الفوتوغرافيون السوريون..بحثٌ عن الموت والخاص العمومي أدهم حنا| المدن

img

 

لا فنون في سورية لأن الواقع غير موجود أصلاً، أي ان الفنّ وواقعه الذي يحاول العيش فيه خفي. سورية بلا أي معنى يُعاد صنعه ليكون إنسانياً أو مجسِّداً أو جماعياً. بالتالي يبدو  السوريون أكثر انجذاباً إلى شكلين من أشكال الفنون؛ الدراما لأنها تستمر بمرور الزمن، ولطالما كانت خطاباً يخدم السلطة؛ أي غير واقعي. وفنون أخرى توازي الموجة العالمية، وهي فردية ولا تنطق بروح الجماعة. الإنتاجات المسطحة كالغناء والعزف والتصوير الفوتوغرافي والفن التشكيلي التي تستعرض نفسها عبر صفحات التواصل الاجتماعي والجلسات الخاصة؛ من دون أن تكون عملاً غائياً أو شديد الحيوية أو وسيلة تعبير. يُشير ريجيس دوبريه إلى انهيار الجدار بين الفن والحياة، الفن بوصفه شكلاً من أشكال حياة ما بعد الحداثة. تصاعد الدور الفردي، والانجذاب السطحي للمعنى الفني. اختلط الفن بالحياة اليوميّة، وبالصورة اليومية؛ فلا تأملات طويلة لما نسمعه أو نقوم به. هنا شكل آخر من انهيار الفنون والحياة واختلاطهما قد بدأ يظهر في سورية.

المئات من المصورين الفوتوغرافيين ينتشرون عبر وسائل التواصل ملتقطين صوراً وأحداثاً، أجساداً وإيماءات. نمت الصورة تماشياً مع الاهتمام الكبير عبر وسائل التواصل بالتصوير، واهتمام المتلقي الفردي بطريقة لا شعورية بسلسلة من المظاهر المزيفة التي تجعله أكثر قرباً وتعلقاً بالصورة. بعيداً عن الصورة السياسية التي سادت في الصراع السوري، كان ردّ الجيل الذي نشأ وشبّ خلال سنوات الثورة، أن يتذكر الحياة وهي بعيدة عن صور الموت، والتعذيب، والقتل، والأسلحة والعتاد العسكري. وجاءت مرحلة تطلبت إزاحة الحياة عن المعنى السياسي والإنساني حتى. تصاعدت الرغبة لدى الشباب لتعزيز الشكل الخارجي، عبر التجسيد والإيماء وأساليب الجمال المستوحاة كلياً من الانفلات العالمي للصورة من موتها وتجزئتها.

شبع السوريون من الموت، كان الموت جزءاً يوميّاً من الحياة السورية عند السير في الشوارع وفي صور القتلى والضحايا، وقد تسرّبت رائحته إلى اللغة ونشرات الأخبار والأحاديث اليومية. دُفنت سورية برمال الموت التي غمرت الجميع وصبغتهم. حينما بدت الحرب شأناً غير سوري، مخيفاً ومُنفّراً. استعاد السوريون نشاطهم الجنسي بدلاً من العنف، أو حتى من القول السياسي والاجتماعي. فقد تمَّ خلق الحرب للقدر والآلهة والدولة الكبرى، فابتعد السوريون عنها تحت القمع والموت. وكمؤشر على الابتعاد عن التعبير العنفي الذي رافق السياسة، جرى انزياح تجاه التعبير والتلقي الجنسي. هذا ما على الصورة أن تفعله تماماً، وساعد على هذا مئات الشباب الذين تساموا من خلال الغريزة إلى اختلاق إبداعات مرتبطة بالنساء ولا يُستثنى من هذا الأرض والطبيعة. عشرات الفوتوغرافيين ممن يملكون كاميرات انطلقوا نحو التصوير. سريعاً ما انتفت الطبيعة والأماكن من الصور التي يُراد استهدافها. أغلب الفوتوغرافيين انطلقوا نحو البشر، من دون وجود الهالة الإنسانية أو التأملية. لا معنى للفوتوغراف، بل البحث عن نمط ما لتصوير الشخص بوصفه جمالاً يصلح للتسويق. لا يعرف السوريون الفرق بين الصور التي تُلتقط للفنانين والممثلين، والصور التي عليهم التقاطها لأشخاص عاديين. جرى انهيار آخر ها هنا من جراء انتشار الهواتف ذات الكاميرات عالية الدقة، لالتقاط الصور (مقاربة ومماثلة بطريقة مَرَضية للفنانين) للأشخاص العاديين الذي ينشرون صورهم أيضًا في كل مكان. هذه ليست دعوة للتفرقة إنسانياً بين عموم الناس والفنانين أو نجوم جلسات التصوير. بل إيضاح أنّ الصورة باتت دلالة على انهيار الواقع بدلاً من كونها لحظة موت اللحظة الحيّة وتوثيقها.

