فيصل لعيبي صاحي… جريدة المدى
صدرت مجلة «ألف باء» في 22 أيار من عام 1968، على ما أتذكر، وكنت من ضمن فريق العمل الذي تشكّل، ومن المساهمين فيها منذ العدد الأول، كان هذا في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف.
في 17 تموز من عام 1968، حدث انقلاب القصر الذي شارك فيه حزب البعث مع عناصر تابعة للحرس الجمهوري العارفي وبتنسيق مع (السي آي أيه) كالعادة، فقد تخوّف المحيط الإقليمي والغرب الرأسمالي من حدوث تغيير ثوري في العراق يقوده الشيوعيون، خاصة بعد الورقة التي قُدّمت في الكونفرس الثالث للحزب حول (العمل الحاسم) لتغيير النظام عام 1967، ومن الكتلة التي انشقت عن الحزب وشكّلت (القيادة المركزية) التي رفعت شعار الكفاح المسلح. لهذا تسارع القوم لإعاقة هذه الخطوات وقاموا بحركتهم تلك. فتبدلت المجموعة التي تعمل في المجلة، وجاء البعثيون على رأس الطاقم الذي يدير المجلة، بعدما أُعلنت أسماء الطغمة الحاكمة وظهرت وجوه الانقلابيين الحقيقية بعد 30 تموز، وتبدت لنا طبيعة السلطة والحزب الحاكم، ومن الطريف أننا كنا جالسين ذات ظهرية حارقة من أيام الصيف العراقي، وكان الصحفي والكاتب ماجد السامرائي جالساً معنا في غرفة رئيس التحرير الخالية من رئيسها المحتمل الذي كنا نفكّر به من بين الأسماء المحتملة، دخل علينا الصحفي الراحل زيد الفلاحي ينهج ويلهث من صعود سُلّم بناية المؤسسة العامة للصحافة في الكرنتينة وهو يتصبب عرقاً، فما كان من أحدنا، وأظنه الفنان الراحل بسام فرج، إلا وقال له: بارك للعزيز ماجد فقد تم تعيينه رئيساً للتحرير، فبهت زيد في البداية ولكنه صافح ماجد مهنئاً، وأعقب التهنئة بالقول: “بس خويه ماجد مو تنيجون عراضنا مثل 8 شباط”، فضج الحاضرون بالضحك ومنهم طبعاً رئيس التحرير المزعوم، الذي نصّبه فناننا بسام بجدحة من خياله الخصب.
بعد أشهر وصلت للمجلة مادة صحفية، عبارة عن حوار مطول أجراه الشاعر صادق الصائغ مع الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في براغ مع صورة له مع الجواهري وتظهر معالم براغ خلفهما. لم أكن أعرف صادقاً حتى وصول الحوار، وسمعت إطراءات للمادة وكذلك تثميناً للمبادرة وغيرها من التعليقات الإيجابية، ما عدا تعليقاً واحداً قاله أحدهم: “شجاب صادق على الجواهري؟؟” وأظنه بسبب التوجه المختلف شعرياً لدى الاثنين. ثم سمعنا أن الجواهري سيأتي إلى العراق، منهياً غربة قسرية فرضت عليه اضطراراً، بعد انقلاب شباط الدموي عام 1963، ثم جاء صادق أيضاً وأصبح من ضمن طاقم المجلة وبان نشاطه المتعدد في الكتابة والتصميم وخط العناوين وطبعاً النقاشات التي كانت تجري وقتها، فهو قادم ومعه رياح ربيع براغ وتطلعات جيل أوروبي واسع للتغيير بطريقة بعيدة عن أفكار البرجوازية والرأسمال في أوروبا، وأيضاً تختلف مع ما جرى للدول الاشتراكية، التي كانت البيروقراطية الحزبية قد نخرتها وأوصلت الوضع إلى انسداد لا حل له، إلا بتصفية إرثها الذي كان جاثماً، رغم تقرير خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي عام 1956.
لفت صادق الأنظار إليه، فهو سهل العشرة وبسيط في العلاقات العامة وبدون كلفة -كما يبدو- إضافة إلى شكله الجذاب وتسريحة شعره التي تختلف عن تسريحات شعر سائر العاملين في المجلة باستثناء كاتب هذه المادة.
