ترجمة: باسم المرعبي
حلت الكاتبة الأميركية سيري هوستفيدت ضيفة على السويد في إطار جولة أدبية لها للترويج لكتابها الجديد “كتاب عن الأشباح: مذكرات حب“، الذي صدرت طبعته السويدية بالتزامن مع زيارتها. وقد شملت الجولة النرويج والدنمارك وسويسرا وألمانيا وهولندا.
في كتابها الجديد تتحدث هوستفيدت عن علاقتها بزوجها الكاتب الأميركي المعروف بول أوستر، الذي توفي في 30 نيسان/ أبريل 2024 في منزلهما في بروكلين، تقول “إنها لم تزل حيةً في الوقت الذي مات بول أوستر”. وكأنها بذلك تعتذر عن بقائها على قيد الحياة من بعده. وهوستفيدت، المولودة في عام 1955 في ولاية مينيسوتا من أب أميركي وأم نرويجية، التقت بول أوستر عام 1981 وتزوجا في العام التالي، وعاشا معًا لمدة 43 عامًا. درست في جامعة كولومبيا، وكانت أطروحة تخرجها عن تشارلز ديكنز. صدرت مجموعتها الشعرية الأولى عام 1983، وقد بلغ ما نشرته حتى الآن حوالي اثني عشر كتابًا: ست روايات، ومجموعة شعرية، وكتاب بحثي، ومجموعات عدة من المقالات. تُرجمت كتبها، التي تتناول موضوعات متنوعة كالفلسفة والطب النفسي وعلم الأعصاب، إلى أكثر من 30 لغة. ويُعد كتاب “المرأة المرتجفة وحكاية أعصابي” من أشهر أعمالها.
التقتها صحيفة “داغينز نيهيتر” في ستوكهولم، قبيل توجهها إلى أمستردام، فكان هذا الحوار.
| في كتابها الجديد تتحدث هوستفيدت عن علاقتها بزوجها الكاتب الأميركي المعروف بول أوستر |
(*) كيف جرى الحديث عن الكتاب، وبالتالي عن بول؟
ـ “لقد تخطيت مرحلة الحديث عن وفاته أثناء كتابة الكتاب، لذا فقد تمكنتُ من تجاوز الجزء الأصعب. الكتابة ليست كالكلام، وقد نجحت حينها. هذا كتاب عني وعن بول، وقد كانت تجربة الكتابة عن ذكرياتنا، بحلوها ومرّها، مصدر سعادة لي، بحق”.
وتشير هوستفيدت إلى أنه كان من المهم ألا يأخذ الكتاب طابع مذكرات تتمحور حول الحزن فقط:
ـ “لم أكن أرغب في كتابة كتاب كئيب وثقيل. لا جدوى من ذلك”.
لبول أوستر وسيري هوستفيدت ابنة وحيدة، تبلغ من العمر 38 عامًا، هي صوفي أوستر. تروي والدتها أنها قرأت معها عندما كانت في الحادية عشرة رواية إيميلي برونتي الكلاسيكية الشهيرة “مرتفعات وذرينغ”. تقول هوستفيدت إن صوفي نظرت إليها ذات مساء وقالت: “هل تعلمين يا أمي؟ الكتب الجيدة قد تكون حزينة للغاية، لكنها غير محبطة أبدًا”. قلت في نفسي حينها إن ابنتي عبقرية! لقد لخّصت صوفي الأمر بشكلٍ رائع. وبالمثل، أردتُ أن يكون “كتاب عن الأشباح” مُبهجًا في النهاية، فلطالما فكرت في كتابة هذا النوع من الكتب.
كان سيري وبول أشهر ثنائي كتابة في أميركا. بالنسبة لسيري، فقد حققت نجاحًا كبيرًا من خلال روايتها “ما أحببته” الصادرة عام 2003. أما بول أوستر، فقد ذاع صيته عالميًا بعد ثلاثيته عن نيويورك، والتي بدأت برواية “مدينة الزجاج” عام 1985.
ـ “الصورة التي رسمها لنفسه ـ النظارات الشمسية الداكنة، ومطفأة السجائر بين أصابعه، والآلة الكاتبة ـ عززت مكانته كنجم أدبي لامع. كان من ذلك النوع من الكُتّاب الذين تحيط بهم هالة أسطورية، ساهمت في ذلك بعض الإضافات كتلك التي نُشرت مبكرًا عنه في موسوعة ويكيبيديا، ومفادها أنه كان عازفًا في فرقة روك. لقد كانت كل هذه الإضافات لتعزيز الأسطورة، لكنني في كتابي هذا أردتُ تجنب تحويله إلى القديس بولس”.