باتت الصورة استهلاكاً بشعاً من دون معنى. يميل أكثر الفوتوغرافيين السوريين إلى تصوير النساء، أكثر من الاستعراض الذكوري عبر جلسات التصوير. مازال استهلاكٌ بشعٌ للمرأة متاحاً ومقبولاً، على خلاف أكثر الذكور الذين لا يمانعون جلسة تصوير إلا أنّهم يحاولون تجنب ذلك، أو لا يجدون منه بُدّاً؛ فالشوارع والبوحُ المعبّرُ متاحٌ لهم، على عكس النساء اللواتي تُستهلك أجسادهن في جلسات التصوير الفوتوغرافية وكأنّ ذلك تشريع واضح لامتلاك الجسد الأنثوي في مقابل منحه القدرة على التعبير، وقد بات ذلك شكلاً من الممارسات المعتادة التي وافق عليها المجتمع الذكوري وسوّغها، ولا سيّما أن أغلب النساء يتصورن في الشوارع العتيقة، أو بين الجبال أو أمام البحر في محاولة غير مباشرة لإضفاء معنىً ما على الأماكن، في بلاد تفقد الأماكن فيها أي مظهر جمالي أو حضاري وتميل تدريجياً إلى البشاعة. أما المستفيدون من جلسات التصوير فيبدون نمطيين جداً، فهم لا يملكون أصلاً أيّة تقنيات جمالية، الاعتماد على نوعية الكاميرا، تقانتها وتطوّرها؛ كل ذلك يجعل من أي مصور سوري فناناً في حدود النمط التقليدي المكرر الذي يألفه السوريون. هذا الانهيار في سياق الفوتوغرافيا له دلالات عديدة؛ إذ يمنع النظام السوري الاستعمال الرخيص للكاميرات، فاجتاحت عدسات التصوير شوارع المدن؛ تحديداً تلك التي تحوي مواقع أثرية ومعالم تاريخية، لكن الفوتوغرافي يحرص دائماً على جعل الصور في مكانها وطبيعتها مسرحاً شخصياً. هذا يبدو استملاكاً للموت بوصف الحياة الشخصية متاعاً للخلق قرب مكان يحمل طابعاً جمالياً، كتسويق غريب وعدمي لنفس الشخص لكن بتغير المواقع. من سمات الفوتوغرافيا أن تملك تعبيراً ومعنى؛ هذا ما اعتادت عليه الفوتوغرافيا بصنعها وبكونها ذات معنى إنساني وإيمائي وحميم حسب رولان بارت مثلاً. لكن في سورية يتم جعل الصورة الواقع الوحيد الحي. فالفيتشة الجمالية لصور الأنثى باتت أكثر ملاءمة لتظهر في صور المرأة، التي تسترعي اكتمالها قبل التصوير؛ التفاصيل، الأيدي، الأقدام، الشعر، قياسات الظهور لمعالم الجسد، كل هذا لا يتم استدعاؤه بل يبدو متاحاً ومقبولاً ومراعياً للذوق الذكوري العمومي الذي هو شديد الصلة بالرأسمالية التسويقية. في مناحي الحياة السورية يبدو موت السوريين جلياً عبر تأمل الصور والبحث فيها، يشارع السوريون الحياة مصدقين أن مصوراً ما يخلقهم، خالقاً ذواتهم وشخصهم، وهو يحاول طبعهم على نسق عالمي أو نسق جمالي سطحي غير بشري.


لا يخفي هذا، بعض المحاولات الخاصة والفردية لخلق معنى في الصور، لكنه في غالبه يفتقد لحداثة الصورة بوصفها إيماءً قوياً معنوياً، أو معنىً حديثاً بوصفها حاجة ما، لإنتاج الجمال في الأماكن أو التقاط سحر آخر لافتقادنا عموماً مشاهد لقطات ومشاهد طبيعية تثيرنا لرؤيتها.

يسمح النظام في كل هذا؛ ولا غرابة أو دهشة من هذا القبول والتواطؤ؛ فمن صالحه أن يتخيل الأفراد أن معنى وجودهم وحريتهم يتجسّدان في القدرة على التصوير والاستعراض أمام عدسات التصوير. وهذا ما يظهر بدوره جانباً تجريبيّاً جنسياً تاماً. الكثيرات من الفتيات أشرن إلى أن كلّ فوتوغرافي يملك دافعاً “تحرشيّاً” صريحاً يسوّغه بالإحساس والذائقة الفنية. وقد باتت جلسة التصوير لجانب جماليّ خفي من الجسد؛ ثورة للصورة الجنسية التي تحاول أن تبدأ وتُشرَّع دون خوف. إلّا أنّ المثير للخوف، هو ما يبدو واقعياً في الصورة السوريّة، المحاطة بإطار من الكبت والآليات الاجتماعية المتخلّفة. يزداد هوس السوري بالصورة لجعلها بديلاً من الموت وذكرى تستمر لمستقبل آخر؛ إنّه موت حقيقي يليق به البكاء الأبدي!

وحتى التعبير النقي عن القيم الجمالية يأخذ طابعاً ميّتاً؛ فالهوية العمرانية للمدن التي اندثرت بفعل الحرب، يجري تذكرها في الصور التي التقطت بغزارة في طقس عزائي صامت، ولا مجال في موجة التفاهة والتباكي، لنقد النظام أو لومه على استحالة المدن والمعالم التاريخيّة إلى دمار وبشاعة.

تمتلئ سورية بصور واخزة أو مؤثرة أو متمردة، لكن هذه المعاني تمّت إزاحتها لكي لا تجلب العار لمن كانوا سبب هذا الانهيار؛ فصور الشحاذين وجامعي القمامة وصور الذلّ المقيتة على الطوابير تليق بالصحف فقط. هناك من ينسى أن الإيماء الفيزيائي في تلك الصور هو الفن؛ لأنه يُنتج معنى لتفسخ الأجساد والأماكن وإلقاء ذواتنا فيها

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة