الدوحة – بعدما تكبدت دول الخليج العبء الأكبر من الهجمات الإيرانية الانتقامية في حرب كانت تسعى أساسا إلى تجنّبها، تجد نفسها اليوم أمام اتفاق أميركي-إيراني لا يلبّي تطلعاتها بالكامل.
وشكّلت الضربات الإيرانية بواسطة طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية وإغلاق مضيق هرمز، تهديدا وجوديا لدول الخليج ولنموذجها الاقتصادي القائم على ما تشكّله من ملاذات آمنة في شرق أوسط مضطرب حولها.
ولا تضع مذكرة التفاهم المقرر توقيعها الجمعة في جنيف حدا دائما للحرب، بل ستمنح المفاوضين مهلة إضافية مدتها 60 يوما، ما يطيل أمد حالة عدم اليقين التي تخيّم على المنطقة.
كما أن الاتفاق يتجنب معالجة قضايا أمنية أساسية بالنسبة لدول الخليج، في وقت يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حريص على إنهاء الحرب بسرعة، بحسب خبراء.
وفي المقابل، تبنّت دول الخليج استراتيجياتها الخاصة لحماية مصالحها في مواجهة إيران التي تبدو أكثر جرأة.
وقال حسن الحسن من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية إن كل المؤشرات تدل على أن “مذكرة التفاهم لن تعالج على الأرجح المخاوف الأمنية الجوهرية لدول الخليج المتعلقة بالقدرات العسكرية الهجومية الإيرانية، ولا سيما الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الميليشيات الإقليمية”.
وأضاف “في ظل عدم كفاية وعدم موثوقية المظلة الأمنية الأميركية، تلجأ دول الخليج إلى وسائل مختلفة لردع إيران عن شن مزيد من الهجمات، سواء عبر إبرام تفاهمات أو دعم الجهود الدبلوماسية”.
عندما انسحب ترامب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015، أيدت دول الخليج تلك الخطوة. فقد اشتكت طويلا من أن الاتفاق لم يشركها في المفاوضات ولم يتطرق إلى برنامج إيران الصاروخي أو شبكات وكلائها الإقليميين في اليمن ولبنان والعراق.
واليوم تجد نفسها أمام حل مؤقت يتجاهل هذه الملفات مجددا. وقال كريم بيطار، المحاضر في معهد العلوم السياسية في باريس إنّ “هذا الاتفاق يبدو وكأنه جرى التفاوض عليه على عجل، وقدمت إيران تنازلات أقل بكثير مما قدمته عام 2015″، مضيفاً أن لدى دول الخليج “أسبابا تدعوها إلى التشكيك”.
دول الخليج عالقة بين الولايات المتحدة وإيران. ففيما تواجه جارا أكثر جرأة وحليفا أميركيا أقل موثوقية، فإنها أصبحت مضطرة للاعتماد على نفسها.
وقد وافقت إيران على إعادة فتح مضيق هرمز، وهو مطلب خليجي أساسي بعدما أدى إغلاقه إلى تعطيل صادرات النفط والغاز الخليجية. لكن المضيق لم يُغلق أساسا إلا بسبب الحرب.
ويرى الحسن أن ربط وقف إطلاق النار بالنزاع في لبنان ومناطق أخرى يمنح الوكلاء الإقليميين لإيران “حصانة من أي هجمات إسرائيلية مستقبلية أو حتى من محاولات الحكومات الوطنية نزع سلاح هذه الفصائل المسلحة أو دمجها”.
ومنذ وقف إطلاق النار الهش في 8 أبريل، اتهمت دول خليجية إيران ووكلاءها في العراق باستهداف أراضيها.
لم تسجل الإمارات أي هجمات جديدة على أراضيها منذ نحو شهر، كما أن لهجتها التي كانت قد أصبحت أكثر تشددا تجاه إيران بدت أقل حدة في الآونة الأخيرة.
وقالت الخبيرة في شؤون الخليج دانيا ظافر إن “الإمارات خلال فترة التصعيد الإيراني المكثف قابلت ذلك بخطاب حازم في محاولة لخلق نوع من الردع… لكنها في النهاية لاعب براغماتي”. وأضافت أن الإمارات “اتجهت أيضا نحو خفض التصعيد” مع بدء الأطراف الإقليمية التحرك نحو اتفاق.
أما قطر، التي تستضيف أكبر قاعدة أميركية في المنطقة، فقد انخرطت في جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة. وفي أواخر مايو زار وفد إيراني الدوحة لبحث الإفراج عن أموال مجمدة.
وأفاد دبلوماسي في المنطقة بأنّ المفاوضين القطريين شاركوا في “17 ساعة من المفاوضات المكثفة” في طهران قبيل الإعلان الذي صدر الأحد.
أما السعودية، التي تسعى إلى تحقيق الاستقرار بينما تواصل تنويع اقتصادها بعيدا عن الاعتماد على النفط، فقد عززت تنسيقا إقليميا مع باكستان ومصر وقطر وتركيا، وهي دول شاركت جميعها في جهود دبلوماسية.
واعتبر أندرياس كريغ الخبير الأمني في كلية كينغز بلندن أنّ دول الخليج عالقة بين الولايات المتحدة وإيران. ففيما تواجه جارا أكثر جرأة وحليفا أميركيا أقل موثوقية، فإنها أصبحت “مضطرة للاعتماد على نفسها”.
وقال نيل كويليام، خبير شؤون الشرق الأوسط في تشاتام هاوس، إن الحرب أظهرت لدول الخليج حدود القوة الأميركية. وأضاف أن إيران “نجت من حملة الاغتيالات واستهداف القيادات التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل، كما أثبتت قدرتها على الرد واستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط”.
وفي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز الأحد، ألمح ترامب إلى أن دول الخليج قد تدفع مقابل الحماية الأميركية من إيران، من دون أن يوضح كيفية ذلك. وقال الحسن إن “دول الخليج تتعرض لما يشبه الابتزاز من قبل كل من إيران والولايات المتحدة”.
وأضاف “من المرجح أن تواصل إيران استخدام دول الخليج ومضيق هرمز كورقة رهينة مرتبطة بمفاوضاتها النووية مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، يستغل ترامب التهديد الإيراني للضغط على دول الخليج كي تستجيب لمطالبه”.
أما ظافر فرأت أن ترامب “يحاول تسويق فكرة أن الولايات المتحدة لا تزال تشكل عامل ردع في مواجهة إيران”. وأضافت “إيران أضعف مما كانت عليه، لكنها في بعض الجوانب أصبحت أكثر جرأة، لأنها أتيحت لها فرصة اختبار حدود القوة الأميركية في أسوأ السيناريوهات الممكنة… ونجت من ذلك”.