أدّى انطلاق موجة اعتقالات لشخصيات رفيعة المستوى، وجولة مقاضاة محلّية في سورية، إلى احتفالات عارمة ومفهومة في جميع أنحاء البلاد، إذ تضرّر كلّ شخص تقريباً من جرائم نظام الأسد، لكن هناك مخاوف حقيقية من أن الإطار القانوني الحالي لسورية ليس مصمّماً لتحقيق عدالة حقيقية. مع ذلك، يطرح تقرير جديد مسارات للعدالة الجنائية “ترتكز على مبادئ حقوق الإنسان، وتستجيب لاحتياجات ورغبات الشعب السوري”، فقد أعلن في 25 من الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، وزير العدل السوري، مظهر الويس، أنّ “اللحظة التي طال انتظارها من الضحايا: انطلاق المحاكمات العلنية… لأزلام النظام البائد” قد أتت. وفي اليوم نفسه، مثل عاطف نجيب (الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، وابن خالة الرئيس السابق بشّار الأسد) أمام المحكمة، وبدأت معه، في ما يبدو، الخطوة الأولى في سلسلة من المحاكمات البارزة. وممَّن وردت أسماؤهم في المحكمة، وسيُحاكمون غيابياً، بشّار الأسد وشقيقه ماهر.
انتظر السوريون منذ سقوط نظام الأسد (8 ديسمبر/ كانون الأول 2024) أي إشارة تُظهِر أنّ المسؤولين عن الانتهاكات السابقة سيُحاسبون، لذلك قوبلت الأخبار التي تفيد بانطلاق المحاكمات أخيراً باحتفالات حاشدة، لكنّ عنصر المفاجأة، وغموض المسار الشامل للمساءلة أثارا تساؤلات فورية، فهناك شكوك أساسية ما زالت قائمة: مَن سيُقاضى، وبأي تهم، ووفق أي إطار قانوني؟ هل سيواجه الجناة تهماً بارتكاب جرائم دولية، مثل جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية أو الجرائم ضدّ الإنسانية، علماً أنّ هذه الجرائم غير منصوص عليها حالياً في القانون السوري المحلّي؟ وإذا استمرّت المحاكمات في ظلّ نظام قضائي لم يخضع لإصلاح تامّ بعد، فهل يمكن أن تُستوفى المعايير الأساسية للعدالة؟
سبق أن أُثيرت مخاوف بشأن بثّ مقطع فيديو يُظهر اعتراف أمجد يوسف، في ما يبدو أنّه انتهاك للإجراءات القانونية الواجبة، ويهدّد بتقويض مصداقيتها. فمكان الاعترافات في المحكمة، ولن تتحقّق العدالة (والحقّ في معرفة الحقيقة) التي يستحقّها الضحايا إلا من خلال إجراءات المحاكمة العادلة التي تُتَّبع بدقّة وتخضع لمراقبة مستقلّة، بالإضافة إلى هذا، ثمّة مخاوف حقيقية من أنّ تدابير المساءلة لن تُطبَّق إلا على النظام السابق. وفي 23 من الشهر الماضي، استقبل الرئيس السوري الانتقالي رسمياً عصام البويضاني، وهو القائد السابق لتنظيم جيش الإسلام المتمرّد في الغوطة الشرقية، بعد تسهيل الإفراج عنه من الاحتجاز في الإمارات. ومن الانتهاكات الخطيرة الأخرى، ثمّة اعتقاد سائد بأنّ جيش الإسلام مسؤول عن اختطاف وإخفاء أربعة نشطاء بارزين في مجال حقوق الإنسان (سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي) في عام 2013 في مدينة دوما بالغوطة الشرقية. ولا يزال مصيرهم مجهولاً.
واجهت الدول التي مرّت بمرحلة انتقالية صعبة بعد فترات طويلة من القمع تحدّيات مماثلة: التعامل مع الماضي، وضمان تحقيق العدالة للضحايا، واستعادة الثقة بين المواطنين أنفسهم وبين المواطنين والدولة، وضمان عدم تكرار الجرائم والفظائع الماضية. وعلى الرغم من أنّ كلّ تجربة فريدة من نوعها، فإن هناك إجماعاً واسعاً على أنّ اتباع نهج وطني منسّق يضمّ مجموعة من الأدوات والعمليات المُعترَف بها، حيثما أمكن، هو الأكثر فعّالية. غالباً ما يُطلق على ذلك “العدالة الانتقالية”، على الرغم من أنّ الأسلوب والتسلسل يختلفان من بلد إلى آخر. وقد تشمل هذه الأدوات المحاكم، ولجان تقصّي الحقائق، والإصلاحات القانونية والمؤسسية، بما فيها عمليات التدقيق، وإصلاح قطاع الأمن، وبرامج جبر الضرر، ودعم الأُسر، بما في ذلك الصحة العقلية والخدمات النفسية الاجتماعية، ومبادرات تخليد ذكرى الموتى.
ما فائدة هذه العمليات؟ من ناحية، تُعتبر مجدية لأنّها تُظهر للسوريين أنّ تغييراً هادفاً قد حدث، وأنّ الإفلات من العقاب لم يعُد مقبولاً. من ناحية أخرى، وهي الأكثر أهمّية، تُظهر أنّ العدالة لا تتعلّق فقط بمعاقبة الجناة، إنما أيضاً بقلب المؤسسات والمعايير، والحرص على تركيز القوانين وهيئات الدولة على الحماية بدلاً من القمع، كما تركّز هذه العمليات على الضحايا والناجين بتعزيز حقوقهم، عبر جبر الضرر، والاعتراف بما قاسوه، والدعم المستمرّ لهم.
