الحوار السعودي – الإيراني: مسيّرات الحوثي و”أوامر” رئيسي!  المصدر: النهار العربي محمد قواص

img
راي 0 editor Hossein

في يوم الإعلان عن انتخاب إبراهيم رئيسي رئيساً للجمهورية في إيران تصدت الدفاعات السعودية لـ 17 مسيّرة أطلقتها ميليشيات الحوثي من اليمن. في ذلك اليوم بالذات هاجمت أراضي المملكة أسلحةٌ تتم صناعتها في أو من خلال إيران، بما يُدرج الحدث في خانة الرسائل الإيرانية الى السعودية. ليس في الأمر صدفة، بل إشارة واضحة إلى قواعد اللعبة التي تستمر طهران في وضعها، بالأخص في عهد رئيسها الجديد، داخل أي آفاق لعلاقة جديدة بين طهران والرياض.
تأتي الرسائل النارية الإيرانية القادمة من اليمن بعد أسابيع من الكشف عن حوار يجري بين طهران والرياض برعاية عراقية بغية “فتح صفحة جديدة” بين البلدين. وتصل تلك الرسائل محمولة على تصريحات لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف “يبشّر” فيها باستعداد بلاده لإرسال سفير إلى الرياض واستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. يقول الرجل خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي التركي: “أنا مستعد لإرسال سفير إلى السعودية غداً، ولكن هذا يتوقف عليهم. لا يوجد سبب لعدم قدرتنا على حل خلافاتنا مع السعوديين”.
تُطلق طهران نيرانها اليمنية ضد السعودية بعد أسابيع على موقف إيجابي لافت صدر عن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في أواخر نيسان (أبريل) الماضي قال فيه: “لا نريد أن يكون وضع إيران صعباً، بالعكس، نريد لإيران أن تنمو وأن تكون لدينا مصالح فيها ولديها مصالح في المملكة العربية السعودية لدفع المنطقة والعالم للنمو والازدهار”.
والحال أن إيران، وبلسان رئيسها الجديد إبراهيم رئيسي هذه المرة، تريد نسج علاقات مع السعودية على ما سبق للثنائي روحاني ظريف تكرار الدعوة إليه مراراً. حتى أن روحاني كان هاجم، قبل أسبوع من الانتخابات الرئاسية، أنصار التيار الأصولي المتشدد في البلاد، واصفاً إياهم بـ “الحمقى والأغبياء الذين منعوا تحسين علاقتنا مع بعض الجيران”، مضيفاً أن “لا سامح الله من لم يسمح بتحسين علاقاتنا مع بعض الجيران، وفعلوا أشياء طفولية وغبية وهاجموا المراكز الدبلوماسية”.
لم يكن طفولياً انفعالياً أمر مهاجمة سفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مدينة مشهد وإحراقها في مطلع كانون الثاني (يناير) عام 2016، على خلفية إعدام الرياض رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر. الأمر كان مدبراً صدرت له أوامر من جهات عليا جداً في الدولة على نحو لا يمكن معه أن يُبرأ رئيس البلاد ووزير خارجيتها ووليها الفقيه من الأمر.
على أن لـ “تطبيع” العلاقات بين السعودية وإيران أصولاً وقواعد وقوانين لا يمكن أن تكون مسيّرات اليمن جزءاً من مفرداتها. كما لا يمكن لسيوف النار اليمنية المهدِّدة لمدن السعودية ومنشآتها النفطية أن تكون مادة ابتزاز تملي وتحدد شروط هذا “التطبيع” وأعرافه. وفيما تعتبر الرياض، وفق وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، أن المحادثات مع إيران “ما زالت في مرحلة استكشافية”، يبالغ ضيوف الفضائيات الإيرانيون في التحدث عن تقدم وإيجابية على نحو مغرض يفضحه هجوم المسيّرات الحوثية في يوم “فرحة” الرئيس المنتخب الجديد في إيران.
وعلى الرغم من ندرة المعلومات حول جلسات الحوار الجارية بين السعودية وإيران، إلا أن ذلك التكتم لا يوحي بأنه مرادف لتفاؤل وإيجابية. لا بل أن في مؤشرات ما يرد إلى السعودية من اليمن كما في علامات سعودية أخرى، ما يكشف أن ما هو “استكشافي” يبوح بتعقّد وصعوبة الانتقال إلى ما توحي به ابتسامات ظريف المعهودة.
