دمشق- حذر المرصد السوري لحقوق الإنسان من تحول تهمة “التشهير” وبنود قانون الجرائم الإلكترونية إلى سلاح قانوني وأمني مسلط لعقاب كاشفي الفساد، حيث رصدت التقارير الميدانية تحريك دعاوى قضائية كيدية وتوقيفات تعسفية طالت ناشطين وصحفيين لمجرد تسليطهم الضوء على سرقة المساعدات الإنسانية وتفشي الرشاوى الإدارية.
وأكد المرصد توسيع السلطات والشبكات المتنفذة لاستخدام قوانين “الجرائم الإلكترونية” كأداة قمعية لملاحقة كاشفي الفساد والناشطين، خاصة أولئك الذين يسلطون الضوء على الأزمات المعيشية. وتستغل هذه المجموعات، التي تمثل “أمراء الحرب”، ترسانة من الجيوش الإلكترونية والصفحات الوهمية لشن حملات تشويه ورفع دعاوى كيدية، مدعومة بنصوص القانون رقم 20 لعام 2022 الفضفاضة، مما يرسخ بيئة من الترهيب والرقابة الذاتية.
وتشير التحليلات الميدانية إلى أن المشهد يتجاوز التفسير التقليدي المرتبط بالأجهزة الحكومية الرسمية فقط، ليبرز دور كيانات موازية وعصابات منظمة تدير عمليات التستر والترهيب.
وأفرزت سنوات النزاع الطويلة طبقة جديدة من “أمراء الحرب” ورجال الأعمال الصاعدين الذين حققوا ثروات طائلة من خلال اقتصاد الظل والتهريب والاحتكارات. هذه الشبكات تمتلك مصلحة وجودية في استمرار غياب الشفافية، وتعتبر أي محاولة لكشف الفساد الإداري أو المالي تهديدا مباشرا لمصالحها المليونية، مما يدفعها إلى تمويل حملات ملاحقة وتشويه ضد المنددين بها.
◄ مراقبون في المنظمات الدولية يشددون على ضرورة تشريع قانون خاص لحماية كاشفي الفساد يضمن حصانتهم القضائية والوظيفية، ويؤمن حماية هوياتهم لمنع شبكات النفوذ وعصابات الحرب من الانتقام منهم
وتعتمد هذه المجموعات النافذة على توظيف “جيوش إلكترونية” وصفحات مموهة على منصات التواصل الاجتماعي لشن هجمات منسقة ضد كاشفي الفساد. تشمل هذه الهجمات اغتيال الشخصية، ونشر شائعات تمس السمعة الشخصية، وتلفيق التهم الأخلاقية أو السياسية، بهدف عزل المبلغين مجتمعيا وإفقاد شهاداتهم أي مصداقية أمام الرأي العام.
وتستغل عصابات النفوذ حالة التراخي الأمني وضعف سلطة القانون في العديد من المناطق السورية لتمرير مصالحها. ومن خلال نفوذها المالي، تتمكن هذه المجموعات من الضغط على كاشفي الحقائق والابتزاز المباشر لهم، مستفيدة من قنوات تشريعية وقانونية فضفاضة تسمح برفع دعاوى كيدية تحت بند “التشهير” لقلب الطاولة على الشاهد وجعله متهما.
وتتجلى هذه الممارسات في قطاعات حيوية مثل القطاع الصحي والخدمي، حيث تعرض أطباء وموظفون عموميون للملاحقة والفصل من العمل بعد توثيقهم صفقات أدوية فاسدة أو سرقة مخصصات الوقود والمواد التموينية، مما خلق بيئة من الرعب والرقابة الذاتية الشديدة التي تمنع المدنيين من الإبلاغ عن الجرائم الاقتصادية خوفا من الانتقام القضائي والأمني.
يرى المراقبون أن وقف استغلال تهمة “التشهير” لملاحقة كاشفي الفساد يتطلب إصلاحا قانونيا جذريا وجريئا. يشترط هذا الإصلاح التفريق الحازم بين “التشهير المغرض” القائم على الأكاذيب، وبين “كشف الحقائق الموثقة” التي تخص الشأن العام وحق الجمهور في المعرفة. ويؤكد الخبراء الحقوقيون لدى المرصد السوري لحقوق الإنسان أن القضاء على هذه الظاهرة يستوجب تحقيق عدة ركائز أساسية تشمل إلغاء العقوبات السالبة للحرية (كالسجن) في قضايا النشر والجرائم الإلكترونية، والاستعاضة عنها بالغرامات المدنية لحماية حرية التعبير.
من جانب آخر يشدد المراقبون في المنظمات الدولية على ضرورة تشريع قانون خاص لحماية كاشفي الفساد يضمن حصانتهم القضائية والوظيفية، ويؤمن حماية هوياتهم لمنع شبكات النفوذ وعصابات الحرب من الانتقام منهم. ويتزامن ذلك مع مطالبات بتمكين استقلالية الهيئات الرقابية والقضائية، وتفعيل قوانين “حق الوصول إلى المعلومات”. هذه الخطوات هي الكفيلة بنقل عبء الإثبات من المواطن والموظف النزيه، لتصبح مكافحة الفساد جهدا مؤسسيا منظما يحمي المال العام بدلاً من حماية الفاسدين.