسب مؤلفها، أولى المحاولات المسرحية الجادة التي كتبها ذاك الذي سيضحي واحداً من كبار الكتاب المصريين، في مستهل سنوات شبابه، قبل أن يصبح أحد أبرز رواد المسرح العربي في القرن الـ20.
“كانت أول تمثيلية لي في الحجم الكامل، هي التي أسميتها ’الضيف الثقيل‘. أظن أنني كتبتها في عام 1919، لست أذكر على وجه التحقيق. كل ما أذكر عنها، وقد فقدت منذ وقت طويل، هو أنها كانت من وحي الاحتلال البريطاني، وأنها كانت ترمز إلى إقامة ذلك الضيف الثقيل في بلادنا من دون دعوة منا، ومن دون رغبة منه في الانصراف عنا. ولم يكن من الممكن إظهار هذه المسرحية على مسرح في ذلك الوقت. والرقابة على المطبوعات لم تكن لتعمى عن مرامي مثل ذاك الموضوع، في وقت لم يكن للناس حديث ولا تهامس إلا عن الاحتلال الثقيل ومتى تنزاح غمته”.
جاء هذا النص الذي نقله على لسان الكاتب المصري توفيق الحكيم، الكاتب جمال الغيطاني، في كتاب له سجل فيه حواراً طويلاً خاضه حول الحكيم وحياته وفنه.
ويفيدنا هذا الكلام بأن مسرحية “الضيف الثقيل” تعتبر، وبحسب مؤلفها، أولى المحاولات المسرحية الجادة التي كتبها ذاك الذي سيضحي واحداً من كبار الكتاب المصريين، في مستهل سنوات شبابه، قبل أن يصبح أحد أبرز رواد المسرح العربي في القرن الـ20.
وقد كتب الحكيم هذه المسرحية في مرحلة مبكرة من حياته، حين كان لا يزال متأثراً بالمناخ السياسي المضطرب في مصر بعد ثورة 1919 وما تبعها من صراع عنيف بين الحركة الوطنية والسلطة الاستعمارية البريطانية.
ولهذا لا يمكن قراءة هذه المسرحية بوصفها مجرد تجربة فنية أولى، بل باعتبارها نصاً ساخراً يحمل دلالات سياسية واضحة تعكس حساسية الحكيم المبكرة تجاه الواقع السياسي والاجتماعي في بلاده.
معان رمزية وفكر سياسي
تقوم فكرة المسرحية على وضع بسيط ظاهرياً لكنه غني بالمعاني الرمزية، فالحدث يدور حول بيت هادئ يتعرض لزيارة مفاجئة من “ضيف” يفرض نفسه على أصحابه، ثم يرفض المغادرة. ومع مرور الوقت يتحول وجود هذا الضيف إلى عبء ثقيل على أهل البيت، فهو يتدخل في تفاصيل حياتهم ويغير نظامهم ويستهلك مواردهم، بينما يضطر أصحاب البيت إلى تحمله بدافع المجاملة أو العجز عن مواجهته.
هذه الفكرة البسيطة تمنح الحكيم فرصة لبناء مفارقة ساخرة: فالضيف الذي يفترض أن يكون موضع ترحيب واحترام يتحول إلى مصدر إزعاج وهيمنة، لكن المعنى الحقيقي للمسرحية يتجاوز هذا المستوى الاجتماعي، فالضيف في النص يقرأ بسهولة بوصفه رمزاً سياسياً، إذ رأى كثير من الدارسين أن الحكيم كان يلمح من خلال هذا الضيف إلى الوجود البريطاني في مصر آنذاك. فبريطانيا التي دخلت البلاد في البداية تحت ذرائع سياسية وعسكرية أصبحت، في نظر الوطنيين المصريين، “ضيفاً ثقيلاً” لا يريد المغادرة.
وهكذا تتحول المسرحية إلى نوع من السخرية السياسية المقنعة، إذ تطرح قضية الاحتلال في قالب كوميدي بسيط. ومن المؤكد أن هذه الرمزية ليست مباشرة أو خطابية، بل فيها كثير مما يكشف عن حس فني مبكر لدى الحكيم. فبدلاً من كتابة نص سياسي صريح، اختار أسلوب التلميح والرمز. إن الضيف في المسرحية لا يسمى ولا تحدد هويته بدقة، لكن سلوكه وطريقة استقراره في البيت يشيران بوضوح إلى علاقة قوة غير متكافئة بين طرفين: صاحب البيت الذي يشعر بالعجز، والضيف الذي يستغل هذا العجز ليفرض حضوره الدائم.
مشكلة ذات وجهين
ومن اللافت أن المسرحية تكشف أيضاً عن نقد اجتماعي للذهنية التي تسمح لهذا “الضيف” بالبقاء، فالحكيم يلمح إلى أن المشكلة لا تكمن في الضيف وحده، بل في أصحاب البيت الذين يفتقرون إلى الجرأة اللازمة لطرده. إنهم يتذرعون باللباقة والضيافة، لكن هذه المجاملة تتحول إلى نوع من الاستسلام.
بهذا المعنى تصبح المسرحية نقداً مزدوجاً: نقداً للقوة المتسلطة، ونقداً للضعف الداخلي الذي يسمح باستمرار هذا التسلط. وتنبع أهمية “الضيف الثقيل” أيضاً من كونها تكشف عن البذور الأولى للمشروع المسرحي الذي سيطوره الحكيم لاحقاً، فالميل إلى الرمز، والاعتماد على فكرة بسيطة ذات أبعاد فلسفية أو سياسية، سيصبحان سمة أساسية في كثير من أعماله اللاحقة مثل “أهل الكهف” و”عودة الروح”. ففي هذه الأعمال أيضاً نجد الفكرة الرمزية التي تتجاوز الحكاية الظاهرية، لتطرح أسئلة أعمق عن المجتمع والتاريخ والسلطة.
