ملخص
أثار سقوط مسيرة روسية على مبنى سكني في رومانيا مخاوف من انتقال تداعيات حرب أوكرانيا إلى أراضي “الناتو”. وبينما تتزايد الاستفزازات الروسية والاختراقات الجوية، يجد الحلف نفسه أمام معضلة الرد على موسكو من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع قوة نووية.
انتقلت عدوى الحرب التي تشنها روسيا ضد أوكرانيا إلى أراضي حلف “الناتو”، عندما اخترقت شحنة متفجرة لا يقل وزنها عن 50 كيلوغراماً من المواد شديدة الانفجار الطوابق العليا من مبنى سكني في رومانيا.
وقد أصيب مدنيان عندما ضربت المسيرة شققاً سكنية في مدينة غالاتس شرق البلاد، حيث انفجرت بُعيد اصطدامها بمبنى واقع على مسافة 160 كيلومتراً (100 ميل) من أي هدف مرجح في مدينة أوديسا الساحلية الأوكرانية.
ومزقت ألسنة اللهب المنبعثة من المقذوف الموجه بطيء الحركة واجهة المبنى، مثيرة حالاً من القلق والاستنكار بين الدول الأعضاء في حلف الناتو.
وتلقى المصابان العلاج في المستشفى، فيما دفعت رومانيا بمروحيات هجومية ومقاتلات جوية لحماية مجالها الجوي.
اليوم، يواجه حلف “الناتو” معضلة صعبة في شأن كيفية الرد، لا سيما أنه ملزم بالمادة الخامسة من ميثاقه التأسيسي، التي تنص على أن أي هجوم على دولة عضو يعد هجوماً على جميع الأعضاء.
ويعد ارتباك دول “الناتو” بحد ذاته نجاحاً استراتيجياً مستحقاً لفلاديمير بوتين.
وفي منشور على منصة “إكس”، كتب الأمين العام للحلف مارك روته قائلاً: “إن السلوك الروسي المتهور يشكل خطراً علينا جميعاً. وما حصل الليلة الماضية أظهر مجدداً أن تداعيات حربهم العدوانية وغير القانونية لا تتوقف عند الحدود”.
وأضاف: “سنستمر في تعزيز قدرات الردع والدفاع لدينا، ونواصل تقديم الدعم لأوكرانيا بينما تدافع عن نفسها في مواجهة العدوان الروسي”.
والمسيرة المذكورة، التي حلقت فوق الأراضي الرومانية لما لا يقل عن أربع دقائق قبل أن تصيب هدفها، أحدثت فجوة كبيرة في سقف المبنى السكني المصنوع من الخرسانة المسلحة، وقد تناثر الركام إلى الشارع في الأسفل. ولو حصل الانفجار على بعد طابقين نزولاً، لكان تسبب بكارثة، مع إصابة عدد أكبر بكثير من المدنيين.
واليوم، يتمحور التقييم الأساس الذي يجريه “الناتو” حول ما إذا كانت المسيرة قد انحرفت عن مسارها، ربما نتيجة تشويش إلكتروني على أنظمة الملاحة فيها، أو حول ما إذا كان الكرملين قد تعمد استهداف دولة أوروبية عضو في “الناتو”.
ولعل هجوماً روسياً متعمداً في هذا التوقيت يتماشى مع الاستراتيجية العسكرية التي تعتمدها موسكو، وتعرف باسم “عقيدة غيراسيموف” وتفيد بأن بث الفوضى في صفوف العدو هو نوع من أنواع الانتصار.
وكان كل ما أصدره الكرملين أول من أمس الجمعة هو بيان باهت يؤكد أن بوتين قد تبلغ بالحادثة.
لقد تراجع أداء روسيا في حربها مع أوكرانيا، بعدما خسرت أجزاء صغيرة من أراض كانت قد استولت عليها العام الماضي مقابل كلفة بشرية هائلة، في حين تقدر “مكاتب الاتصالات الحكومية البريطانية” GCHQ أن 500 ألف روسي تقريباً قضوا نحبهم في أوكرانيا منذ عام 2022.
ووفقاً لصحيفة “فايننشال تايمز”، تجاوزت روسيا موازنتها العسكرية هذا العام بنحو 28 مليار دولار، في وقت بات خلاله ما لا يقل عن 40 في المئة من اقتصادها مكرساً للمجهود الحربي.
وفي المقابل، واصلت أوكرانيا تكثيف هجماتها بعيدة المدى بالطائرات المسيرة على الأراضي الروسية، مستهدفة منشآت معالجة النفط، مما أسهم في ارتفاع أسعار الوقود، على رغم استفادة موسكو من زيادة عائدات النفط عقب الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران.
وتقول أوكرانيا إنها تقتل نحو 35 ألف جندي روسي شهرياً، وتسعى إلى رفع هذا العدد إلى ما لا يقل عن 50 ألفاً، ليس فقط لإحداث نقص في القوى البشرية الروسية، بل أيضاً لإثقال كاهل نظام التعويضات الذي يعتمده الكرملين، والذي يمنح عائلات الجنود القتلى نحو 165 ألف دولار.
ويعد استهداف دولة عضو في “الناتو” بطريقة يمكن إنكارها واعتبارها حادثة عرضية أمراً يتسق مع التكتيكات الروسية القائمة على تحقيق أثر استراتيجي بكلفة محدودة.
وقدمت موسكو أخيراً مناورات عسكرية أجريت في بيلاروس، وشملت أنظمة صواريخ نووية روسية قصيرة المدى، باعتبارها جزءاً من جهودها لإرباك خصومها وصرف الانتباه عن إخفاقاتها على خطوط القتال، فضلاً عن بوادر التململ داخل أوساط النخبة الحاكمة في موسكو.
