كاتب سوري مقيم في تونس
بيروت لم تعد بيروت. في الساعات الأولى من فجر الأربعاء، اهتز قلب العاصمة اللبنانية على وقع انفجارات هائلة، غارات إسرائيلية حولت أحياء مكتظة إلى ركام، وأخرجت المدينة من رمزيتها القديمة لتضعها في قلب معركة إقليمية لا ترحم. لم تكن هذه الغارات مجرد فصل جديد في حرب طويلة، بل كانت إعلاناً صريحاً أن بيروت نفسها أصبحت رسالة، وأنها تحولت من مدينة للحياة والثقافة والتنوع إلى ساحة لتصفية الحسابات الكبرى بين إسرائيل وإيران، وبين القوى التي تتصارع على النفوذ في المنطقة.
البعد الرمزي لهذه الغارات لا يمكن تجاهله. استهداف وسط بيروت، وليس فقط الضاحية الجنوبية التي اعتادت على الموت، يعني أن لا مكان آمن في لبنان. حي الباشورة، حي البسطة، زقاق البلاط، كلها أسماء أحياء سكنية تحولت فجأة إلى عناوين للدمار. بعض الغارات سبقتها إنذارات بالإخلاء، وبعضها جاء بلا تحذير، لتسقط عشرات الضحايا من المدنيين الذين لا علاقة لهم بأي وجود عسكري. إنها رسالة إسرائيلية واضحة: الحرب لم تعد محصورة في الأطراف، بل وصلت إلى القلب النابض، إلى العاصمة التي كانت طوال عقود بمنأى عن أسوأ ما في الصراع. بيروت، التي كانت واجهة للنهضة والانفتاح، صارت واجهة للموت والخراب، في مشهد يعيد إلى الأذهان حرب 2006 لكن بدرجة أكثر قسوة ووضوحاً.
بيروت التي أنجبت الصحافة الحرة وأطلقت أصوات الشعراء والمفكرين وأعطت للعرب صورة عن أنفسهم كجزء من الثقافة الإنسانية مهددة اليوم بأن تتحول إلى مجرد ذكرى دامية
أما البعد الاستراتيجي، فهو محاولة إسرائيلية لعزل الجنوب عن باقي لبنان. الغارات على العاصمة تتزامن مع تهديدات بتدمير الجسور على نهر الليطاني، ومع نزوح جماعي لمئات الآلاف من سكان الجنوب نحو الشمال. إنها نسخة جديدة من “عقيدة الضاحية” التي تتبناها إسرائيل منذ سنوات: تدمير البنية التحتية والمناطق السكنية لإحداث ضغط هائل على المجتمع اللبناني، ولشل قدرة حزب الله على الحركة والإمداد. لكن الثمن يدفعه المدنيون، الذين يجدون أنفسهم بين نارين: نار الغارات ونار النزوح.
السياق الإقليمي يزيد المشهد خطورة. فالغارات على بيروت تأتي بعد اغتيالات إسرائيلية طالت مسؤولين إيرانيين كباراً، وردود إيرانية بالصواريخ، وتصعيد غير مسبوق في المنطقة. بيروت هنا ليست مجرد مدينة، بل ساحة لتصفية الحسابات بين تل أبيب وطهران عبر حزب الله. اللبنانيون رهائن في معركة لا يد لهم فيها، يدفعون ثمن صراع على النفوذ والوجود بين قوتين إقليميتين، بينما دولتهم المنهكة عاجزة عن حماية مواطنيها أو حتى توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.
المأساة الإنسانية تتحدث وحدها. أكثر من 900 قتيل منذ بداية التصعيد، بينهم أطفال ونساء، وأكثر من 800 ألف نازح يملأون المدارس والشوارع. أحياء كاملة تحولت إلى ركام، عائلات فقدت منازلها، وشهادات الناجين تكشف حجم الرعب: من هرب في الفجر بملابس النوم، ومن فوجئ بالصواريخ تنهال بلا إنذار. إنها حرب تستهدف المدنيين أكثر فأكثر، وتحوّلهم إلى أوراق ضغط في لعبة إقليمية قاسية.
الدولة اللبنانية تبدو عاجزة، منقسمة، مشلولة. الانهيار الاقتصادي والسياسي يجعلها غير قادرة على مواجهة الكارثة. الانقسامات الطائفية تزيد الطين بلة، حيث يرفض بعض الأطراف مشاركة ممثلين شيعة في وفود التفاوض، فيما الحكومة نفسها اتخذت خطوات لنزع الشرعية عن حزب الله، في قرار يعكس تحولاً عميقاً لكنه يزيد الوضع تعقيداً. لبنان، في لحظة الخطر الأكبر، يبدو بلا وحدة داخلية، بلا قدرة على مواجهة حرب تطرق أبواب عاصمته.
