
علي خامنئي (يسار) كان الحكم النهائي بين مؤسسات الدولة فيما يفتقر مجتبى إلى الرصيد السياسي والرمزي نفسه (ويكيميديا)
ملخص
لا يمكن اختزال السلطة في إيران اليوم في مركز واحد أو جهة بعينها، بل هي منظومة متعددة المستويات تتداخل فيها مواقع المرشد ومكتبه مع “الحرس الثوري”، ومجلس الأمن القومي، والحكومة، والبرلمان، والسلطة القضائية. وهي بنية استثنائية تتشكل تحت ضغط اعتبارات الحرب والأمن، حيث تتوزع مراكز القوة بين مؤسسات متداخلة ومتنافسة، من دون وجود مركز حاسم ونهائي للقرار.
في إيران اليوم لم تعد السلطة تمتلك وجهاً واحداً واضحاً، إذ لم يعد بالإمكان حصرها في مكتب المرشد الأعلى، ولا في الحكومة، ولا حتى في مقر قيادة “الحرس الثوري” وحده. فبعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد النظام الإيراني، ومقتل علي خامنئي وعدد من كبار قادة “الحرس الثوري” والمسؤولين الأمنيين، إلى جانب إصابة مجتبى خامنئي، دخل النظام مرحلة جديدة من إعادة تشكل السلطة، تتسم بتعدد الطبقات وشدة الاضطراب، إذ باتت كل مؤسسة تمتلك جزءاً من النفوذ، من دون أن تنفرد أي جهة بتجسيد السلطة كاملة.
وفي تقرير لإذاعة “فردا” (الغد) الأميركية التي تبث بالفارسية من براغ، جاء أن جانباً من صعوبة فهم آلية الحكم في إيران يعود إلى البنية المعقدة والمتشعبة لصنع القرار، وهي مسألة أشار إليها أيضاً مسؤولون أميركيون. ففي الخامس من مايو (أيار) الحاري، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن النظام الإيراني يواجه “خللاً داخل بنية القيادة”، موضحاً أن “أي مقترح يحتاج إلى خمسة أو ستة أيام للحصول على رد، لأن عليهم تمريره عبر كامل هيكل النظام، والعثور على المرشد والحصول على موافقته”، وأضاف أن بنية الحكم الإيرانية “كانت دائماً متعددة الطبقات، إلا أن هذا التعقيد ازداد بعد الأضرار التي تعرض لها النظام خلال الحرب”.
وكان روبيو تحدث سابقاً عن الانقسامات داخل بنية السلطة الإيرانية، قائلاً إن النظام “يعاني انقساماً داخلياً عميقاً كان موجوداً دائماً، لكنه أصبح أكثر وضوحاً اليوم”، وأضاف أن داخل النظام تيارات متشددة تدرك ضرورة إدارة الدولة والاقتصاد، مقابل تيارات أخرى تتحرك بدوافع عقائدية بحتة. وتعكس هذه التصريحات واقعاً قائماً داخل منظومة الحكم الإيرانية، إذ لا تتخذ القرارات في إيران داخل غرفة واحدة أو من قبل شخص واحد، بل تتوزع بين مكتب المرشد، و”الحرس الثوري”، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والأجهزة الأمنية، والحكومة، إضافة إلى شبكات النفوذ المرتبطة بمجتبى خامنئي.
وتابع التقرير أن القول إن كل شيء بيد “الحرس الثوري”، أو إن مجتبى خامنئي هو الحاكم الفعلي، أو حتى إن محمد باقر قاليباف أصبح الرجل الأول في السلطة، يبقى تبسيطاً مضللاً للمشهد. فالسلطة الرسمية لا تزال تتمركز شكلياً تحت عنوان قيادة مجتبى خامنئي، إلا أن السلطة الفعلية، خصوصاً في ظروف الحرب والطوارئ، انتقلت إلى نواة أمنية – عسكرية يشكل “الحرس الثوري” عمودها الصلب.
وعلى رغم ذلك، لم ينشر منذ توليه القيادة أي تسجيل مصور أو صوتي لمجتبى خامنئي، في حين تتحدث المعطيات عن تعرضه لإصابة وابتعاده عن الظهور العلني، الأمر الذي عمق الغموض في شأن مركز القرار الحقيقي في النظام الإيراني. وفي الوقت نفسه، تتحدث مصادر داخلية عن أن مجتبى خامنئي لا يزال حاضراً داخل شبكة السلطة، على رغم غيابه عن المشهد العلني، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي.
