جنيف- أثار قرار تأجيل المفاوضات الأميركية الإيرانية التي كان مقرراً أن تنطلق في سويسرا الجمعة، حالة جديدة من الشكوك حول مستقبل الاتفاق الذي أُعلن التوصل إليه قبل أيام فقط لإنهاء الحرب التي استمرت أكثر من ثلاثة أشهر بين البلدين.
وبينما حاولت الأطراف المعنية التقليل من أهمية التأجيل واعتباره مسألة مرتبطة بالترتيبات اللوجستية والتحضيرات الفنية، فإن تزامن الخطوة مع إلغاء زيارة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى سويسرا، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وتصاعد الخطاب المتشدد من طهران وواشنطن، كلها عوامل عززت الانطباع بأن الاتفاق دخل مرحلة اختبار مبكر قد تحدد مصيره خلال الأسابيع المقبلة.
وكان من المفترض أن تشكل محادثات سويسرا الخطوة الأولى نحو تنفيذ الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بنداً، والذي وُصف بأنه الإطار السياسي لإنهاء الحرب وإطلاق مسار تفاوضي جديد حول البرنامج النووي الإيراني وترتيبات الأمن الإقليمي. غير أن وزارة الخارجية السويسرية أعلنت بصورة مفاجئة إرجاء المفاوضات إلى أجل غير مسمى، مؤكدة أن سويسرا لا تزال مستعدة للقيام بدور الوسيط وأن الأعمال التحضيرية مستمرة.
وجاء الإعلان بعد ساعات قليلة من تأكيد البيت الأبيض إلغاء زيارة نائب الرئيس الأميركي، الذي كان يفترض أن يشارك في افتتاح المحادثات ويلتقي المفاوضين الإيرانيين في جنيف.
ورغم أن الإدارة الأميركية عزت القرار إلى تعقيدات تنظيمية وعدم اكتمال الترتيبات اللازمة لانطلاق المفاوضات، فإن توقيت الخطوة أثار تساؤلات حول وجود خلافات أعمق تتعلق بآليات تنفيذ الاتفاق أو أولويات كل طرف خلال المرحلة المقبلة.
وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن العقبة الأساسية تتمثل في استمرار انعدام الثقة بين الطرفين رغم التوصل إلى الاتفاق. فإيران أعلنت استعدادها لبدء المحادثات الفنية، لكنها اشترطت في الوقت ذاته رؤية خطوات عملية من جانب الولايات المتحدة تثبت التزامها ببنود الاتفاق قبل الانخراط في جولات تفاوض جديدة.
ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن مصادر مطلعة أن الوفد الإيراني لم يحسم حتى وقت قريب مسألة التوجه إلى جنيف، في ظل غياب مؤشرات واضحة على بدء تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها.
ويعكس هذا الموقف الإيراني إدراكاً لدى القيادة في طهران بأن توقيع الاتفاق لا يعني بالضرورة ضمان تطبيقه. فالتجارب السابقة، وخاصة الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018، لا تزال حاضرة بقوة في الحسابات الإيرانية، ما يدفعها إلى المطالبة بضمانات عملية قبل تقديم أي تنازلات إضافية في الملفات الخلافية.
وفي المقابل، تواجه إدارة الرئيس دونالد ترامب ضغوطاً داخلية متزايدة من حلفائها الجمهوريين الذين يرون أن الاتفاق لم يحقق الأهداف التي أعلنتها واشنطن عند بدء الحرب. فالرئيس الأميركي كان قد برر العمليات العسكرية بالسعي إلى القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وإنهاء قدرة طهران على تهديد جيرانها، ووقف دعمها للجماعات المسلحة الحليفة في المنطقة، إضافة إلى إحداث تغيير سياسي داخل إيران. إلا أن الاتفاق النهائي لم يتضمن تحقيقاً واضحاً لأي من هذه الأهداف، وهو ما فتح الباب أمام انتقادات متزايدة داخل الكونغرس وبين أوساط المحافظين الأميركيين.
