ملخص
تكشف استطلاعات ممتدة منذ 2016 عن تحول واضح في المزاج البريطاني، إذ تلاشت وعود “بريكست” في شأن الاقتصاد والهجرة والنفوذ العالمي، لتتحول إلى خيبة أمل واسعة. ومع تصاعد الشكوك، يتراجع الدعم للبقاء خارج الاتحاد، فيما تبدو كفة الندم الشعبي راجحة بعد عقد من القرار.
بالنظر إلى تقارب نطاق نتائج استفتاء الاتحاد الأوروبي لعام 2016، يحق لنا التساؤل عن مدى نجاحه في تحديد “إرادة واضحة” لدى الشعب.
فهل أخفقت الغالبية الضئيلة التي أيدت “بريكست” في الصمود أمام اختبار الزمن؟
وحتى إن لم يكن الأمر كذلك، يبقى من المشروع التساؤل عما إذا كان الخروج من الاتحاد الأوروبي قد حقق النتائج التي توقعها الناخبون، بما يعزز في أذهانهم القرار الذي اتخذته الغالبية عام 2016، أم أن بعضهم بات اليوم يندم على الخيار الذي اتخذه قبل عقد من الزمن؟
في الواقع، أُجري أكثر من 500 استطلاع رأي منذ يونيو (حزيران) 2016 وسُئل الناس عن كيفية تصويتهم في حال إجراء استفتاء آخر.
وفي هذا السياق، يكشف هذا الأمر عن تغير ملحوظ في ميزان الآراء حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. يبدو أنه بعد تأرجح طفيف في الآراء بين عامي 2016 و2021، ولم يمضِ وقت طويل على ذلك حتى حصل تحول حاسم وثابت بعيداً عن تأييد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وبناءً على ذلك، يمكن التشكيك في مدى نجاح استفتاء عام 2016 بوصفه تجربة للديمقراطية المباشرة.
ويبدو أن كثيرين باتوا يرون أن “بريكست” جاء في التطبيق العملي أسوأ بكثير مما كانوا يتوقعون. فقبيل الاستفتاء، ساد اعتقاد واسع بأن الهجرة ستنخفض نتيجة مغادرة الاتحاد الأوروبي.
ولكن، على رغم أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي شهد انخفاضاً ملحوظاً في الهجرة من وإلى الاتحاد الأوروبي، فقد ارتفعت الهجرة من خارجه ارتفاعاً حاداً. ويبدو أن الناخبين قد ردوا على هذه التجربة غير المتوقعة بإلقاء اللوم على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
على رغم الانتشار الواسع للاعتقاد بأن عضوية الاتحاد الأوروبي كانت تقيد سيادة بريطانيا، فإن ثمة اعتقاداً واسعاً أيضاً بأن الخروج لم يحدث فارقاً عملياً كبيراً في قدرة البلاد على اتخاذ قراراتها بنفسها.
وفي المحصلة، شكل “بريكست” خيبة أمل لكثير من الناخبين. فقد اعتقدت الغالبية أن الهجرة ستتراجع بعد مغادرة الاتحاد الأوروبي، لكن كثيرين باتوا اليوم يرون أن النتيجة كانت العكس، أي ارتفاع مستوياتها. وبينما كانت لدى بعضهم منذ البداية شكوك حيال التداعيات الاقتصادية للخروج، يسود الآن اعتقاد واسع بأن الاقتصاد البريطاني أصبح في وضع أسوأ نتيجة “بريكست”.
في هذا الإطار أيضاً، ساد تصور شائع بأن التواجد في الاتحاد الأوروبي يقيد سيادة بريطانيا، لكن الناس ليسوا متأكدين مما إذا كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد عززها، في حين أن هناك شعوراً واسع النطاق بأن نفوذ بريطانيا في العالم حالياً قد تضاءل.
وفي ضوء هذه المعطيات، ليس من المستغرب أن يتزايد الاعتقاد لدى الجمهور بأن بريطانيا حصلت على صفقة سيئة في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي.