مجتبى خامنئي… المرشد الغائب عن صورة السلطة
تكمن أولى الإشكاليات في فهم السلطة داخل النظام الإيراني اليوم في الوضع الغامض لمجتبى خامنئي نفسه. فغلى رغم توليه الموقع الأعلى في النظام، واجه منذ البداية نقطتين أساسيتين: شبهات توريث القيادة، وغيابه شبه الكامل عن المشهد العام. وقد أثار هذا المسار انتقادات واسعة باعتباره تحولاً من نظام يرفض الوراثة السياسية إلى صيغة يُنقل فيها موقع القيادة داخل العائلة نفسها، في ظل غياب حضور سياسي وجماهيري واضح لشخصية المرشد الجديد. وتشير بعض التقارير إلى أنه كان يمارس دوراً مؤثراً في إدارة الملفات الحساسة داخل الدولة، بما في ذلك الإشراف غير المباشر على الأجهزة العسكرية والأمنية، وعقد اجتماعات تنسيقية قبل رفع التوصيات إلى القيادة العليا. وأفادت تقارير بتعرضه لإصابة خلال الهجمات التي استهدفت مواقع قيادية، ما زاد من غموض وضعه الصحي والسياسي. في المقابل، تتحدث مصادر رسمية عن أن إصابته طفيفة، وأنه يواصل إدارة شؤون الدولة، في محاولة لنفي أي فراغ قيادي محتمل.
ويطرح هذا الوضع إشكاليات دستورية تتعلق بالمادة 111 من الدستور الإيراني، التي تنص على آلية انتقال الصلاحيات في حال عجز المرشد، وهو ما يفتح تساؤلات حول طبيعة إدارة المرحلة الحالية.
حسين طائب… سلطة الظل والحلقة الأمنية المحيطة بخامنئي
إلى جانب المؤسسات الرسمية، تبرز طبقة أمنية – سياسية غير معلنة، تتمثل في شبكة من الشخصيات المرتبطة بمجتبى خامنئي، من بينها حسين طائب، إذ تشير المعطيات المتعددة إلى أن طائب، على رغم إبعاده عن منصبه السابق في استخبارات “الحرس الثوري”، لا يزال يتمتع بنفوذ داخل دوائر القرار الأمني، وخصوصاً في الملفات الحساسة المرتبطة بالداخل الإيراني. وتفيد التقارير بوجود اجتماعات ضمت شخصيات أمنية بارزة ناقشت ملفات سياسية وانتخابية وإدارية، مما يعكس دور هذه الشبكة في التأثير غير المباشر على بنية القرار. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن هذه الحلقة الأمنية أصبحت أكثر حضوراً بعد الحرب، في ظل إعادة توزيع مراكز القوة داخل الدولة.
أحمد وحيدي و”الحرس الثوري”… السلطة في زمن الطوارئ
يعد “الحرس الثوري” الإيراني، بقيادة أحمد وحيدي، العمود الفقري للسلطة في المرحلة الحالية، بخاصة بعد التحول الأمني الذي فرضته الحرب الأخيرة. ففي أوقات الأزمات، عادةً ما تنتقل مراكز القرار تدريجاً من المؤسسات المدنية إلى البنى العسكرية والأمنية، مما يعزز دور “الحرس الثوري” في إدارة الدولة، لكن هذا النفوذ، على رغم اتساعه، يظل جزءاً من بنية معقدة تشمل مؤسسات أعلى مثل المجلس الأعلى للأمن القومي وقيادة الدولة. ويؤكد هذا التداخل أن القرار العسكري في إيران لا يتخذ بشكل فردي، بل عبر منظومة متعددة المستويات. وفي الوقت نفسه، يواجه “الحرس” تحديات داخلية تتعلق بإعادة توزيع النفوذ بعد الخسائر التي تكبدها خلال الحرب.
علي عبداللهي وقيادة الحرب… مقر “خاتم الأنبياء” المركزي
تؤدي قيادة “خاتم الأنبياء” المركزية دوراً محورياً في إدارة العمليات العسكرية، باعتبارها الجهة المسؤولة عن التنسيق الميداني في أوقات الحرب. ويقود هذه القيادة علي عبداللهي، الذي برز اسمه خلال الحرب الأخيرة عبر مواقف وتصريحات مرتبطة بإدارة العمليات العسكرية. وتعمل هذه القيادة ضمن منظومة أوسع تشمل المجلس الأعلى للأمن القومي والمؤسسة العسكرية، مما يجعلها مركزاً أساسياً في إدارة الحرب. ويؤكد هذا الواقع أن السلطة العسكرية في إيران ليست محصورة في “الحرس الثوري” فقط، بل موزعة بين هياكل قيادية عدة متداخلة، منها الجيش الإيراني.