بعد تغييرات عدة لرؤساء التحرير، جاءنا الشاعر سامي مهدي كرئيس تحرير للمجلة، فاجتمع بنا وهو محمل بتعليمات المكتب الإعلامي المركزي لحزب البعث في التعامل مع غير البعثيين من الطاقم الصحفي، وعلى طريقة الحزبيين الذين يحرصون عادةً على الظهور بمظهر الحزم والصرامة والالتزام بإطاعة التعليمات الحزبية، خاطبنا جميعاً بلغة تهديدية واستفزازية في ضرورة الالتزام بخط الثورة والحزب، فما كان مني إلا الاعتراض على طريقته تلك وأفهمته أن هذا السلوك في التعامل مرفوض ولا أقبله، فثار وهاج وماج وكدنا نشتبك بالأيدي، لولا تدخل الحضور وأخذي خارج مكتبه، لتهدئة الوضع، وعليَّ أن أشير هنا، أن الكاتب والصحفي الصديق ماجد السامرائي، لعب دوراً إيجابياً في هذه المسألة وتم رأب الشرخ بيننا. بعدها أصبح سامي مهدي يبدي الاحترام ويتقرب إليَّ، وصار يأتي أثناء دوامي وعادةً بعد الظهر إلى غرفة الرسامين، وكنت عندما أرسم، أدندن بأغاني لأم كلثوم أو عبد الوهاب وفريد الأطرش فاكتشفت أن سامي مهدي من عشاق عبد الوهاب وكذلك كان صادق الصائغ، وعندما نكون حاضرين معاً وتكون غرف المجلة فارغة من العاملين وقتها، نبدأ بالغناء وتبادل الأدوار، سامي يغني (همسة حائرة) وصادق (يا ورد مين يشتريك) وأنا أي أغنية تخطر على بالي.
من هذه السويعات وغيرها وبعض الجلسات المشتركة بدت ملامح صادق تتوضح عندي، وأحياناً نتناقش في مادة كتبها عن معرض فني أو فيلم سينمائي وغيرها من النشاطات التي يساهم فيها بهمة ملفتة.
صادق يعرف نفسه جيداً ويدرك جاذبيته، لكن هذه الجاذبية كذلك جعلته مغروراً، ولهذا فقد فشل في حياته الزوجية، سواءٌ في زواجه الأول مع امرأة تشيكية، خلف منها فتاة أظن أن اسمها داليا أو تانيا، إذ كان يُكنى بها ولا نعرف أين هي الآن، وكذلك مع زواجه الثاني من الكاتبة والصحفية الصديقة العزيزة سعاد الجزائري، التي خلف منها جعفر وزينب.
مرة كنت أجلس في غرفة الرسامين ودخل صادق وجرى حديثنا نحو أمور ثقافية عديدة ومنها الشعر طبعاً، فقلت له بأنك كشاعر تشبه الشاعر السوفياتي يفغيني يفتوشينكو (ولد في مدينة زيما السوفياتية عام 1932 وتوفي في تلسا الأمريكية عام 2017)، لك لغة مميزة عن السائد والعام وعبارات وجمل وحتى كلمات فيها رنين خاص وغير عالية النبرة مثل شعراء ستينات بغداد الغاضبين. وكان يفتوشينكو قد زار مصر وترجمت له عدة قصائد هناك، نشرتها (مجلة الهلال) الشهرية وقتها، فيفتوشينكو أيضاً يحاول أن يخلص الشعر السوفياتي من تلك النبرة الرسمية التي تثقله والشعارات التي لا داعي لها، خاصةً بعد أن أعلن خروتشوف في المؤتمر 21 للحزب، بأن الاتحاد السوفياتي سيدخل مرحلة الشيوعية في الثمانينيات من القرن العشرين، وهو في نشوة إعلان دوران (الكلبة لايكا) حول الأرض في القمر الاصطناعي الأول في تاريخ البشرية. أعجب صادق التشبيه، لكنه أضاف: “شوف فيصل أنا أعظم شاعر في العالم”. لم أتفاجأ بقوله هذا، لكني قلت له هل تقرأ الشعر الياباني؟ فبهت لكنه قال: وماذا يعني إن لم أقرأ الشعر الياباني؟ قلت: يعني أنك لم تطلع على كل الشعر في العالم لتتخذ هذا الموقف المتعالي، ولهذا فحكمك على نفسك غير صحيح، لكني أحب اختلافك أو بالأحرى محاولتك في التمايز عن الآخرين وهذا جانب إيجابي فيك.
صادق من مواليد عام 1936 كما هو مدون في شهادة الميلاد، أي بعد عشر سنوات من ولادة السياب وسنتين بعد ولادة سعدي يوسف، وحضوره في المشهد الشعري العراقي خلال الفترة التي عاد فيها من براغ عام 1968، محيّر، ففي سنوات الستينات الأخيرة من القرن الماضي تقلبات عجيبة في الحياة الثقافية في العراق، إذ إن انقلاب 8 شباط عام 1963، قد حطم الآمال وكسر شوكة الكثير من المثقفين وأهانهم وخصهم بمعتقل خاص بهم وقتها، فحُشروا بالعشرات في غرف لا تتسع إلا لبضعة أفراد وأجبروا على الاصطفاف في طابور طويل لقضاء حاجاتهم في دورات المياه القذرة وتم إجبارهم حتى على تنظيف المراحيض بأنفسهم، فلم تعد للكرامة أو الاعتزاز بالنفس والنرجسية التي يتصف بها الكثير منهم، ذات معنى في عالم يجري بالمقلوب وعم اليأس وانتهى التفكير في تحديات غير مجدية في وجه جلادين، كان همهم هو السخرية منهم وإهانتهم وكسر شوكتهم. تلك اللحظة الفارقة قد غيرت الكثير من القناعات والأفكار وبدت اللاجدوى والعبثية في الظهور مع الكثير من السخرية والفكاهة المرة.
كان صادقٌ عند حدوث ذلك الانقلاب يعمل ويدرس في براغ، وساهم بجهدٍ مشهودٍ في فضح الانقلاب ورموزه هناك، لكنه عندما عاد كان الجو مختلفاً. فالشعراء الآن ينشرون في مجلة (شعر ومواقف) ويراسلون الشاعر أدونيس والخال وغيرهما بدلاً من مجلة (الآداب) لسهيل إدريس، ويتابعون حركات وموجات الشعر الغربي، ما بعد قصيدة إليوت (الأرض اليباب)، محاولين التخلص من تأثير السياب ورواد الحداثة الشعرية العراقية، أي أنهم كانوا في صدد “قتل الأب” حسب التعبير الفرويدي، فالستينات من القرن الماضي، حبلى بالمخاضات المعرفية والثقافية والسياسية عموماً، قصة، رواية، فن تشكيلي، مسرح وشعر ميكانيكي، وجوديات وتشبه حد التماهي بمثقفي ما بين الحربين في أوروبا وتقمص حتى أدوارهم مع ادعاءات بالسريالية واللامعقول والعبث ودادائية على قد فهم ذلك الجيل – يحتاج هذا وقفة نقدية ليس هنا مجالها – مع أنهم لا يمتون لتلك الحركات بأي صلة وليست لهم التجربة نفسها ولا بيئة تشبهها أو تربة يمكن أن تنمو داخلها، في الواقع العراقي الذي كان أصلاً يمر بعبثية لا مثيل لها، فكانت تلك العبارات التي يرددونها، مجرد ادعاءات وتقمص في غير محله، مع جو سياسي ثوري مغاير ومتأثر بالجيفارية وانتصارات الثورة الكوبية ونكسة حزيران التي لا تزال تضغط على الضمير والوعي العربي اليساري بالذات بعد ظهور المقاومة الفلسطينية، وضياع فرص اليسار العربي الكثيرة والمناسبات التي كانت لصالحه من أجل تغيير بوصلة المنطقة نحو أفق أكثر تحضراً ومدنية وبعد فشله أو توهمه في إمكانية جر الأنظمة التي ادعت الثورية إلى برامجه التي تنادي بالتغيير.
في هذه الأجواء كان العديد من مبدعي ومثقفي العراق منغمرين بفكرة “الخروج من عنق الزجاجة” والتركة الثقيلة لكل الهزائم المتراكمة والمتفاقمة داخل المجتمع، لكنهم كانوا يعتقدون أن تتبع ما يجري في أوروبا هو الحل. وصادق منحازٌ لليسار منذ شبابه، وكان يستمع إلى أغاني خاله الفنان الكبير عزيز علي النقدية للأوضاع والحكومات والمستعمر والرجعية ورجالات الحكم من العراقيين والعرب.
كنا صادق وأنا نتكلم بصراحة ولا نخفي نظرتنا لبعضنا، فهو مثلاً عندما أقمنا معرضنا الأول لجماعة الأكاديميين، سخر من الفكرة وقال لي بأن المعرض خطوة إلى الخلف لما تحقق في الرسم العراقي، وهو يقصد ما ظهر من تيارات مرتبطة بالتجريد الغربي والتوجهات العامة للفن الأوروبي المعاصر وقتها والمتمثل في (جماعة المجددين)، وليس لما تحقق على يد جواد وفائق بالذات، في صياغتهما للوحة من منظور محلي ومعاصر في نفس الوقت، فقد كانت أوروبا كعبة ذاك الجيل وبوصلته الوحيدة، وتكرار عبارات كولن ولسن، سارتر، ألبير كامو، ماركوزه صاحب كتاب (الإنسان ذو البعد الواحد) وجيري روبين صاحب كتاب (هيا إلى الثورة) وروجيه دوبريه وغيرهم شائعاً، بينما كان بريشت قليل الذكر، إلا لدى اليساريين الذين أصبحوا على الهامش في تلك الأيام، ويبدو أن الأنظمة العربية والعراق من ضمنها، كانت تشجع مثل هذه التوجهات، فغرقت أسواق الكتب بنتاجات الحداثة الغربية الرافضة لكل شيء.
صادق خطّاط رائع وصاحب حس فني رفيع وذوّاق لكل ما هو طريّ وجديد، إلى جانب اهتماماته في السينما والمسرح فقد قام بتعريب نص مسرحية بريشت (السيد بونتيلا وتابعه ماتي)، التي أصبحت تحت يراعه باسم (البيك والسائق)، وخاض تجربة تلفزيونية مهمة في برنامجه الثاني، الذي لفت الانتباه، ودعاني للعمل معه كي أصمم المشاهد الخلفية التي سيظهر فيها وهو يقوم بإلقاء قصائد الشعراء الذين يختارهم، مثل السيّاب وسعدي يوسف ومحمود درويش وآخرين، لكن البرنامج لم يستمر وتم إخراجنا من مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، بسبب ميولنا السياسية أولاً وبسبب الحس الساذج أو السمج الذي يتحلّى به معظم من قاد العراق بعد انقلاب 8 شباط عام 1963، فلم يحظَ عراقنا بحاكم يملك حساً مرهفاً نحو الثقافة والفنون أو ذوقاً يجعل تفتّح الأفكار الجديدة وغير المألوفة قادرة على العيش والنمو والاستمرار، وتعرّض صادق وقتها إلى توبيخ مبطّن من رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر نفسه، ولولا توسّط بعض المتنفذين في الحزب الحاكم مثل الوزير وعضو القيادة القطرية والقومية الشاعر شفيق الكمالي، لأصبح صادق في عداد المفقودين منذ ذلك الزمن.
وُلد صادقٌ مبدعاً مبكراً، أي منذ عشرينياته، وعمل في صحافة الخمسينيات كاتباً وخطاطاً، لكنه عند عودته في فترة الستينيات كان كل شيء قد استقر وتبلور، فلم يستطع أن يجاري ما كان قائماً، ووجد نفسه مع كل ما يملكه من مواهب وإمكانيات غير محسوب على جهة أو تيار أو حركة أدبية واضحة المعالم؛ فكل شيء تم وضعه في المكان الذي يناسبه قبل عودته، رغم نشاطه الثري، فشعر بغربة أو مسافة تفصله عن الجميع، مع انغماره معهم في النشاط الثقافي العام، وانطبقت عليه جملة الشاعر سعدي يوسف: “أسير مع الجمع وخطوتي وحدي”. ومن أحلامه أن يكون نجماً في السينما العراقية، فقد سبق ومثّل في بعض الأفلام الجيكية. كانت كآبته من نوع خاص ودفينة أو مضمرة، مثل مواقفه التي يختلف فيها عن الآخرين، لكنه يعبّر عنها بطريقة غير مباشرة؛ فعندما أصدر الشاعر المبدع فاضل العزاوي ومن معه البيان الشعري، قدّم صادق شاعراً مغموراً وغير معروف وأطلق عليه لقب “العظيم”، وهو الشاعر عبد القادر العزاوي أو (قدوري العظيم) حسب تعبير صادق، وكتب عنه مادة مع نماذج من شعره إلى قرّاء “ألف باء” و”الجمهورية”. كان قدوري يبيع الحلويات (البالوظة) في شارع المتنبي، وهو عفوي وبديهي ويستطيع أن يسمعك شعراً مبهراً لكنه ينساه بعد إلقائه لأنه يلقي ما يخطر على باله في تلك اللحظة، ولا أعرف إن صدر له ديوان شعر أم لا!. بمثل هذه الأساليب يبدي صادق موقفه.
