انطلقت الجولة الثانية من الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، بعد أشهر من انتهاء الجولة الأولى، في يونيو/ حزيران الماضي (حرب الـ12 يوماً)، التي انتهت باتفاق هشّ غير واضح المعالم. ويبدو أن هذه الجولة ستكون أطول، وأكثر شراسةً، وأشدّ عنفاً، مع الإصرار الإسرائيلي على إسقاط النظام الإيراني. والعلاقة الأميركية الإسرائيلية وثيقة، تتجاوز مرحلة الشراكة الاستراتيجية إلى ما هو أعمق بكثير. فمنذ ظهور إسرائيل، لم يتوقّف دعم الولايات المتحدة لها من أجل ضمان أمنها واستمرار تفوّقها على دول المنطقة مجتمعة. بيد أن بعض الفترات تشهد زيادةً ملحوظةً في أواصر التحالف بينهما إلى درجة من التماهي تلفت الانتباه، يبدو فيها الطرفان وكأنّهما كيان واحد برأسَين. فقد كشفت الفترة الماضية قاسماً مشتركاً واسعاً يجمع بين الرؤيتَين، الأميركية والإسرائيلية، لتغيير معالم الشرق الأوسط.
وإذا ما أخذنا الحرب على إيران مثالاً، يرى المراقبون أن ثمّة تناغماً لافتاً، وتضافراً واضحاً لا تخطئه عين، بين السياسات الإسرائيلية والأميركية تجاه المنطقة عامة، وتجاه إيران خاصّة، وهي تتجاوز مرحلة التحالف الاستراتيجي القائم على تماهي الرؤيتَين، السياسية والأمنية، ووحدة الأهداف والوسائل المتّبعة، إلى منطقة أخرى تتمثّل بوجود سردية دينية تمثّل المَعين الذي تنبع منه رؤية إسرائيل والولايات المتحدة، مع هيمنة جناح كبير داخل إدارة ترامب يتبنّى سرديات إسرائيل الدينية والصهيونية، ويقتفي أثرها، ويردّد نصوصها بصورة علنية، من دون تورية أو مواربة، ويربط بينها وبين الواقع المعاصر.
فبعد ساعات قليلة من انطلاق الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خطاباً متلفزاً من مقرّ وزارة الدفاع الإسرائيلية، ظهر فيه في حالة لافتة من الابتهاج والانتشاء بانطلاق حربٍ انتظرها طويلاً تجاه خصمه اللدود. وقد عاد نتنياهو إلى هوايته في خطابه باستحضار مشاهدَ من التاريخ اليهودي وربطها بالحرب على إيران؛ فربط بين التهديد الذي تمثّله إيران بالنسبة إلى إسرائيل، والعداء الفارسي القديم لليهود، في حديثه عن عيد “البوريم” (عيد النصيب في 25 مارس) الذي يمثّل ذكرى خلاص اليهود من مذبحة في بلاد فارس، بحسب المعتقدات اليهودية، فقد قال نتنياهو: “قبل 2500 عام قام عدو بمحاولة تدميرنا في بلاد فارس القديمة، لكن مردخاي اليهودي والملكة إستير أنقذا شعبنا بشجاعتهما… في ذلك الوقت سقط هامان الشرير، واليوم سيسقط النظام الشرير”. كذلك استبدل نتنياهو اسم “زئير الأسد” بـ”درع يهودا” لحربه على إيران، واللافت أن كليهما يحمل سَمتاً توراتياً فجّاً يمنح الحرب غطاءً دينياً مقدَّساً، فقد اقتبس نتنياهو الاسم من سفر النبي عاموس عندما قال: “زأر الأسد، فمن لا يخاف؟”.