المواقف الدولية لا تتجاوز الإدانة الشكلية. فرنسا تتحرك بمبادرات إنسانية، لكن إسرائيل تملي شروطها عبر الأمر الواقع العسكري. الولايات المتحدة منخرطة في الحرب إلى جانب إسرائيل، تضرب أهدافاً إيرانية في الخليج، وتفتح جبهات متعددة، ما يجعل من الصعب تصور تدخل دولي حقيقي لوقف الانزلاق. المجتمع الدولي يكتفي بالمراقبة، بينما بيروت تتحول إلى ساحة اختبار لأحدث الأسلحة وأقسى العقائد العسكرية.
التحذيرات الإسرائيلية صريحة: “الضاحية ستبدو مثل غزة”. وهذا ليس مجرد خطاب، بل برنامج عمل واضح، بدأ تنفيذه بالفعل. الضاحية الجنوبية تُستهدف بشكل متكرر، أحياؤها تُخلى من سكانها، والسيناريو الغزّاوي يُنقل إلى بيروت. الرسالة واضحة: إذا استمر حزب الله في هجماته، فإن العاصمة اللبنانية ستُسوى بالأرض.
بيروت اليوم ليست مجرد ضحية حرب، بل هي ضحية غياب الوعي العربي، وضحية صراع إقليمي ودولي لا يرحم
لكن ما يضاعف خطورة المشهد هو أن بيروت ليست مجرد مدينة لبنانية، بل هي رمز عربي وإقليمي. تدميرها لا يعني فقط ضرب حزب الله، بل يعني ضرب صورة لبنان كبلد كان يوماً ما مركزاً للثقافة والإعلام والاقتصاد في المنطقة. بيروت التي كانت تُسمى “باريس الشرق” تتحول اليوم إلى نسخة أخرى من غزة، إلى مدينة محاصرة بالدمار والركام. هذا التحول يحمل دلالات أبعد من الحرب نفسها: إنه إعلان أن العواصم العربية لم تعد محمية، وأنها يمكن أن تتحول إلى ساحات لتجريب العقائد العسكرية الجديدة.
الأسابيع المقبلة ستكون اختباراً لإرادة الجميع: لإسرائيل التي تراهن على القوة المطلقة، لإيران التي تراهن على صواريخ حزب الله، للقوى الدولية التي تراهن على الوقت، وللبنانيين الذين يراهنون على الصمود وسط الخراب. السؤال ليس فقط هل تتحول بيروت إلى غزة جديدة، بل هل ينجح العالم في منع انهيار كامل للبنان، أم أن البلد سيُترك لمصيره كضحية دائمة في لعبة الأمم.
بيروت ليست مجرد مدينة تُقصف وتتحول إلى ركام. العرب لن يخسروا هنا حيّاً عادياً أو عاصمة سياسية فحسب، بل سيخسرون عاصمة للثقافة والفن، موطناً لخليل جبران وسعيد عقل وفيروز ووديع الصافي. سيخسرون المدينة التي عرّفتهم على العالم عبر أفضل الترجمات ودور النشر، والتي كانت نافذة العرب إلى الفكر العالمي، ومختبراً للحداثة الأدبية والفنية. بيروت التي أنجبت الصحافة الحرة، وأطلقت أصوات الشعراء والمفكرين، وأعطت للعرب صورة عن أنفسهم كجزء من الثقافة الإنسانية، مهددة اليوم بأن تتحول إلى مجرد ذكرى دامية.
إن سقوط بيروت لا يعني فقط سقوط عاصمة سياسية، بل يعني اقتلاع جزء من شخصية العرب، من ذاكرتهم الجمعية، من صورتهم أمام العالم. فهذه المدينة التي كانت تُسمى “باريس الشرق” لم تكن مجرد لقب، بل كانت حقيقة عاشها العرب وتباهوا بها، وكانت مركزاً للتنوير، ومكاناً يلتقي فيه الشرق بالغرب على أرض واحدة. وإذا تحولت بيروت إلى ركام، فإن العرب سيخسرون رمزاً لا يُعوّض، وسيخسرون جزءاً من روحهم، من موسيقاهم، من أدبهم، من هويتهم الثقافية.
بيروت اليوم ليست مجرد ضحية حرب، بل هي ضحية غياب الوعي العربي، وضحية صراع إقليمي ودولي لا يرحم. وإذا لم يدرك العرب أن خسارتها هي خسارة لهم جميعاً، فإنهم سيكتشفون متأخرين أنهم لم يخسروا مدينة عادية، بل خسروا عاصمة للثقافة والفن، مدينة كانت لهم بمثابة مرآة تعكس أجمل ما فيهم، فإذا تحطمت المرآة، تحطمت الصورة. بيروت بين الركام والرسائل تقول للعرب جميعاً: إنكم إذا فقدتموني، فقدتم جزءاً من أنفسكم.
العرب اللندنية