تذكر هوستفيدت مسألة مهمة أيضًا، ففي أحيان كثيرة كان ما كتبته أو قالته يُنسب إليه.
ـ “كان ذلك أمرًا يُضحكنا، لكنه كان صادمًا أحيانًا”، تقول.
تفصح أيضًا عن أن عنوان “كتاب عن الأشباح” يشير إلى ما قاله زوجها قبل وفاته بفترة قصيرة، وهو أنه أراد العودة كشبح. وهو ما حصل بالفعل.
ـ “في الأيام الأولى بعد وفاته، كنت أشم رائحة دخان في المنزل في بروكلين، مرتين يوميًا تقريبًا. الآن، أصبح الأمر أقل تكرارًا”. ولكن بعد محاضرة ألقتها في كوبنهاغن خلال جولتها الترويجية للكتاب، عادت إليها الرائحة مجددًا. تؤكد: لقد شممتها!
ـ “بالطبع إنه شيء مضحك”، تضيف قائلة. في السنوات العشر الأخيرة، تحوّل بول أوستر إلى السجائر الإلكترونية.
تعتقد سيري هوستفيدت أن رائحة التبغ المتوهمة ليست سوى هلاوس شمّية، ومثل هذا الأمر ليس بالنادر بين الأشخاص المحزونين، “ولا أريد لهذا الشعور أن يزول”، تقول.
ـ “لكن مع مرور الوقت، نتكيف مع غياب الشخص الذي نفقده، سواء أردنا ذلك أم لا”.
(*) يمثل الكتاب نوعًا من خارطة لمسار حزن. أين تجدين نفسك على هذه الخارطة اليوم؟
ـ “من الصعب تحديد ذلك. غير أني أعلم أن هذه الخسارة قد غيّرتني. المسألة تتعلق بانقطاع الحوار، وهي خسارة لا تعوّض، وكذلك الحميمية. وأعني بذلك كل شيء، من اللمسة الودية إلى النشوة الحسية”.
ما يميز كتابها الجديد، فضلًا عن وقعه الموسيقي، هو معالجتها، أحيانًا، لموضوع الفقدان بدقة أكاديمية، بمرجعية كُتّاب وفلاسفة مثل سي. أس. لويس (كاتب وباحث إيرلندي)، رولان بارت، وسورين كيركغارد.
ـ “سأحاول دائمًا فهم كل شيء. هذه مهمتي”. تقول ذلك مبتسمة وبشيء من التواضع. الكتاب أيضًا يجيء كترنيمة لزواج طويل بكل محاسنه ومساوئه:
ـ “كان بول عنيدًا جدًا. لكن هذا العناد، الذي كان يُفقدني صوابي في بعض الأحيان، قد أفاده كثيرًا ككاتب. بمجرد أن يبدأ هذا الرجل بالكتابة، فإنه لا يتوقف”. وقد حدث أن وقعت مواجهات بينهما بسبب حساسيتها، فهي تُلقّب نفسها بـ “أميرة حبة البازلاء” (تشير بذلك إلى القصة الخرافية للكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن عن أميرة تتصف بالرقة المفرطة).
ـ “لكن كلما تقدمنا في السن، قلّت مشاحناتنا. كنا نبدأ شجارًا ثم نتوقف ونقول: فلنتجاوز هذا، لا بأس؟ لقد كبرنا على ذلك! كانت السنوات الأخيرة من زواجنا، بشكل عام، رائعة للغاية”.
يمكن وصف المذكرات بأنها خليط من الذكريات المتضمَّنة من يوميات ورسائل بريد إلكتروني صريحة أرسلتها سيري هوستفيدت إلى أصدقائها خلال رحلة العلاج من السرطان. كذلك هناك آخر نص لبول أوستر، الصفحات الخمس والثلاثون الأولى مما كان يأمل أن يكون كتاب رسائل إلى حفيده مايلز (من ابنتهما صوفي)، الذي وُلد في يناير/ كانون الثاني 2024. كما تتضمن ثلاث رسائل غرامية كتبتها إلى بول أوستر عام 1981، عندما تركها لعشرة أيام ليعود إلى زوجته الأولى وابنه.