كانت (جماعة مقهى المعقدين) تحتل الصفحات الثقافية في الصحف العراقية، ولهم صولاتهم وجولاتهم في النقاش الجاري حول الحداثة والتجديد ومغادرة شعر التفعيلة والتوجه نحو قصيدة النثر أو النص المفتوح، وبعضهم كان سكرتير تحرير لصحف تلك الفترة مثل الشاعر المعروف مؤيد الراوي وفاضل العزاوي سكرتير «ألف باء»، وآخرون يديرون الصفحات الثقافية وأصحاب مجلة (الكلمة) النجفية، لديهم أداة مؤثرة لطرح أفكارهم. بينما شعراء البصرة وعلى رأسهم البريكان وسعدي يوسف وعبد الكريم كاصد ومهدي محمد علي وكاظم الحجاج وآخرون قد تركوا (فيكة التمرد والتحديث) والتفتوا إلى المواضيع المألوفة والعادية، فمنذ قصيدة (أم البروم) للسيّاب، انتبه هؤلاء لخزين ثري من المواضيع غير المعالجة ولجمالياتها المبهرة، فلم تعد تلك الأفكار الغرائبية التي تهيمن على شعر الستينيين مقنعة بالنسبة لهم، وانكبوا يحوكون قصائدهم حول ما هو يومي وعابر، وكانت قصيدة «سالم المرزوق» لسعدي مثالاً لهذا التوجه، وأظن أن صادق يقترب في تقييمه لشعراء تلك الفترة من تقييم الشاعرين عبد الكريم كاصد وفوزي كريم، فقد رصدا تلك التجربة من منظارين مختلفين ولكنهما توصلا إلى نتائج متقاربة.
بعد إعلان الجبهة بين حزب البعث والحزب الشيوعي، نشط صادق على أكثر من صعيد وأخذ يعمل في عدة مواقع، أهمها صحيفة (طريق الشعب) إلى جانب «ألف باء» والجمهورية، ولما صدرت مجلة الراصد الأسبوعية لصاحبها توفيق الفكيكي انضم صادق إلى طاقمها وجرني معه كرسام. كان صادق يكنّ لي مودة أو لنقل يقدر ما لدي من إمكانيات. وتوسعت نشاطات المثقفين الشيوعيين وصادق في القلب منها ولكن دون ضجيج.
بعد انهيار الجبهة في العراق، انحاز بعض المثقفين والشعراء للنظام واختار الآخرون الاختفاء أو تفضيل العمل في مهن أخرى تجنباً لجرهم للماكنة الإعلامية للنظام، فكانت خطة صدام الانفجارية قد بدأت بالمثقفين أولاً، فوجد المثقفون الديمقراطيون واليساريون وعلى رأسهم الشيوعيون أنفسهم في منافي عديدة، فمنهم من صعد إلى كردستان ومنهم من أصبحت الشام وبيروت أو اليمن ملجأهم، وآخرون استقروا في أوروبا والمغرب العربي، فبدت العملية وكأنها سخرية أخرى تواجه المثقف العراقي، فهو هارب من بطش نظام قمعي ولاجئ إلى نظام قمعي آخر، ولم تعد الاعتبارات السابقة ذات معنى، مظفر النواب عند القذافي والجواهري وسعدي يوسف في ضيافة الأسد، بعد أن سقطت تجربة اليمن وتقاتل الرفاق هناك.
لم يعد المثقف العراقي يهتم بطبيعة الأنظمة التي يعيش في بلدانها، خلال غربته القسرية تلك، ومما زاد الأمر تعقيداً التحاق العديد من صحفيينا ومثقفينا بالعمل في صحافة يعرفون أنها ممولة من قبل أنظمة قمعية ورجعية ومعادية لكل فكر ثوري أو ديمقراطي، وحتى صحف لأشخاص كانوا إلى عهد قريب من أقطاب النظام العراقي، كانت الورطة مركبة وغير مفهومة بناءً على تربية الأمس، لكنها صارت عادية أو طبيعية، رغم ظهور الشكوى من الوضع نفسه بين فترة وأخرى لدى هذا المثقف أو ذاك. إلا أن الأكثرية اضطرت للانسجام مع الوضع، لأسباب اقتصادية واجتماعية كذلك، هنا لا ألوم أحداً وإنما أصف حالة.
