حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حازم الأمين
.إبعاد شبهة الوظيفة المذهبية عن القضية السيادية تقتضي مكاشفة اللبنانيين بأن وظيفة الفساد والهندسات المالية كانت تعويم “دولة حزب الله”، وأن إشاحة النظر عن هذه الحقيقة من القوى “السيادية” سببها تورّط هذه القوى بما سمح به حزب الله للحاكم رياض سلامة من توزيع لـ”الهبات” على جزء من هذه القوى لإسكاتها.
أما وقد انتظمت السيادة على سكة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، وبقي علينا أن ننتظر العقبات في وجه خطة الجيش اللبناني في مراحلها لما بعد جنوب الليطاني، فإن ما وصلنا من الإدارة الأميركية من تسريبات صلبة، يبعث فعلاً على القلق!
يبدو أن قوى “سيادية” لبنانية نجحت بإقناع جزء من الإدارة الأميركية وعلى رأسها المبعوثة الأميركية مورغن أورتاغوس بالاكتفاء بـ”السيادة”، وتأجيل ما يجب أن يرافقها من إصلاحات ومحاسبة.
وقالت “العصفورة” أيضاً أن المصرفي الشهير السيد أنطون صحناوي تولى مهمة تثبيت هذه القناعة السيادية في وعي السيدة أورتاغوس، وهو ما ترافق مع العشاء (غير الأخير) الذي أقامه هذا المصرفي على شرف السيدة الأميركية في مطعمه في وسط بيروت، في غيابه (نظراً الى استحالة قدومه إلى لبنان لأسباب قضائية)، وحضر العشاء سياديون، وغاب عنه سياديون آخرون لا تربطهم بالصحناوي مودة.
لا إصلاح من دون سيادة ومن دون حصر السلاح بيد الدولة. هذا ما نتّفق عليه مع السيدة أورتاغوس. لكن ما هو مؤكد أيضاً أن لا إصلاح مع أنطون صحناوي.
الرجل يملك واحداً من أكبر المصارف اللبنانية التي تواطأت مع الحاكم السابق للبنك المركزي رياض سلامة، وهو من أكبر المستفيدين من بدعة الهندسات المالية التي تولّت تمويل حكومات الفساد والممانعة المتتالية، بدءاً بحكومات سعد الحريري ومروراً بحكومة حسان دياب، ووصولاً إلى حكومة ذروة الفساد التي قادها نجيب ميقاتي الذي فتح ملفه القضاء الفرنسي أخيراً.
من المعيب فعلاً أن يباشر القضاء الفرنسي التحقيق بمزيد من الشبهات حول الفساد فيما يتعثر القضاء اللبناني في أدنى الخطوات المطلوبة للمحاسبة. ملفات نجيب ميقاتي وبنك عودة ورياض سلامة تصلنا أخبارها من باريس، بينما يترنح ضحايا الفساد في لبنان أمام المصارف والمستشفيات، وينقسم جمهور أحزاب المنظومة بين مخوّن ومتشفٍّ. القضاء الفرنسي يا سادة يعمل على هذه الملفات متحدياً الـ”صداقة” التي تربط ميقاتي بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وغير آبه بأولوية السيادة على الإصلاح. يعمل لأنه قضاء، ولأن الفساد اللبناني أصاب النظام المالي الفرنسي بلوثته.
إبعاد شبهة الوظيفة المذهبية عن القضية السيادية تقتضي مكاشفة اللبنانيين بأن وظيفة الفساد والهندسات المالية كانت تعويم “دولة حزب الله”، وأن إشاحة النظر عن هذه الحقيقة من القوى “السيادية” سببها تورّط هذه القوى بما سمح به حزب الله للحاكم رياض سلامة من توزيع لـ”الهبات” على جزء من هذه القوى لإسكاتها. وبهذا المعنى يصبح الحديث عن السيادة من دون إصلاح مذهبياً وانتقامياً. نسحب سلاح حزب الله، ونعوِّم القوى التي استفادت من تمويل دولة السلاح. علماً أن هذا التمويل تم عبر سرقة ودائع الناس في المصارف.
هذا ما يجعل مهمة الإصلاح لصيقة بالقضية السيادية، وهو ما يدفع إلى القول إن لا سيادة من دون إصلاح ومن دون محاسبة. المصارف كانت متواطئة مع سلطة السلاح. هذه الحقيقة موثّقة ومعزّزة بما لا يُحصى من أدلّة ووقائع. رياض سلامة، رمز ذلك الزمن، عقد الصفقة بين طرفي هذه المعادلة، ساعدته على ذلك قرارات تجديد ولاياته المتعاقبة، وساعدته أيضاً وسائل إعلام “سيادية” ما زالت إلى اليوم تحمل “قضيته”، وقوى وأحزاب “سيادية” لا تقتصر على التيار العوني.
ومن نتائج تأجيل الإصلاح والمحاسبة والاكتفاء بـ”السيادة”، ما وصلنا من أخبار عن برنامج إنقاذ أصحاب المصارف من نتائج فعلتهم. المسؤولية عن الفجوة المالية سيتحمّلها المودع، لا سلطة الفساد ولا المصارف. أول مئة ألف من الوديعة ستُقسَّط على ست سنوات، والباقي سيتحوّل إلى أسهم لا تساوي قيمتها شيئاً فعلياً! سينجو المصرفيون بفعلتهم، فيما الطبقة السياسية المتورّطة ستواصل تصدّرها طالما أنها ترفع لواء السيادة وحصر السلاح. وعلينا أن نكتفي ببعض الأمل حين يرى القضاء في دولة غربية أن الفساد اللبناني مسّ بنظامه المالي، فيتحرك.
مصداقية القضية السيادية هي في عدم فصلها عن قضية الإصلاح، وإلا تحولت السيادة إلى بازار طائفي تقتصر فيه المحاسبة على جماعة مذهبية، وهو ما سيعزز الخطاب التهويلي لحزب الله، والمتمثل في شحن الشيعة بخطاب الاستهداف وبأنهم لوحدهم من سيُحمَّلون تبعات حقبة الفساد والسلاح.
المصدر موقع درج