أعلن الجنرال ديفيد بترايوس، المدير السابق لوكالة المخابرات المركزيّة، أنّ الولايات المتّحدة كانت على علم مسبق بالهجوم الإسرائيليّ المخطّط ضدّ إيران، وأنّ الضربات الأميركيّة استهدفت تقويض قدراتها الدفاعيّة قبل تنفيذ الهجوم. وأشار إلى أنّ التركيز اليوم هو على استهداف الدفاعات والبنية العسكريّة، مع الاعتماد الكبير على الاستخبارات لتوجيه الضربات بدقّة، لكن مع إبقاء جميع الخيارات مطروحة، ومع احتمال مشاركة الدول الأوروبيّة في الدفاع الجوّيّ، ودعم استخباريّ من مجموعات محليّة، واستبعاد قوّات بريّة أميركيّة كبيرة.
شدّد على أهميّة الحفاظ على أمن مضيق هرمز، مشيراً إلى أنّ نشر قوّات مثل المارينز قد يكون ضروريّاً لضمان مرور السفن في المضيق. أكّد أنّ قرار إنهاء العمليّات الأميركيّة مرتبط بتحقيق الأهداف العسكريّة ومتابعة المؤشّرات الاقتصاديّة والسياسيّة العالميّة، ويعود في النهاية للرئيس دونالد ترامب.
شغل الجنرال المتقاعد منصب قائداً للقيادة المركزيّة الأميركيّة (سنتكوم)، وشغل مناصب قياديّة خلال حربَي العراق وأفغانستان، وهو أحد أبرز المخطّطين العسكريّين والاستخباريّين في الولايات المتّحدة خلال العقدين الماضيَين.
في مقابلاته الإعلاميّة الأخيرة، كشف بترايوس عن تفاصيل العمليّات العسكريّة الأميركيّة والإسرائيليّة ضدّ إيران، فقال في مقابلة مع تلفزيون “الجزيرة” في 15 آذار 2026 إنّ إسرائيل كانت قلقة من إعادة بناء الإيرانيّين لبرنامج الصواريخ، وأقرّ بأنّ الولايات المتّحدة كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لمهاجمة إيران بسبب هذا القلق.
أضاف أنّ الولايات المتّحدة ضربت إيران بطريقة من شأنها أن تُقوِّض قدرتها على الدفاع عن نفسها في مواجهة ما كان من الواضح أنّه هجوم إسرائيليّ مخطّط له مسبقاً، مشيراً إلى أنّ القيادة الأميركيّة كانت تراقب الوضع عن كثب.
إسرائيل كانت مصرّة على الضّربة
أوضح بترايوس أنّه خلال زيارته لتل أبيب قبل حوالي خمسة أسابيع، وتحدّثه مع مسؤولي البنتاغون، كان واضحاً له أنّ إسرائيل ستنفّذ هجومها بغضّ النظر عن مشاركة الولايات المتّحدة، وأنّه تمّ التحضير لهذه العمليّات على أعلى مستوى من التنسيق والمعلومات الاستخباريّة. أشار إلى إحباط الرئيس ترامب المتزايد من الجمود في المفاوضات النوويّة مع إيران، وقال إنّ المعلومات الدقيقة التي حصلت عليها الولايات المتّحدة ساعدت على توجيه الضربات بكفاءة.
أضاف أنّه كان جزءاً من هذه العمليّات سابقاً خلال قيادته في العراق وأفغانستان، وأثناء عمله في القيادة المركزيّة ووكالة الاستخبارات المركزيّة، موضحاً أنّ اغتنام الفرص في اللحظات المناسبة هو ما حسم قدرة القوّات على شنّ ضربات خلال دقائق معدودة.
أشار بترايوس إلى أنّ القوّات الأميركيّة والإسرائيليّة نجحت في “تقليص قدرة إيران على الهجوم”، وأكّد أنّ العمليّات العسكريّة تركّز على إضعاف القدرات العسكريّة الإيرانيّة، خصوصاً أنظمة الصواريخ والدفاع الجوّيّ، وأنّ الهدف ليس الإطاحة بالنظام الإيرانيّ كليّاً لأنّ ذلك لن يتحقّق عبر الضربات الجوّية وحدها دون دعم ميدانيّ واسع.
ركّز على أنّ الاعتماد على الاستخبارات الأميركيّة وغير الأميركيّة مهمّ للغاية لتحديد مواقع الأهداف بدقّة وتوجيه الضربات بكفاءة، مشدّداً على أنّ القوّة العسكريّة وحدها ليست كافية من دون معلومات استخباريّة دقيقة لضمان نجاح العمليّات وتجنّب الأضرار الجانبيّة غير المقصودة.
أوضح أنّ مشاركة الدول الأوروبيّة في العمليّات ضدّ إيران “هي احتمال وارد”، خصوصاً في الدفاع الجوّي، لكنّه شدّد على أنّ الولايات المتّحدة لن تضع جنوداً تقليديّين على الأرض في إيران، مع إمكانيّة محدودة لمشاركة عناصر استخباريّة أو قوّات خاصّة في مهامّ محددة، بينما يبقى وجود قوّات برّية كبيرة غير مرجّح.
