حراك دبلوماسي على خط دمشق – طهران … ما علاقته بالتقارب السوري – التركي؟  المصدر: دمشق – النهار العربي

وزيرا خارجية سوريا وإيران في لقاء سابق
شهد خطّ طهران – دمشق حراكاً دبلوماسياً تمثّل في زيارة قام بها معاون وزير الخارجية السوري أيمن سوسان، أمس الأحد، إلى العاصمة الإيرانية، أعقبها تلقّي وزير الخارجية السوري فيصل المقداد اتصالاً هاتفياً من نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان. جاء ذلك بعد ما يقارب عشرة أيام من اجتماع وزراء دفاع سوريا وتركيا وروسيا في موسكو لتكريس نهج التقارب بين دمشق وأنقرة، الأمر الذي أثار تساؤلات عن سبب غياب إيران عن هذا المسار.
وقد ذهب البعض إلى اعتبار ذلك بمثابة مؤشر على تراجع الدور الإيراني في الملف السوري لا سيما أنه تزامن مع تأجيل زيارة كان الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يعتزم القيام بها إلى سوريا.
ويشكّل الدور الإيراني في سوريا والسعي لرصد مدى تأثّره بالتطورات الميدانية والسياسية الجارية محوراً هاماً بات يشغل وسائل الإعلام ومراكز صنع القرار في عدد من الدول. لذلك ما إن انعقد اجتماع موسكو وجمع وزراء الدفاع السوري والتركي والروسي إضافة إلى رؤساء أجهزة الاستخبارات في هذه الدول، حتى طُرحت تساؤلات كثيرة عن سبب عدم مشاركة إيران في هذا الاجتماع، وما هي خلفيات وأسباب هذا الاستبعاد لا سيما أن طهران سبق وتقدمت بعرض للقيام بوساطة بين دمشق وأنقرة لإنهاء المواضيع الخلافية بين الجانبين.
ويبدو أن الحراك الدبلوماسي الأخير يسعى من بين أهداف أخرى إلى نفي وجود أي توتر في العلاقات بين دمشق وطهران وهو الأمر الذي طفا على السطح مع الحديث عن إلغاء الرئيس الإيراني زيارة كان يعتزم القيام بها إلى دمشق قبل أسبوعين. وقد انعكس ذلك في التصريحات التي نقلتها وكالة “سانا” الرسمية عن مجريات الاتصال الهاتفي بين المقداد وعبد اللهيان حيث ذكرت أن “الوزيرين استعرضا تطورات ومستجدات الأوضاع في المنطقة والعالم، وتبادلا الأفكار حول عدد من المواضيع ذات الاهتمام المشترك، وكانت وجهات النظر متطابقة في المواضيع التي جرى التطرق إليها”. وأضافت: “أنهما عبّرا عن ارتياحهما للتطور المستمر في العلاقات الثنائية والتنسيق العالي القائم في كل المجالات”.
وأشاد المقداد بالدور الإيراني المهم في دعم صمود الشعب السوري وفي مساعدة سوريا من خلال دورها الفاعل على مختلف المستويات، وبخاصة في اجتماعات آستانا، التي حققت إنجازات على أرض الواقع.
وجدد وزير الخارجية السوري وقوف سوريا إلى جانب إيران في مواجهة محاولات الضغط عليها والتدخل الخارجي في شؤونها الداخلية، وأدان مواقف الولايات المتحدة والدول الغربية إزاء الملف النووي الإيراني مجدداً ثقة سوريا بحكمة وصلابة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قيادةً وحكومةً وشعباً، في مواجهة هذه المؤامرات.
بدوره جدد عبد اللهيان موقف إيران، الحفاظ على سيادة سوريا واستقلالها ووحدة أراضيها، وأكد استمرار الدعم الذي تتلقاه سوريا من إيران في حربها على الإرهاب، وحرص بلاده على تقديم كل أشكال الدعم الاقتصادي لسوريا في مواجهة العقوبات الاقتصادية القسرية المفروضة عليها من الغرب.
وشدد عبد اللهيان على أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين البلدين في مختلف القضايا والملفات، مشدداً على أهمية الحفاظ على الدفع المستمر بالعلاقات الثنائية وتبادل الآراء بين المعنيين في البلدين حول مختلف التطورات والأحداث على الساحتين الإقليمية والدولية.
الإعلان عن اتصال عبد اللهيان بالمقداد جاء بعد ساعات قليلة من وصول معاون وزير الخارجية والمغتربين أيمن سوسان إلى العاصمة الإيرانية طهران.