ومن ناحية تاريخية، تعكس المسرحية أيضاً مرحلة كان فيها المسرح العربي يبحث عن لغته الخاصة. ففي بداية القرن الـ20 كان المسرح في مصر متأثراً بصورة كبيرة بالنماذج الأوروبية، سواء من حيث البناء الدرامي أم المواضيع، غير أن الحكيم حاول منذ البداية أن يجعل المسرح وسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع المصري نفسه.
لذلك يمكن القول إن “الضيف الثقيل” تمثل محاولة مبكرة لتوطين المسرح سياسياً واجتماعياً، ومع أن هذه المسرحية لا تعد من أشهر أعمال. فهي تكشف عن وعي مبكر لدى الكاتب بأهمية المسرحية بالنظر إلى أنها تظهر قدرة الحكيم المبكرة بالتأكيد، على استخدام الكوميديا والرمز لطرح قضية خطرة مثل الاحتلال من دون الوقوع في المباشرة الخطابية.
دلالة كبيرة لنص صغير
ومهما يكن من أمر هنا، يمكن النظر إلى “الضيف الثقيل” بوصفها نصاً صغيراً في حجمه، لكنه كبير في دلالته. فهي لا تمثل فقط البداية المسرحية لكاتب سيصبح لاحقاً “أباً للمسرح العربي الحديث”، بل تعكس أيضاً لحظة تاريخية كان فيها المثقف العربي يبحث عن لغة فنية يستطيع من خلالها التعبير عن التوتر بين السلطة والاحتلال.
ومن خلال صورة الضيف الذي يرفض الرحيل، نجح الحكيم في تقديم استعارة بسيطة لكنها عميقة المعنى للاحتلال، وللسؤال الدائم عن قدرة أصحاب البيت على استعادة بيتهم. وهذا ما يسمح لكاتبنا أن يطرح بعد ما يقرب القرن من كتابته تلك المسرحية التي افتتحت كتابته للخشبة، تساؤلاته الشخصية حول دوافعه واستعداداته لكتابة ذلك النوع الاجتماعي من الأدب “الحواري”، بحسب توصيفه، وبالتحديد رداً على سؤال طرحه على نفسه بنفسه: “إن السؤال الواجب طرحه هنا هو: لماذا بدأت الكتابة أول ما بدأتها بكتابة مسرحية؟”، وهو السؤال الذي يجيب عنه في حواره مع الغيطاني مفترضاً، كما يقول بأن “الطبيعة المسرحية، أي خلق الإنسان من الحوار لا من التوصيف، خلقت فكر الإنسان من واقع ما يقوله هو عن نفسه، لا من واقع ما يقال عنه وهذا ما يلائم طبعي. لماذا؟ أهي وراثة؟ أهي من روح الجدل؟ والمنطق والتركيز ووضع الكلمة في موقعها، وحوار النفس وقلق القاضي وميزانه عند والدي؟ كل ذلك أقرب إلى روح المسرح. لست أدري، قد يكون هناك أيضاً سبب أعمق، يتعلق ربما بطبيعة ميراثنا الأدبي نفسه”. وهذا ما يشرحه الحكيم على أية حال مستفيضاً بأن طبيعة التركيز والتركيب عند العرب، ومنذ القدم، في الشعر والفكر والأدب والبلاغة، “هذه الطبيعة، التي هي جوهر الفن المسرحي، تجعلني دائماً ما أعتقد أن السليقة العربية سليقة مسرحية”.
بين اليونان والعرب
ويضيف الحكيم هنا، ودائماً في الحوار نفسه، أنه إذا كانت “ظروف مختلفة قد حالت دون تجسد تلك السليقة بالطريقة التي تجلت بها لدى اليونانيين، فإن ذلك لم يمنع تجليها وظهور بوادرها في أشكال أخرى. فأنا مثلاً، كلما تصورت مشاهد معينة في رسالة الغفران للمعري، أو قرأت مقطعاً من ’أغاني‘ الأصفهاني أو من ’بخلاء‘ الجاحظ، ورأيت ذلك البناء المحكم للصورة والعبارة، والإشارة المباشرة لما هو مفصلي، وبلا لغو ولا تهافت في التلوين السريع للشخصية، أو العاطفة والفكاهة، أوقن وأشعر بالجذور الخفية العميقة لهذا الميل عندي، للفن المسرحي. ومهما يكن من أمر فإن هذا الميل قد رافقني وسار معي في كل خطوات دراستي وحياتي، وبخاصة منذ حصلت على شهادة الباكالوريا لألتحق بوزارة الحقانية، وأتخرج من مدرسة الحقوق لأخوض بالتحديد مهنة تقوم على الحوارات والترتيبات المسرحية، ولا أعتقد أن ذلك كله كان صدفة في حياتي ومساري”.
بقي أن نذكر بأن توفيق الحكيم (1898 – 1987) كان بالكاد بلغ الـ30 من عمره حين كتب “الضيف الثقيل” التي ستفتتح لديه، ومن دون أن تكون حاضرة تماماً في مساره الإبداعي على أية حال، مساراً إبداعياً غلب عليه المسرح، لكنه لم يخل من إبداعات في شؤون أدبية وفنية متنوعة أخرى.
اندبندنت عربية