وبحلول عام 2023، وبعد الصدمة التي أحدثها “الحدث المالي” الذي أعلنته ليز تراس، أصبح الرأي السائد بين الناخبين المؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي أن “بريكست” كان سيئاً للاقتصاد، وهو ما تحول إلى قناعة تكاد تحظى بإجماع واسع.
أما التحول في الموقف تجاه الهجرة فقد كان أكثر حدة، سواء بين مؤيدي البقاء أو الخروج. فقد كان معظم المصوتين لصالح الخروج يعتقدون أن الهجرة ستنخفض إذا غادرت المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي، وقد أعرب نحو 85 في المئة عن هذا الرأي.
وبحلول عام 2023، كان الناخبون المؤيدون للخروج يفقدون الثقة بسرعة في هذا الأمر… واستمر هذا الاتجاه حتى عام 2024. وفيما يتعلق بهذه القضية على الأقل، يبدو أن الآمال التي كان يعلقها ناخبو “بريكست” ذات يوم على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد تبددت تماماً.
من جهتهم، كان مؤيدو البقاء في الاتحاد الأوروبي يميلون بشدة إلى الاعتقاد بأن خروج بريطانيا من الاتحاد سيقلل من نفوذها العالمي. في المقابل، توقع مؤيدو الخروج، إلى حد ما، أن تتمتع بريطانيا بنفوذ أكبر، ولكن منذ خروج المملكة المتحدة، أصبحوا يميلون قليلاً إلى الاعتقاد بأن “بريكست” أدى إلى تراجع نفوذها.
في المحصلة، فشل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى حد كبير في تلبية توقعات مؤيديه. وهذا يشير إلى أنه ليس من المستغرب أن يكون الرأي الداعم للبقاء خارج الاتحاد الأوروبي أقل بكثير الآن مما كان عليه عندما صوتت غالبية ضئيلة عام 2016 لصالح “بريكست”.
في الوقت نفسه، أبدى الناخبون تشاؤماً ملحوظاً حيال التداعيات الاقتصادية منذ إعلان تراس عن خطتها المالية، حين حظي تأييد العودة إلى الاتحاد الأوروبي بتقدم واضح لأول مرة.
ويُعزى هذا التحول في موقف مؤيدي الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى شعورهم بأنه لم يخدم الاقتصاد البريطاني على النحو الأمثل.
أما العامل الآخر فهو المستوى الأعلى بكثير من الدعم للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بين أولئك الذين لم يصوتوا عام 2016.
ختاماً، لم يصمد التصويت الضئيل المؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي أمام اختبار الزمن بشكل جيد وثابت. ففي غضون عام، بدأ الرأي العام يميل للتصويت ضد القرار، وبحلول وقت خروج المملكة المتحدة، كانت هناك غالبية واضحة، وإن كانت ضئيلة، تميل إلى رفض الخروج.
وفي غضون عامين من الخروج، اتسع هذا الفارق ليزيد عن 9 في المئة. ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى خيبة الأمل والشكوك حول التداعيات الاقتصادية لـ”بريكست”. ويشعر العديد من مؤيدي الخروج بخيبة أمل لعدم انخفاض الهجرة بعد “بريكست”.
وتشير الأدلة التي جمعناها إلى أن استفتاء عام 2016 قد فشل في حسم الجدل الدائر حول ما إذا كان ينبغي لبريطانيا أن تبقى داخل الاتحاد الأوروبي أم خارجه. وتجد البلاد نفسها الآن خارج مؤسسة ترغب غالبية متواضعة على الأقل في الانضمام إليها.
ربما يبدو ميزان المزايا الاقتصادية أكثر ملاءمةً لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في المستقبل. ولكن، في الوقت الراهن على الأقل، يبدو أن شريحة كبيرة من الناخبين قد قررت أن البقاء خارج الاتحاد الأوروبي لا يستحق كل هذا العناء.
مقتبس بتصرف من كتاب “تأثير بريكست” بإشراف وتحرير أنتوني سيلدون، يصدر عن مطبعة جامعة كامبريدج في 18 يونيو (حزيران) (16.99 جنيه استرليني).