أضاف أنّ العمليّات العسكريّة كانت مؤثّرة للغاية وركّزت على استهداف الدفاعات والبنية العسكريّة الإيرانيّة، وأنّها ليست عمليّات محدودة بل حملة واسعة النطاق، مع ضرورة إبقاء جميع الخيارات مطروحة لإنهاء العمليّات بشكل فعّال. أشار إلى أنّه لا ينبغي استبعاد خيارات مثل دعم مجموعات محليّة أو التعاون الاستخباريّ المحدود، وأنّ الهدف الاستراتيجيّ لإدارة الولايات المتّحدة هو إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات بعد إضعاف قدراتها العسكريّة.
إيران ارتكبت خطأ استراتيجيّاً
اعتبر بترايوس أنّ توسيع إيران لهجماتها على دول عربيّة خطأ استراتيجيّ قد يدفع بعض هذه الدول إلى الانخراط المباشر في الدفاع عن نفسها، وهو ما يخلق مزيداً من التعقيدات الإقليميّة.
أكّد بترايوس أنّ إيران لا تزال تمتلك القدرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي قدرات محدودة نسبيّاً، لكنّها تشكّل تهديداً لحرّية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز. قال إنّ إيران لا تزال قادرة على إلحاق أضرار في المضيق على الرغم من الضربات الأميركيّة التي أضعفت أسطولها البحريّ. دمّرت الولايات المتّحدة أكثر من 50 سفينة إيرانيّة، لكنّ من المرجّح وجود بعض السفن الصغيرة الباقية التي لا تزال قادرة على زرع الألغام في الماء. وهناك أيضاً طائرات مسيّرة قد تُشكّل خطراً.
أوضح: “لن تُغرق هذه الألغام سفينة كبيرة، لكن إذا اشتعلت فيها النيران فقد تواجه مشكلة كبيرة، وحفنة من الألغام في الماء قد تُسبّب مشكلة. تُشكّل الأنواع المختلفة من الألغام التي يُعتقد أنّ إيران تمتلكها تحدّياً، فهناك ألغام عائمة، وأخرى تحت سطح الماء مباشرة، وعادةً ما تكون مثبتة في القاع، وبعد تحديد نوعها يجب إيجاد طريقة لتفكيكها وإبطال مفعولها. هناك تقنيّات متنوّعة، لكنّ هذا تحدٍّ حقيقيّ، ويجب التعامل معه بجدّية بالغة، فضمان مرور السفن والملاحة الدوليّة أولويّة استراتيجيّة رئيسة للاستقرار العالميّ، وأيّ تعطيل لهذه الملاحة سيؤدّي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير”.
في رأي بترايوس، قد يكون ضروريّاً نشر قوّات مثل المارينز لإعادة حرّية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، ويمثّل ضمان بقاء المضيق مفتوحاً أولويّة استراتيجيّة قصوى.
في ما يتعلّق بالمرشد الأعلى الإيرانيّ الجديد، مجتبى خامنئي، قال بترايوس: “هو ليس حتّى آية الله، بل رجل دين متوسّط الرتبة، ومن المتوقّع أن يكون متشدّداً أيديولوجيّاً ودينيّاً مثل والده، وبالتالي سنواجه معه وضعاً صعباً. هل يُظهر ذرّة من البراغماتيّة؟ هل يتوقّف؟ هل يوقف إطلاق النار عندما نتوقّف نحن؟”.
أضاف: “أعتقد أنّ العمليّات العسكريّة كانت مثيرة للإعجاب للغاية. ركّزت على عدد من الأهداف المختلفة: قادة النظام والدفاعات الجويّة والصاروخيّة، وهو ما يسمح باستخدام طائرات غير شبحيّة في المجال الجوّيّ، بما في ذلك قاذفات B-1 وB-52، واستهداف قوّات النظام ومقارّها وبنيتها التحتيّة وقواعدها اللوجستيّة”.
تابع: “مع مرور الوقت، سيتمّ تدمير ما بقي من البنية التحتيّة النوويّة التي تضرّرت أو دُمّرت خلال الحملة الجويّة التي استمرّت 12 يوماً. من الناحية الهجوميّة، سارت الأمور بشكل مثير للإعجاب، لكنّ لدينا الآن متشدّداً جديداً، وإذا لم يكن مستعدّاً للتفاوض فهذه مشكلة. من الواضح أنّنا لن نتمكّن من تغيير النظام، لكنّ السؤال هو: هل يوافق الإيرانيّون، ضمنيّاً أو صراحةً، على ذلك، أم يستمرّون في إطلاق النار، وفي هذه الحالة سنضطرّ إلى العودة ومواصلة قصفهم”.
انتهاء الحرب وفق جدول ترامب
توقّع بترايوس أن ينتهي الصراع وفقاً للجدول الزمنيّ الذي حدّده ترامب، اعتماداً على عدّة عوامل، من بينها أسعار النفط والتوجّهات العالميّة، وما سمّاه “حسابات الصواريخ”، ومدى تحقيق الأهداف العسكريّة وظهور قوى معارضة جادّة قد تستدعي استمرار العمليّات لفترة أطول. خلص إلى القول إنّ التحدّي الآن ليس إدارة العمليّات فقط، بل كيفيّة إنهاء الحرب مع إبقاء جميع الخيارات مطروحة، بما في ذلك خيارات أكثر تصعيداً إذا دعت الحاجة.
اساس ميديا