وعادة ما تحلق الطائرات المسيرة الروسية التي تهاجم أوكرانيا على ارتفاعات منخفضة لتجنب الرصد بالرادار. ويستخدم كثير منها شرائح اتصال أوكرانية وشبكات الهاتف الخلوي الأوكرانية، التي لا تتعرض للتشويش، للوصول إلى أهدافها. وتتمكن أوكرانيا من تعقب هذه المسيرات قبل وقت طويل من دخولها مجالها الجوي
عندما تعرضت غالاتس للهجوم ليل الخميس الماضي، كانت أوديسا تتعرض لقصف عنيف بالمسيرات والصواريخ الباليستية الروسية التي استهدفت ميناءها الدولي الحيوي، إلى جانب ميناء إزمايل الأوكراني، الواقع على مسافة 80 كيلومتراً شرقاً.
ويبدو أن سقوط المسيرة في رومانيا كان متعمداً أكثر منه عرضياً، إذ تطلق القوات الروسية أسراباً من الطائرات المسيرة على أهدافها، يصل عددها أحياناً إلى 400 طائرة في الليلة الواحدة، بهدف إنهاك الدفاعات الجوية الأوكرانية وإغراقها بالأهداف.
وقد أصابت إحدى هذه المسيرات الأراضي الرومانية، وسط ترجيحات بأن تكون الدفاعات الجوية في أوديسا قد أسقطت مسيرات أخرى في مسارها. وأفاد مسؤولون رومانيون بأن ما بدا وكأنه مسيرة استطلاعية تحطم أيضاً في شمال البلاد.
وأكدت رومانيا أنها سجلت ما لا يقل عن 28 اختراقاً لمجالها الجوي بالمسيرات على امتداد العام الماضي.
من جهته، قال الرئيس الروماني نيكوسور دان أول من أمس: “إن رومانيا عضو في ’الناتو‘، ولن تقبل في أي ظرف بانتقال الحرب العدوانية التي تشنها روسيا ضد أوكرانيا إلى مواطنيها”، مضيفاً “لا شك في أن الطابع غير المسبوق لهذا الحدث يستوجب رداً حازماً، يكون منسقاً ومتناسباً، ويندرج على المستويات الوطنية والحليفة والدولية”.
أما الاختراق الأكبر لأجواء “الناتو”، فقد حصل داخل بولندا في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، مع توغل نحو 20 طائرة مسيرة روسية داخل البلاد، مما استدعى استنفاراً للدفاعات الجوية. وكان وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي قد وصف الحادثة بأنها مهمة استطلاعية لاختبار حدود الردع ضمن دول “الناتو”.
وكذلك، انتهكت المسيرات الروسية أجواء كل من لاتفيا وليتوانيا وإستونيا.
ولخص سيكورسكي المعضلة التي يواجهها “الناتو” بينما كانت فرق التحقيق لا تزال تجمع وتحلل حطام المسيرة الروسية التي أصابت غالاتس، قائلاً: “سواء كان الأمر متعمداً أو نتيجة سوء كفاءة، فإن روسيا لا تزال تشكل خطراً، وعلينا أن ندافع عن أنفسنا في مواجهتها”.
وشملت الحرب الروسية الهجينة ضد الغرب عمليات اغتيال، وأعمال تخريب استهدفت شبكات سكك الحديد والإمدادات اللوجيستية لأوكرانيا، في بريطانيا وبولندا على حد سواء، ناهيك بحرب سيبرانية متواصلة، وعمليات تجسس على كابلات الاتصالات البحرية، ومراقبة قواعد “الناتو” الجوية بواسطة مسيرات مجهولة، وتمرير ملايين الأطنان من النفط غير المشروع عبر بحار تقيم فيها قوات “الناتو” دورياتها، من دون أي اعتراض يذكر.
وقد اختار الحلف عملياً تفويض استخدام “القوة الصلبة” – أي القوة العسكرية المباشرة – إلى أوكرانيا، من خلال زيادة إمدادات الأسلحة، باستثناء الولايات المتحدة التي أوقفت جميع مساعداتها العسكرية لكييف.
ويحرص “الناتو” بشدة على تجنب أي مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، مما يقيد خيارات رده على أعمال بوتين العدوانية الأخيرة.
وروسيا، باقتصادها الذي لا يتجاوز بحجمه ثلثي الاقتصاد البريطاني إن نظرنا إلى الناتج المحلي، تبقى قوة ضعيفة إذا ما قورنت بمجمل دول “الناتو” القادرة على حشد أكثر من ضعف عدد الجنود، وثلاثة أضعاف عدد الطائرات القتالية، ناهيك بتفوقها الدفاعي الساحق، وإنفاقها الدفاعي الذي يفوق ما يخصصه الكرملين للدفاع بنحو 10 أضعاف.
بيد أن الورقة الأهم التي تمتلكها روسيا تبقى السلاح النووي. فموسكو تمتلك 5500 رأس نووي، مقابل 5200 في حيازة الولايات المتحدة.
وتدرك جميع الأطراف أن استخدام هذه الأسلحة سيقود إلى سيناريو “التدمير المتبادل المؤكد”، وهو المبدأ الذي يقوم على أن أي حرب نووية واسعة النطاق ستؤدي إلى فناء الطرفين. ويعتقد خصوم بوتين أنه قد يكون متشدداً إلى درجة تجعله يرى في هذا السيناريو خياراً مقبولاً أو قابلاً للتصور.
© The Independent