ولئن أرسلت السعودية، من أعلى المستويات وبلسان ولي العهد رسالة ودّ وانفتاح، فإن لهجة الرياض كانت حازمة هذا الشهر في شن هجوم على إيران بشأن برنامجها النووي على نحو يوحي تماماً بالأجواء غير المشجعة التي وصل اليها حوار البلدين.
جاءت انتقادات السعودية لإيران في كلمة ألقاها السفير السعودي في النمسا، الأمير عبدالله بن خالد في الجلسة الأخيرة لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية كشف فيها أن “التقارير تُظهر عدم شفافية الجانب الإِيراني في التعامل مع مطالب الوكالة المتعلقة بأربعة مواقع في إيران تتضمن أنشطة ومواد نووية غير مُعلن عنها”.
ذهبت الرياض أبعد من ذلك حين التقى وزير الخارجية السعودي، الاثنين، مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في فيينا وجرى “الاتفاق على أهمية فرض الآليات اللازمة للتفتيش السريع والشامل لكل المواقع النووية الإيرانية، ووقف الانتهاكات والسياسات الإيرانية للقوانين والأعراف الدولية، التي تزعزع أمن واستقرار المنطقة والعالم”.
لم يصل أمر الحوار إلى ما يمكن البناء عليه. بما يعني أن آليات هذا الحوار وأدواته والنوايا التي ترصدها إيران من ورائه لا ترقى إلى المستوى المقبول الذي يمكن أن يؤسس يوماً إلى علاقات ندية بين البلدين.
لا يمكن تأسيس “العلاقات الجديدة” عبر الاستقواء ببرنامج نووي وآخر صاروخي، أو الاستناد الى منظومة ميليشيات تنشرها إيران في بلدان المنطقة، أو التشفي بمسيّرات خبيثة تطلقها جماعاتها من اليمن. كما أن إجراء الحوار يأتي، وفق التوقيت الإيراني، متزامناً مع المفاوضات التي تجريها طهران في فيينا لإعادة إحياء الاتفاق النووي وعودة الولايات المتحدة إليه، بما جعل من الحوار الإيراني – السعودي، بالنسبة الى طهران، فرعاً على هامش أصل جلل يجري في العاصمة النمسوية.
لا يواري رئيس إيران الجديد إبراهيم رئيسي الموقف الحقيقي لإيران حيال العلاقة مع السعودية. الرجل يوصف بأنه محافظ متشدد قريب من المرشد علي خامنئي، بما يجعل من نصوصه مباشرة وأكثر دقة مما يصدر عن روحاني وظريف اللذين يوصفان بالاعتدال ويكيل لهما الجناح المحافظ تهم الليونة والخنوع.
يفيدنا رئيسي غداة الإعلان رسمياً عن فوزه بالمنصب برؤيته للموقف من السعودية من خلال وجهين.
وجه أول يقول فيه: “نرحب بتعزيز العلاقات مع دول العالم كافة، ودول الجوار على رأس أولوياتنا”، مؤكداً أن “إيران تولي اهتماماً كبيراً لعلاقات جيدة مع دول الجوار”، وصولاً إلى أن يمنَّ بأن “لا نمانع من عودة العلاقات الدبلوماسية مع السعودية وإعادة فتح السفارتين لدى البلدين”.
ووجه ثانٍ يملي فيه “أوامر” وتعليمات بأنه “يتعين إيقاف العمليات العسكرية والحرب في اليمن بشكل عاجل”، مؤكداً أن “الشعب اليمني يقرر شكل حكومته، وهو من يقرر مصيره بنفسه”، مضيفاً، وهنا بيت القصيد، أنه “ينبغي أن توقف السعودية عملياتها العسكرية في اليمن، وترك اليمنيين يشكلون حكومتهم بأنفسهم”، لافتاً إلى أنه “يجب على السعودية وقف هجماتها التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية في اليمن”.
تشبه “أوامر” رئيسي الكتاب الذي يرسله السلطان إلى عامله. لا تؤمن طهران بعلاقات مع الرياض إلا وفق القبول بأمر واقع تكون الغلبة فيه لإيران، وهي تعمل من فيينا إلى صنعاء على تثبيت هذه الغلبة وتدويل واقعها. بالمقابل لا تؤمن الرياض بأي أمل قريب في فتح صفحة جديدة من الودّ والتعاون والانفتاح مع إيران يحكمها ولي فقيه ورئيس ملحق به يريان أن مناعة إيران ووجودية نظامها تنهلان بنيوياً وعقائدياً من ثابت العداء للسعودية. فإذا ما زال هذا العداء زال مبرر وجود النظام وولي أمره.

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة