أيوب سعد – صحافي عراقي
أيوب سعد
الانتخابات العراقية المقبلة ليست مجرد استحقاق دستوري، بل اختبار لمدى قدرة العراقيين على تجاوز إرث المحاصصة والابتزاز السياسي. فإما أن تبقى العملية أسيرة “ثالوث مقدّس” يفرغها من مضمونها، أو تتحول إلى بداية مسار وطني يعيد الاعتبار الى المواطنة.
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية المقرّرة في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر، يزداد المشهد السياسي قتامة وتعقيدًا، فبدل أن تكون الانتخابات محطة لمراجعة المسار الديمقراطي وبناء دولة المواطنة، تتحول في كل دورة إلى بازار سياسي تتقاطع فيه المصالح الحزبية مع الاستغلال الاجتماعي والاقتصادي، لتُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الديمقراطي، وتحوّلها إلى مسرحٍ من الابتزاز المنظّم.
نجحت الأحزاب المتحكّمة بالسلطة منذ 2003 في تحويل مؤسسات الدولة الخدمية والأمنية إلى أدوات انتخابية بيدها، بحيث تُوزَّع الحقوق الدستورية للمواطنين على شكل “مكرمة” من هذا الحزب أو ذاك، وتُربَط الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والتعيينات، بالولاء الانتخابي للمرشح أو قائمته. وهكذا، بدل أن تكون الدولة مظلة لجميع المواطنين، تصبح أداة ابتزاز سياسي تساوم الناس على حياتهم اليومية مقابل صوتٍ انتخابي.
الدولة التي تتحوّل إلى أداة ابتزاز
أحياء كاملة في البصرة لا تزال بلا ماء صالح للشرب، مناطق واسعة في الأنبار تغرق في الظلام بسبب غياب الكهرباء، آلاف الخريجين الجامعيين ينتظرون فرصة عمل في دوائر الدولة من دون جدوى، هذه ليست أرقامًا أو شعارات انتخابية، بل حقائق يومية يعيشها العراقيون. ومع ذلك، ما أن تقترب الانتخابات، حتى تتحول هذه المآسي إلى “فرص انتخابية” تتاجر بها الأحزاب.
الحق في الكهرباء والماء والخدمات لا يُقدَّم كمواطنة مستحقة، بل كورقة مساومة: “صوّت لنا، نعيد لك حقك”. في جوهر الأمر، هذا سلوك ينسف فكرة العقد الاجتماعي الذي يُفترض أن تقوم عليه الدولة، إذ يصبح المواطن مجرد زبون في سوق سياسي، تُباع حقوقه وتُشترى بأرخص الأثمان.
ثالوث الانتخابات: قبيلة، وظيفة، طائفة
ثلاث أدوات تتكرّر في كل موسم انتخابي عراقي، حتى باتت أشبه بـ “ثالوث مقدّس” لا يتخلّى عنه السياسيون: الوظائف، العشائرية، والطائفية.
العشيرة بوابة النفوذ
يعرف المرشحون أن المجتمع العراقي، بخاصة في الأطراف والمناطق الريفية، ما زال يولي وزناً كبيرًا للعشيرة. لذلك يسعى كل حزب إلى تأطير الصراع الانتخابي في شكل نزاع قبلي: “خصمكم يستهدف قبيلتكم، ويريد تهميشها”، فيندفع أبناء القبيلة للتصويت بدافع حماية الهيبة، لا بدافع المصلحة الوطنية.
بهذا، تُدفن الطاقات الشبابية والأكاديمية تحت شعارات عشائرية جوفاء، وتُسلب من المواطن فرصة اختيار ممثل حقيقي له.
إقرأوا أيضاً:
المعارك العشائريّة في العراق… فضّ النزاعات تحت تهديد السلاح
تكريس ثقافة الموت: العراقيون يحبون الحياة!
التعيينات: الوعد الذي لا يتحقّق
أكثر ما يثير الغضب هو استغلال حاجة الخريجين إلى الوظائف، كل دورة انتخابية، تعود لعبة “التعيين مقابل الصوت”. يقدّم الشاب ملفًا كاملًا بمستمسكات عائلته، ثم يُمنح بطاقة حزبية توثّق ولاءه، مقابل وعد بتعيين حكومي، لكن ما أن تُحسم الانتخابات، حتى يختفي الوعد كأنه لم يكن.
بل إن من يكشف خداع الحزب، قد يُعاقَب وظيفيًا إذا قُدّر له أن يجد فرصة لاحقًا. إنها آلية استعباد مقنّعة، تجعل المواطن أسيرًا لوعود لا تتحقق.
الطائفية: أخطر أدوات الابتزاز
منذ 2003، لم تغب الورقة الطائفية عن الحملات الانتخابية، في كل دورة، يُعاد تدوير خطاب التخويف: “السنة يريدون عودة البعث”، أو “الشيعة يسلبون حقوقكم”، لتُزرع الكراهية في النفوس ويُعاد تقسيم الناس إلى طوائف متصارعة.
المفارقة أن هذه الأحزاب التي تتاجر بالطائفية هي نفسها التي تهمّش جمهورها، وتسرق حقوقه بالطريقة ذاتها التي تتهم بها خصومها. وهكذا يبقى المواطن ضحية ازدواجية فاضحة: يُستغل اسمه الطائفي، بينما تُسلب حقوقه المعيشية.
غياب الوطنيّة وسط ضجيج المحاصصة
حين تجتمع هذه الأدوات الثلاث، تتلاشى الوطنية من المشهد الانتخابي، المواطن لا يرى الدولة باعتبارها حاضنة للجميع، بل ساحة نزاع بين عشائر وأحزاب وطوائف. النتيجة واضحة: تفتيت النسيج الاجتماعي، تكريس الانقسام، وإدامة سلطة الأحزاب ذاتها.
المحاصصة التي تأسس عليها النظام السياسي العراقي لم تعد إنتاج سوى الطبقة السياسية ذاتها في كل دورة، الأحزاب الكبيرة تُحكم قبضتها على مفاصل الدولة، وتمنع أي بديل مستقل أو وطني من الظهور، أما المواطن، فلا يجد أمامه سوى خيارين: مقاطعة الانتخابات، أو الخضوع للابتزاز.
الانتخابات ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي عملية تراكمية تعكس إرادة الناس وتعيد تشكيل السلطة وفق مبادئ العدالة، لكن حين تُفرغ الانتخابات من معناها وتتحول إلى مسرحية مكررة، تفقد العملية الديمقراطية مصداقيتها.
السؤال الجوهري اليوم: كيف يمكن إقناع العراقي بالذهاب إلى صناديق الاقتراع، وهو محروم من أبسط حقوقه؟ ما قيمة ورقة انتخابية إذا كان ثمنها قنينة ماء نظيف أو ساعة كهرباء؟ وما جدوى الديمقراطية إذا كانت أصوات الناس تُشترى بوظيفة لن تأتي أو بخطاب طائفي يعيد إنتاج الكراهية؟
لا يمكن للعراق أن يخرج من هذه الحلقة المفرغة إلا عبر ثلاث خطوات أساسية، تبدأ من إعادة الاعتبار الى مفهوم المواطنة، لا إصلاح حقيقي من دون تحويل العلاقة بين المواطن والدولة من علاقة زبائنية إلى علاقة حقوقية. على العراقي أن ينال حقوقه في الماء والكهرباء والتعليم والعمل، باعتباره مواطنًا، لا تابعًا لحزب أو طائفة.
ثم تفكيك سطوة الأحزاب على الدولة. الخلل ليس في الانتخابات بحد ذاتها، بل في احتكار الأحزاب مؤسسات الدولة وتحويلها إلى مكاتب انتخابية. المطلوب هو إصلاح دستوري وقانوني يضمن استقلالية مؤسسات الخدمة عن الأحزاب، ويعيد الى الدولة حياديتها.
وتعزيز الوعي الشعبي، لا يمكن إحداث تغيير من دون وعي جماهيري يرفض أساليب الابتزاز الثلاثة. الوعي الشعبي هو السلاح الوحيد القادر على تحييد العشيرة والطائفة والوظيفة كأدوات انتخابية. وهذا يتطلب جهدًا إعلاميًا وثقافيًا طويل الأمد، تُساهم فيه النخب والمجتمع المدني والإعلام الحر.
الانتخابات العراقية المقبلة ليست مجرد استحقاق دستوري، بل اختبار لمدى قدرة العراقيين على تجاوز إرث المحاصصة والابتزاز السياسي. فإما أن تبقى العملية أسيرة “ثالوث مقدّس” يفرغها من مضمونها، أو تتحول إلى بداية مسار وطني يعيد الاعتبار الى المواطنة.
الخيار الأول يعني استمرار الدوران في حلقة مغلقة من الفشل، والخيار الثاني يتطلب شجاعة سياسية وشعبية لكسر أدوات الابتزاز الثلاث.
الوقت لم يعد يسمح بالمجاملات. فالعراقي الذي يُحرم من الماء والكهرباء والعمل، لا يبحث عن شعارات طائفية أو قبلية، بل عن دولة عادلة تعطيه حقه بلا مساومة. هذه هي المعركة الحقيقية: معركة استعادة الدولة من قبضة الأحزاب، وبناء ديمقراطية حقيقية، لا مسرحية انتخابية تُعاد فصولها كل أربع سنوات.