بعد الحرب العراقية – الإيرانية ومن ثم غزو الكويت، تحطمت تماماً كل الخطوط الحمر، وخاصة بعد انهيار ما سُمي بالمعسكر الاشتراكي وسقوط جدار برلين.
في هذه الأجواء عاش مثقفونا الأفاضل وتجرعوا ما لا يمكن تجرعه، وتفككت عرى الكثير من الثوابت والقناعات، وصارت بعض الشعارات تقال تندراً.
لكن المجموعة الديمقراطية في المنفى قررت فك العزلة وفضح النظام والنيل منه، فتشكلت رابطة الكتاب والصحفيين والأدباء والفنانين الديمقراطيين في المنفى، وكان صادق في المقدمة، وأدى نشاطاً ملحوظاً فيها، وقد صدر عنها أحد عشر عدداً من مجلتها (البديل)، وهي تزخر بنتاجات مثقفينا المعادية لسياسة النظام العراقي ومحاولاته تغييب الوعي وطمس الحقائق.
كان صادق يحاول أن يجرب كل شيء وهذه من حسناته، لكنه لم يفلح في بعضها ونجح في بعضها؛ حاول الرسم مرة، فطلب مني أن أرسم لوحة لخاله الفنان الكبير عزيز علي، لأن هناك ندوة عنه في ديوان الكوفة ستقام بعد وفاته، وقد ساهمت بها شخصياً، وعُلِّقَت اللوحة خلف منصة المحاضرين في حينها، لكنه بعد فترة عندما زرته في شقته، وجدته قد غير وجه خاله ولعب في اللوحة، وأظنه أراد أن يجاري الأسلوب فلم يفلح وأساء للعمل – دون قصد طبعاً -، فهو يحب التجريب ويريد أن يتعلم كل شيء يعتقد أنه قادر عليه، يذكرني بالإمبراطور كاليكولا الذي أراد امتلاك القمر. عندما أصدرت الصحيفة الساخرة (المجرشة) عام 1992، أرسل لنا مقطعاً من بيت للمتنبي يقول: “أنه ضحك كالبكا”، وبخطه الجميل، وقد عهدت له كتابة الافتتاحية للعدد الأول، فكانت افتتاحية في غاية السخرية عن مؤتمر فيينا، تحت عنوان “ليالي الأنس في فيينا”، وبأسلوب سهل وواضح ونقدي من الوزن الثقيل، لكنه بعد فترة التحق بالركب وصار جزءاً من الكوكبة التي سافرت للتدريب في أمريكا على أمل أن يستلموا أمور البلاد بعد إسقاط النظام السابق، ولم يعلموا أنهم يعملون مع مافيات سياسية وليس معارضة حقيقية، فضاع الخيط والعصفور.
قبل سنوات طلب مني أن أسعى له في الخليج لإقامة معرض فني له، وكانت لديه مجموعة لا بأس بها من الأعمال، وقد صادف ذهابي إلى هناك وبصدفة لا تتكرر، وأنا في طريقي إلى مؤسسة العويس ومديرها الصديق والقاص والكاتب عبد الإله عبد القادر تلبيةً لدعوته في إقامة معرض لي ضمن برنامج السنة القادمة، وكان معي الفنان الصديق المبدع محمد فهمي، فوجدنا الراحل الصديق عزيز الجصاني أمامنا في مكتبه، وقبل أن أفتح فمي للحديث عن معرض صادق الصائغ، كان العزيز الراحل (أبو سعد) قد فاتح العزيز عبد الإله عبد القادر حول الأمر، فما كان مني إلا التأييد. لكن الأمور تغيرت فلم يُقم معرضي ولا معرض صادق، لأن الذي حل محل مدير المؤسسة الأستاذ عبد الإله عبد القادر، قد حذف البرنامج المعد من سلفه ليعمل برنامجاً يناسب توجهه كعادة حكامنا فهم يجبّون ما قبلهم.