وجاء في بيان الخارجية السورية أن سوسان سيجري مباحثات مع عدد من المسؤولين الإيرانيين، تتناول العلاقات الثنائية وآخر التطورات في المنطقة والقضايا ذات الاهتمام المشترك.
بالتزامن وفي تصريح خاص لـ”الوطن” السورية على هامش فعالية إحياء الذكرى السنوية الثالثة لاغتيال قاسم سليماني ورفاقه، أكد السفير الإيراني بدمشق مهدي سبحاني، أن العلاقات الإيرانية – السورية جيدة وإستراتيجية رغم العقوبات المفروضة على البلدين، وأن تلك العلاقات تتحسن وتتطور يوماً بعد يوم.
وظهرت في الفترة الماضية مؤشرات هامة على وجود انقسام في إيران حول اجتماع موسكو حيث آثر الجناح المتشدد الذي يترأسه الرئيس الإيراني عدم الاستعجال في الحكم على المسار الذي ترعاه موسكو للتقريب بين دمشق وأنقرة، وفضّل التريث ريثما تتضح نتائج الاجتماع بين وزراء الدفاع وما قد يعقبها من إجراءات أخرى. أما الجناح الإصلاحي، فقد سارع إلى انتقاد اجتماع موسكو ورأى فيه خطراً على مكاسب إيران في سوريا ما قد يترك تأثيرات سلبية على دور ونفوذ إيران المستقبليين هناك.
ويبدو أن المهمة الموكلة إلى أيمن سوسان الذي يزور طهران هي اطلاع الجانب الإيراني على تفاصيل اجتماع موسكو من حيث الأجواء والمخرجات وطريقة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين الأطراف الثلاثة. وبحسب مصدر سوري تحدث إلى “النهار العربي”، فإن سوسان سوف يضع المسؤولين الإيرانيين في صورة الاجتماع المرتقب بين وزيري خارجية سوريا وتركيا والاستماع إلى وجهة النظر الإيرانية في مجمل هذه المواضيع لا سيما أن دمشق واعية لضرورة عدم جعل إيران تشعر بأنها مستبعَدة أو أن الاجتماعات التي تجري في غيابها يمكن أن تتضمن ما يهدد علاقتها بسوريا.
وقال الناطق الرسمي باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني في تصريحات صحافية سابقة، إن “إيران تعتقد دائماً أن الحل في سوريا سياسي، وأن روسيا وسوريا وتركيا على علم بدور إيران الحاسم في مكافحة الإرهاب في سوريا، ودعمها لشعب وحكومة هذا البلد”. وأضاف أن “هذه الدول تدرك أهمية هذا الدور في استكمال العملية السياسية السورية” من دون أن يتطرق إلى موقف إيران من اجتماع موسكو الثلاثي.
ويرى مراقبون للمشهد السوري أن مسار التقارب بين دمشق وتركيا من شأنه أن يحقق المصالح الاستراتيجية للسياسة الإيرانية القائمة على مواجهة التواجد الأميركي في سوريا والضغط على القوات الأميركية المتواجدة في شرق الفرات من أجل إخراجها، لأن ذلك من شأنه أن يزيل أهم عقبة أمام مشروعها الرامي إلى إنشاء طريق بري يصل بين طهران ولبنان عبر العراق وسوريا، كما أن خروج القوات الأميركية سيخفف من أعباء وتكاليف الدور الإيراني في سوريا، فضلاً عما يحققه الضغط على القوات الأميركية من مادة دسمة للاستهلاك الإعلامي بخصوص دور إيران المقاوم.
ولا يعني ذلك أن إيران تشعر بالارتياح لأن موسكو نجحت في سحب البساط من تحت اقدامها واحتكرت جهود الوساطة بين دمشق وأنقرة مستبعدة عرض الوساطة التي تقدم بها وزير خارجية إيران حسين أمير عبد اللهيان الصيف الماضي، لكن هذا في حسابات السياسة الإيرانية لا يتعدى كونه من المكاسب الإعلامية التي يمكن الاستغناء عنها مقابل الحصول على مكاسب سياسية وعسكرية في مواجهة السياسة الأميركية.
وثمة اعتقاد مفاده أن موسكو وإيران متفقتان على أن استقطاب تركيا بعيداً من حلف “الناتو” وسياساته المناوئة لهما يعتبر مكسباً استراتيجياً تهون لأجله أي مظاهر تنافسية بين الجانبين. وعليه فإن خطوة التقارب بين دمشق وأنقرة يمكن أن تشكل المسمار الأخير في نعش السياسة الأميركية في سوريا التي ستجد نفسها أمام مأزق وجودي نتيجة اجتماع اللاعبين الإقليميين ضدها.