المحاكمات جزء من هذا النهج الشامل، وبالتالي ينبغي أن تكون جزءاً أساسياً من استراتيجية وطنية أوسع نطاقاً. والخبر السارّ في سورية إنشاء هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، وبمجرّد تصديق البرلمان عليها، يمكن أن تأخذ زمام المبادرة في الإشراف على هذه العملية. كما صاغت السلطات المؤقّتة قانوناً للعدالة الانتقالية تجري حالياً مناقشته.
تحظى سورية أيضاً بدعم دولي كبير في هذا المجال، فثمّة ثلاث آليات دولية (لجنة التحقيق الدولية المستقلّة بشأن الجمهورية العربية السورية، والآلية الدولية المحايدة والمستقلّة، والمؤسّسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية) مكلفة تحديداً بمساعدتها، إلى جانب مكتب المبعوث الخاص الذي عيّنه الأمين العام للأمم المتحدة.
لعلّ الأكثر أهمّية أنّ سورية محظوظة بوجود مجتمع مدني متمكّن وحيوي، سواء داخل البلاد أو في الشتات. يستعدّ السوريون لهذه اللحظة منذ وقت، وهم جاهزون لتأدية دور أساسي في صياغة عمليات المساءلة المحلّية هذه. على سبيل المثال، تحسّباً لتحدّيات المساءلة المقبلة، اجتمعت 27 منظّمة سورية في ثمانية أشهر، لتقييم الخيارات، وتحديد المخاطر، والتحدّث مع الخبراء والأُسر والسلطات المعنية.
يجيب تقرير “مسارات نحو المساءلة الجنائية في سورية”، الذي صدر قبل أيّام عن تحالف المنظّمات هذا، عن العديد من الأسئلة المتوقّعة والمذكورة أعلاه، ويطرح خياراتٍ وحلولاً عملية، كما أنّه يضع العدالة الجنائية ضمن إطار أوسع للعدالة الانتقالية، مع الاستفادة من التجارب المقارَنة، وتسليط الضوء على أشكال الدعم التي يمكن أن يقدّمها المجتمع الدولي.
على سبيل المثال، فيما يتعلّق بمسألة الآليات القضائية، يبحث التقرير خيارات تتراوح من المحاكم المحلّية (بما في ذلك القَبَلية) والوطنية إلى المحاكم المختلطة “المدوَّلة”، أو حتى المحاكم الدولية بالكامل. ويوصي بأن تدمج سورية عناصر مفيدة من نماذج مساءلة متعدّدة، وتقيّم مدى ملاءمتها للسياق السوري والالتزامات الدولية. كما يتناول التقرير الولاية القضائية، ويعترف بالحاجة الملّحة إلى إصلاح شامل للقانون الجنائي في سورية، مع تحديد الخيارات القائمة على المفاهيم الراسخة للجرائم الدولية (مثل الإبادة الجماعية والجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب) حتى مع بقاء الخيارات الرئيسة مطروحة.
ينظر التقرير كذلك في ما إذا كانت جهود المساءلة ينبغي أن تركّز فقط على الجرائم المُرتكَبة في أثناء النزاع أو تمتدّ إلى العقود الخمسة الماضية، في ظلّ نظام الأسد الذي دام فترة طويلة، وما إذا كانت هذه الجهود ينبغي أن تشمل الجرائم المرتكبة بعد ديسمبر/ كانون الأول 2024. كما يحلّل ما إذا كان ينبغي تطبيق المساءلة على جميع أطراف النزاع أو اقتصارها على الجهات الفاعلة السورية، وكيف ينبغي تقسيم المسؤولية على مختلف المستويات. تتمحور الخيارات المقترحة جميعها حول أهمية استشارة الضحايا وعائلاتهم، ليس فقط بوصفهم مستفيدين من إجراءات العدالة، ولكن بوصفهم مصادر أساسية للشرعية والمصداقية أيضاً.
وردّاً على الأسئلة المطروحة أعلاه، المطلوب الآن انفتاح السلطات السورية المؤقّتة على التعاون مع منظّمات المجتمع المدني السوري التي طوّرت مسارات واضحة ومدروسة نحو العدالة، إلى جانب الاستعداد لطلب الدعم من هيئات الخبراء الدوليين. على منظّمات المجتمع المدني السوري ومجموعات الأُسَر إنشاء منتدى جديد يمكنه التوصّل إلى اتفاق مع هيئة العدالة الانتقالية والسلطات لإجراء مشاورات منتظمة ورفع تقارير تقدّم مرحلية (بغضّ النظر عن المشاورات والتقارير العامة المنتظمة). كما ينبغي للسلطات المؤقّتة وللّجان الوطنية أن تتحرّك في الوقت المناسب لتعميق علاقتها مع هيئات الخبراء الدوليين، من خلال جعل وجودها على الأرض رسمياً، أو عبر مذكّرات تفاهم.
سيكون هذا التعاون ضرورياً لضمان أن تكون جهود المساءلة ذات مصداقية، وأن تكون شاملة وقادرة في نهاية المطاف على دعم عملية انتقالية يملكها السوريون فعلياً، وبقيادتهم.