اتصل بي صادق مرة طالباً مني حذف مساهمته من الفيديو الذي صوّر الندوة التي أقيمت لتأبين الفنان الكبير محمود صبري، فقلت له: كيف يمكنني حذفك من الفيديو وأنت تظهر جالساً في وسطنا على المنصة؟ وكنت وقتها أدير تلك الندوة، وحاولت إقناعه بصعوبة ذلك، لكنه بدل أن يتفهم الأمر -وهو العارف بأمور المونتاج نسبياً- ثار وغضب وأخذ يكيل الاتهامات ويصفني بالجمود والتخلف وعدم التعاون، وبعد فترة اتصل بي معتذراً وأن أسامحه، وعذره أنه كان متعباً ويمر في ظروف صحية صعبة، حين ذاك.
انقطعت بعض الوقت علاقتي به بسبب مكالمة حدثت معه وشخصية أخرى كنت حاضراً بها من خلال التلفون الذي كنا نتكلم فيه، إذ اتصلت به تلك الشخصية ويبدو من خلال اللابتوب، فطلب مني أن أنتظر لحظة ولكنه نساني وتحدث مع المتصلة به وأنا أسمع، وكان الموضوع عن معرض لعفيفة في لندن الذي لم تحضره أصلاً فاستغربا لعدم دعوتهما للمعرض وجرهما الحديث إلى آل لعيبي وبدأ القصف المدفعي علينا من الطرفين – نيران صديقة – ولما أصبح الصلي أعلى من اللازم قفلت السكة وقررت أن أقفل معه علاقتي أيضاً، فهناك حساسية شبه مرضية لدى العديد من مبدعينا، فأقل سهو أو عدم إعطاء اهتمام أو عناية لأحدهم تنقلب الدنيا ولا تقعد فتتغير الموازين والقيم وحتى المواقف، مع أن عفيفة لم تدعُ أحداً بسبب عدم حضورها أصلاً وكنت من ضمن من لم يُدعَوا للمعرض، لكني ذهبت طبعاً. والتقيته في تشييع الفنان الصديق هاني مظهر وأراد تحيتي، فرفضت مصافحته وقرعته على ما قام به وطلبت منه أن لا يكلمني أو يتصل بي بعد الآن. لكنني بعد مدة علمت أنه راقد في المستشفى، ولمت نفسي لعدم زيارته، فذهبت له ولما رآني قال وهو مبتسم: أعرف قلبك طيب ولن تنساني. فعادت المياه إلى مجاريها الطبيعية. وصار هو من يكلمني بين فترة وأخرى.
حاولنا في منظمة الحزب إقامة حفل تكريم له عدة مرات، وبعد الاتفاق على الموعد وحتى الأسماء المقترحة للتحدث عنه. وقبل أن يحين موعد التكريم، يعتذر لنا بسبب وضعه الصحي وغيرها من الأعذار وكذا الحال في المقهى الثقافي العراقي، إذ نتفق معه ولكنه يزوغ ويتملص بطرق مختلفة، هل كان اعتذاره لاعتقاده أن ذلك سيؤخر معاملة التقاعد التي ينتظر الموافقة عليها؟ لا أعلم حقاً.
صادق كان يريد أن يكون مختلفاً ومميزاً وواحد زمانه، لكن الظروف والإمكانيات وكل الذي جرى له منعته من تحقيق ذلك.
لا أعرف كيف نضع صادق وفي أي خانة من خانات الإبداع، فهو قد مارسها كلها تقريباً وقدم ما كان بوسعه تقديمه، ولكني أبصم له بالعشرة في موضوع الخط، وخاصة تصميم العناوين التي تخص أسماء الصحف أو المؤسسات، وكذلك في العديد من خطوطه المبهرة للعناوين ولبعض المقولات التي خطها يراعه، وكذلك في تميزه في كتابة القصائد الشعرية ومحاولته الابتعاد عن السائد، وفي مقالاته التي تتابع النشاطات الثقافية، ولا أنسى قيمة برنامجه الثاني الذي حرّك الساكن في الفضاء التلفزيوني العراقي.
سيبقى معنا فهو جزء من النسيج الثقافي العراقي الذي مرّ عليه كل ما مرّ على العراق وشعبه وتاريخه.
نخلة عراقية أعطت ما استطاعت وأضافت للعطاء النبيل لبلدها وبكل تفانٍ.