وعلى طريقة الشيء بالشيء يذكر، ثمّة تصريح مهمّ لوزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو، في مارس/ آذار 2019 إبّان الولاية الأولى لترامب، في مقابلة مع شبكة البثّ المسيحية الأميركية (CBN)، جاء فيه: “الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يكون هديةً من الربّ لإنقاذ اليهود من إيران”، و”إن إيمانه يجعله يصدّق ذلك”. والمفارقة الطريفة أن ذلك التصريح جاء على خلفية سؤال المذيع له عمّا إذا كان يعتقد أن الربّ قد رقّى ترامب ليكون رئيساً في هذا الوقت لحماية اليهود من التهديد الإيراني مثل الملكة إستير. لم يأخذ ذلك التصريح الخطير لبومبيو حظّه من الاهتمام في حينه، لكنّ تصريحات نتنياهو قبل أيام أعادته إلى الأذهان مجدّداً، والقاسم المشترك بينهما من الوضوح بمكان، فهما يدوران في الفلك نفسه باستحضار مشاهد تاريخية توراتية، وإسقاطها على الواقع، والدلالات الكارثية التي حملها باديةً غير خافية، كاشفةً مدى التطرّف الذي يسكن عقول شخصيات بارزة نافذة في صدارة المشهد السياسي الأميركي، تنتمي إلى تيّار المحافظين الجدد أو المسيحية الصهيونية. ويشبه هذا المستوى من التطرّف الفاقع، إلى حدّ بعيد، نظيره الذي كانت تحمله إدارة جورج بوش (الابن)، الذي كانت إدارته تتحرّك، في أحيانٍ كثيرة، بدوافع دينية، بل تحت تأثير نبوءات توراتية تسعى إلى محاولة تحقيقها.
تتعيّن الإشارة إلى أن المستشرق البريطاني الصهيوني المتطرّف، الراحل برنارد لويس، كان بمثابة الأب الروحي، والمرجعية الفكرية الرئيسة، والمنظّر الأول لتيّار المحافظين الجدد، الذي هيمن على الفضاء السياسي الأميركي في عهد جورج بوش (الابن)، إذ يُعدّ لويس رائد تلك المدرسة المتطرّفة باختلاف أجيالها وتنويعاتها، وقد تركت كتاباته آثاراً بارزةً في صياغة عقول رموزها من إدارة بوش الابن إلى إدارة ترامب، وأسهمت، بقدر كبير، في تشكيل نظرتهم إلى منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يبدو واضحاً في تصريحاتهم. وكان بومبيو قد نعى برنارد لويس عقب وفاته في مايو/ أيار 2018، وقال عنه في تدوينة في “إكس”: “كان لويس باحثاً حقّاً ورجلاً عظيماً، أدين له بفضل كبير في فهمي للشرق الأوسط، لما قام به من عمل… كان رجلاً آمن، مثلي، بأن الأميركيين يجب أن يكونوا أكثر ثقةً بعظمة بلادنا”.
لنا أن نتصوّر أن هذه التصريحات الخطيرة لنتنياهو وبومبيو، بما تحمله من تطرّف فاقع سافر، لم تصدر في غرف مغلقة أمام آحاد، ولم تتناقلها الألسن بروايات متواترة، بل قيلت في لقاءات متلفزة مسجّلة بالصوت والصورة أمام الملايين، وهي تصريحات تتبنّى سرديةً دينيةً أميركيةً إسرائيليةً مشتركة، وتقدّم غطاءً دينياً للممارسات العدوانية الإسرائيلية المدعومة أميركياً بلا حدود، ويمتزج فيها ما هو ديني بما هو سياسي بصورة كاملة، وتختلط فيها النبوءات التوراتية بالأساطير الصهيونية، من أجل تسويغ الممارسات العدوانية الإسرائيلية أمام قواعد المتطرّفين في الداخل الإسرائيلي والأميركي، ومن أجل فرض واقع جديد على شعوب المنطقة تكون فيه إسرائيل سيّدة المنطقة من دون منازع. والأسوأ أن تلك التصريحات الفجّة لا تمثل إلا الجزء الطافي، أو المعلوم الظاهر، من الرؤية الإسرائيلية الأميركية، بينما يظلّ الجزء الغاطس، أو المجهول غير المنظور، أكبر.