وتزداد هذه الضغوط مع استمرار حالة الغموض بشأن مصير البرنامج النووي الإيراني، إذ يمنح الاتفاق الطرفين مهلة ستين يوماً فقط للتوصل إلى تفاهم نهائي حول هذا الملف الحساس. وتبدو هذه المهلة قصيرة نسبياً بالنظر إلى حجم الخلافات المتراكمة منذ سنوات، فضلاً عن تعقيدات التحقق والرقابة والضمانات المطلوبة من الجانبين.
تأجيل محادثات سويسرا مؤشر مبكر على هشاشة تفاهم وُلد في ظل حرب مكلفة ولم ينجح بعد في تبديد الشكوك المتبادلة بين طرفيه.
كما أن تصريحات الزعيم الأعلى الإيراني آية الله مجتبى خامنئي أضافت مزيداً من الشكوك إلى المشهد. فقد اعتبر أن ترامب وقع الاتفاق “بدافع اليأس”، مؤكداً أن المفاوضات المقبلة لن تكون سهلة، ومحذراً من أن إيران لن تقبل بأي مطالب أميركية مبالغ فيها.
وتعكس هذه الرسائل رغبة إيرانية في إظهار أن الاتفاق لا يمثل تنازلاً استراتيجياً من جانب طهران، بل تسوية مؤقتة فرضتها ظروف الحرب وموازين القوى الحالية.
ولا تقتصر التحديات على العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، بل تمتد إلى البيئة الإقليمية المحيطة بالاتفاق. فاستمرار إسرائيل في عملياتها العسكرية ضد حزب الله في لبنان يثير تساؤلات جدية حول قدرة الاتفاق على الصمود. إذ يرى مراقبون أن أي تصعيد واسع في الساحة اللبنانية قد ينعكس مباشرة على مسار التفاهم الأميركي الإيراني، خصوصاً إذا اعتبرت طهران أن مصالحها الإقليمية أو حلفاءها يتعرضون لضغوط تتجاوز ما تم التوافق عليه خلال المفاوضات.
وتبرز هذه الإشكالية باعتبارها أحد أبرز نقاط الضعف في الاتفاق، إذ إنه أنهى الحرب المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، لكنه لم ينجح حتى الآن في معالجة جميع الملفات المرتبطة بالنفوذ الإيراني في المنطقة أو بمواقف إسرائيل من ترتيبات ما بعد الحرب.
وفي الوقت نفسه، يراهن داعمو الاتفاق على أن التأجيل لا يعني انهياره، بل يعكس حجم التعقيدات المرتبطة بمرحلة الانتقال من وقف إطلاق النار إلى التسوية السياسية الشاملة.
ويستند هؤلاء إلى أن الطرفين مددا بالفعل وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً إضافية، كما أنهما وقعا الاتفاق رسمياً، وهو ما يوفر أرضية سياسية يمكن البناء عليها لاستكمال المفاوضات لاحقاً.
لكن نجاح هذا الرهان سيظل مرتبطاً بقدرة الجانبين على تجاوز أزمة الثقة المتبادلة وتحويل التعهدات السياسية إلى إجراءات ملموسة. فكلما طال أمد التأجيل من دون تقدم واضح، ازدادت احتمالات عودة التوترات السياسية والأمنية، وتراجعت فرص الوصول إلى اتفاق نهائي حول البرنامج النووي وبقية الملفات العالقة.
وعليه، فإن تأجيل محادثات سويسرا لا يبدو مجرد تفصيل إجرائي عابر، بل يمثل أول اختبار حقيقي للاتفاق الأميركي الإيراني. فبينما ينظر إليه البعض باعتباره عقبة مؤقتة في طريق تسوية تاريخية، يراه آخرون مؤشراً مبكراً على هشاشة تفاهم وُلد في ظل حرب مكلفة ولم ينجح بعد في تبديد الشكوك المتبادلة بين طرفيه.
وخلال الأسابيع المقبلة، ستتضح الإجابة على سؤال أساسي: هل يشكل التأجيل استراحة قصيرة قبل استكمال مسار السلام، أم بداية تعثر قد يقود إلى إعادة فتح أبواب المواجهة من جديد؟.