“الحرس الثوري” المتشظي… المؤسسة ليست كتلة واحدة
لا يزال “الحرس الثوري” أحد أهم مراكز القوة العسكرية والأمنية في النظام الإيراني. فملفات الأمن الداخلي، وقمع الاحتجاجات، والقدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، والنفوذ الإقليمي عبر ما يعرف بمحور “المقاومة”، إضافة إلى الشبكات المالية والمؤسسات الاقتصادية والهيئات الضخمة والبنية الاستخبارية، كلها ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بـ”الحرس الثوري”، لكن، وعلى رغم هذا النفوذ الواسع، يبرز سؤال جوهري: هل لا يزال بالإمكان النظر إلى “الحرس الثوري” باعتباره كتلة واحدة متماسكة وخالية من الانقسامات؟
فعلى مدى السنوات الماضية، تشكلت داخل “الحرس” شبكات متعددة ومتداخلة، بعضها عسكري وأمني، وبعضها اقتصادي، وأخرى مرتبطة بمكتب المرشد، في مقابل شبكات ترتبط بالحكومة أو البرلمان أو بشخصيات نافذة مثل محمد باقر قاليباف.
في هذا السياق، قالت المفتشة السابقة الخاصة في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية خلال رئاسة محمد سرافراز، شهرزاد ميرقلي خان، إن “الحرس الثوري” تحول إلى جزر منفصلة، في حديثها مع برنامج “الفقرة الأولى” في راديو “فردا”، وهو وصف يكتسب قدراً من الدقة.
ويكتسب هذا الوصف أهمية خاصة، لأنه يقدم “الحرس الثوري” لا بوصفه مؤسسة موحدة بالكامل، بل باعتباره مجموعة من مراكز نفوذ ومصالح وتنافس وصراع على البقاء. ومن أبرز القضايا التي تكشف طبيعة هذه الشبكات ملف الفساد المالي المرتبط بشركة “ياس القابضة”، والذي أثار جدلاً واسعاً داخل إيران.
ففي تسجيل صوتي كشف عام 2021، ظهر القائد السابق لـ”الحرس الثوري” محمد علي جعفري إلى جانب صادق ذو القدرنيا، وهما يناقشان ملفات فساد داخل “ياس القابضة”، إضافة إلى ملفات مرتبطة بـ”فيلق القدس” ومؤسسة التعاون التابعة لـ”الحرس الثوري”، فضلاً عن أدوار شخصيات نافذة مثل قاليباف، وقاسم سليماني، وحسين طائب، في العقود والعلاقات المالية.
وتكشف هذه الملفات عن أن “الحرس الثوري” لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية، بل تحول إلى شبكة معقدة تجمع المال والنفوذ والسياسة والأمن والعلاقة مع مكتب المرشد، إضافة إلى أن الصراعات المرتبطة بهذه القضايا لا تقتصر على الفساد المالي، بل تمتد إلى السيطرة على الرواية السياسية، وحماية المصالح، وإقصاء المنافسين، وتوزيع الحصص الاقتصادية داخل بنية السلطة. ومن هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى قاليباف بوصفه مجرد رئيس للبرلمان، بل كأحد أبرز الفاعلين القادرين على البقاء داخل هذه الشبكات المعقدة.
مكتب المرشد… مركز الشرعية لا مركز القيادة المطلقة
لا يزال مكتب المرشد في النظام الإيراني يحتفظ بأهمية حيوية داخل بنية النظام، على رغم الأضرار التي لحقت به خلال الهجوم الأميركي – الإسرائيلي على إيران. فالشرعية السياسية، والتعيينات العليا، والتوجهات الاستراتيجية، وصياغة القرارات الأمنية والسياسية، لا تزال مرتبطة بمكتب المرشد، غير أن الفارق الجوهري بين مرحلة علي خامنئي والوضع الحالي لنجله مجتبى خامنئي يتمثل في طبيعة النفوذ.
فعلي خامنئي كان الحكم النهائي بين مؤسسات الدولة، وقد بنى شبكة ولاءات واسعة. أما مجتبى، فعلى رغم موقعه، يفتقر إلى الرصيد السياسي والرمزي نفسه، وإلى الخبرة والحضور العلني. ومع ذلك، يبقى مكتب المرشد مركز الشرعية، وإن لم يعد مركز القيادة المطلقة، إذ تحتاج القرارات إلى مروره قبل أن تصبح سياسة رسمية.
ويبدو أن مجتبى خامنئي مضطر إلى إدارة توازنات معقدة بين “الحرس الثوري”، والشبكات الأمنية، وشخصيات سياسية وعسكرية متعددة، بما يجعل دوره أقرب إلى إدارة التوازنات منه إلى الحكم المباشر.
حكومة مسعود بزشكيان… أداة رسمية داخل لعبة السلطة
تبدو حكومة الرئيس مسعود بزشكيان أقرب إلى جهاز إداري لإدارة شؤون الدولة اليومية، أكثر من كونها مركزاً لصناعة القرار الاستراتيجي، فهي تدير الاقتصاد والخدمات والدبلوماسية، لكنها لا تملك القرار في ملفات الحرب والأمن والسياسة الإقليمية والنووي.
ولا ينظر إلى الرئيس بزشكيان كفاعل رئيس داخل مراكز القوة، بل كمنفذ للسياسات العامة من دون صدام مع المرشد أو الدوائر الأمنية. ومع ذلك، تبقى الحكومة قادرة على التأثير غير المباشر عبر الموازنة والبيروقراطية، مما قد يجعلها عاملاً مرجحاً في صراعات النفوذ.
محمد باقر قاليباف… نقطة الدخول إلى لعبة السلطة الكبرى
وصل محمد باقر قاليباف إلى موقعه الحالي عبر مسار طويل داخل “الحرس الثوري” والشرطة ورئاسة بلدية العاصمة طهران والبرلمان. ويمثل قاليباف شخصية هجينة تجمع بين الخبرة العسكرية والإدارية والسياسية، إضافة إلى علاقاته بشبكات اقتصادية ومكتب المرشد. وبذلك ينظر إليه كجسر بين “الحرس الثوري” والمؤسسات الرسمية، لكنه لا يمتلك سلطة مطلقة، بل يتحرك ضمن حدود توازنات معقدة داخل النظام.
مجلس الأمن القومي الأعلى والسلطة القضائية و”الحرس”
يمثل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني مركز صياغة القرارات الأمنية الكبرى، أما السلطة القضائية بقيادة غلام حسين محسني إيجئي، فتعمل كذراع تنفيذية للعقاب وتثبيت النظام، خصوصاً في أوقات الأزمات. في المقابل، يبقى “الحرس الثوري” بنية القوة الصلبة، لكنه يعمل ضمن شبكة مؤسسات متداخلة وليس بشكل مستقل.
وعليه، خلص التقرير بالقول إنه لا يمكن اختزال السلطة في النظام الإيراني في مركز واحد أو جهة بعينها، بل هي منظومة متعددة المستويات تتداخل فيها مواقع المرشد ومكتبه مع “الحرس الثوري”، ومجلس الأمن القومي، والحكومة، والبرلمان، والسلطة القضائية، وهي طبيعة النظام في إيران. وهي بنية استثنائية تتشكل تحت ضغط اعتبارات الحرب والأمن، حيث تتوزع مراكز القوة بين مؤسسات متداخلة ومتنافسة، من دون وجود مركز حاسم ونهائي للقرار.
وتكشف هذه التركيبة عن أن النظام لا يعمل وفق هرم تقليدي واضح، بل عبر شبكة معقدة من الدوائر الدينية والأمنية والعسكرية والسياسية. وفي ظل مكتب قيادة مثقل بالضغوط، و”حرس ثوري” متشعب البنى، ومجلس أمن قومي يغلب عليه الطابع الأمني، ودوائر أمنية خفية، وسلطة قضائية شديدة الصرامة، وحكومة محدودة الهامش، تتحرك شخصيات سياسية مثل قاليباف بين هذه المستويات مستفيدة من فراغات القوة داخل النظام.
وبين تراجع مركزية الواجهة التقليدية للقيادة وصعود شبكات النفوذ غير المعلنة، تبدو السلطة في إيران أقرب إلى منظومة ديناميكية تبحث عن توازن جديد، أكثر من كونها بنية هرمية مستقرة وواضحة المركز.