ـ “اخترتُ إدراج هذه الرسائل في الكتاب لما فيها من مباشرة ووضوح، على عكس الذاكرة التي تتأثر دائمًا بالحاضر. في مذكرات بول أوستر “اختراع العزلة” الصادرة عام 1982، يتأمل أوستر مشاعره بعد وفاة والده المفاجئة، متسائلًا ما إذا كان بالإمكان شفاء الجرح بالكتابة عنه، أم أن الكتابة في الحقيقة تُبقي الجرح مفتوحًا. من المفارقة أني، وبعد أن انتهيت من كتابي هذا، فكرت في أن وفاة والد بول كانت هي الدافع لكتابة كتابه ذاك، مثلما كانت وفاة بول هي الدافع لكتابة كتابي الأخير هذا”.
| سيري هوستفيدت خلال حفل توقيع أحد كتبها مع بول اوستر |
تتوقف برهة لأخذ رشفة من الماء المعدني. تلتمع عيناها فجأة، ولا أدري إن كان ذلك بسبب الحزن أم لشيء آخر.
ـ “كان الدافع نفسه، محاولة إعادة تمثّل شيء من تلك العلاقة بالكتابة”.
يتضمن “كتاب الأشباح” أيضًا “الفظائع”، حسب وصف بول أوستر، التي حلت بالعائلة.
ـ “كانت قصة دانيال أشد القصص حزنًا في حياته، وفي حياتنا”.
هي تشير إلى ابن بول أوستر من زوجته الأولى، الذي كان مدمنًا على المخدرات لفترة طويلة. في أواخر خريف عام 2021، حقن نفسه في شقته ببروكلين، فغلبه النعاس. عندما استيقظ، وجد ابنته الرضيعة، ذات العشرة أشهر، جثة هامدة بجانبه. توفيت حفيدة بول أوستر نتيجة تسمم حاد بالهيروين والفنتانيل. بعد ستة أشهر، أُلقي القبض على دانيال أوستر للاشتباه في ارتكابه جريمة القتل غير العمد. بعد إطلاق سراحه بكفالة، توجه مباشرة إلى تاجر مخدرات وتناول جرعة زائدة بالقرب من منزل بول أوستر وسيري هوستفيدت، الذي يعود إلى مطلع القرن العشرين في بارك سلوب. كان دانيال أوستر يبلغ من العمر 44 عامًا. وقد حظي الحادث باهتمام دولي كبير.
ـ “إن عدم الكتابة عن ذلك كان أشبه بمواراته وراء ضباب سام، فقد كان الجميع على علم به. لكن في الوقت نفسه لم أرد له أن يطغى على الكتاب”.
عندما مرض بول أوستر، أوقفت سيري هوستفيدت مشروع كتاب كانت تعمل عليه آنذاك. سألتها إن كانت تفكر باستئنافه الآن؟
ـ “نعم. لكني أشعر بتردد شديد، فالشخص الذي بدأ كتابة الكتاب لم يعد هو نفسه. أيضًا هي رواية سياسية، ونظرًا لجنون ترامب وتطورات الأمور منذ ذلك الحين، كل ذلك يحتّم عليَّ اتباع مقاربة جديدة”.
نشأت سيري هوستفيدت في مينيسوتا، لكنها عاشت أيضًا بعض سنوات طفولتها في النرويج، بما أن والدتها من هناك.
ـ “كلما تقدمت في السن، شعرت بسعادة أكبر في بلدان الشمال”. تقول ذلك متنهدة بارتياح. يمكن فهم الانجذاب المتزايد إلى الدول الإسكندنافية في ضوء الوضع الأميركي الراهن. فكتّاب مثل سيري هوستفيدت، يمثلون النخبة الفكرية، تُقابل بالاحتقار من قبل حركة ماغا. تقول إنها فكّرت في المنفى، وربما إلى الأبد:
ـ “مع الرعب السياسي الذي نخضع له في الولايات المتحدة، قررتُ التقدّم بطلب الحصول على الجنسية النرويجية”. وتكمل: “أريد أن أمنح نفسي وابنتي إمكانية مغادرة الولايات المتحدة إذا اقتضى الأمر. أريد مخرجًا”.