د. أحمد عبد الرزاق شكارة.. جريدة المدى
في تقديري المتواضع نحن على أعتاب مرحلة تحديات كبرى ستوصل الولايات المتحدة وايران لمرحلة جيوسياسية حرجة ولكنها حيوية لإنتهاء الحرب تنطلق اساسا من مذكرة تفاهم تتضمن 14 بندا سسيتم توقيعها خلال الايام المقبلة (قد يكتفى بالتوقيع الالكتروني). لعل الهدف الاساسي هو وبلا شك التوصل للصيغة الختامية لإتفاق يعرف إسلام آباد كناية عن دور باكستان الواضح في بلورة الخطوط العريضة للوساطة الناجحة التي اسهمت بها ايضا بحدود معينة كلا من دولة قطر ومصر. المذكرة لن تتجاوز صفحتين هي عبارة عن خارطة طريق هدفها الإساسي إنهاء الحرب بدءا من وقف فوري لإطلاق النار على كل الجبهات بضمنها الجبهة اللبنانية التي لايبدو أن اسرائيل – نتنياهو في وارد ايقافها اللهم بإستثناء بيروت والضاحية وبشروط قاسية على اقليمي الجنوب والبقاع. لاشك أن زمن الهدن الوقتية القصيرة نسبيا لم يعد مقبولا للجانبين بسبب تصاعد الكلف المادية والبشرية للحرب التي امتد آوارها بعيدا عن منطقتي الشرق الاوسط والخليج العربي إلى أصقاع العالم حيث تعيش شعوب الدنيا معاناة إنسانية شديدة الوطئة نابعة من تداعيات الحرب الامريكية – الاسرائيلية التي بدأت في مرحلتها الثانية في ال28 من فبراير 2026 حرب جاءت وسط عملية تفاوض توصل إليها الطرفين الامريكي والايراني لمشروع إتفاق عدته سلطنة عمان إتفاقا ناجحا مقارنة بإتفاق الJCPOA الذي ابرم في تموز / يوليو 2015 في عهد الرئيس باراك أوباما.
لذا تضمنت المذكرة بنود متعددة مهمة جدا منها ما يلي: التزام واشنطن عدم التدخل في الشؤون الداخلية الايرانية واحترام سيادة ايران. هذا وفي ذات المرحلة الاولى للتوقيع قبل الانتقال لمرحلة التفاوض النهائي التي ستستمر 60 يوما يفترض أن تنهي ايران اغلاق مضيق هرمز الستراتيجي مع السماح للسفن المدنية – التجارية بالمرور الملاحي الحر دون رسوم ومع جهود تقنية امريكية — ايرانية –اوروبية (بريطانية – فرنسية لإزالة الالغام). بالمقابل وبالتزامن تلتزم واشنطن رفع الحصار البحري الكامل عن المؤاني الايرانية خلال 30 يوما. أكثر من ذلك على الولايات المتحدة الامريكية أن تسحب قواتها من المحيط الجيوسياسي لإيران. لعل من الامور التي تعتقدها ايران جوهرية وبالتالي لابد ان تتم قبل وعقب التفاوض في المرحلة النهائية مسألة الاستعادة التدرجية لاموالها المجمدة في عدد من البنوك الاجنبية تصل قيمتها ما يقارب 24 مليار دولار خلال فترة ال60 يوما. على أن يكون نصف المبلغ متاحا عقب التوقيع على مذكرة التفاهم مباشرة. ضمن هذا السياق تتجه الانظار نحو قيام إدارة ترامب تعليق العقوبات المفروضة على بيع النفط والمنتجات البترو كيميائية ومشتقاتها، مع تمكين ايران من الوصول الكامل إلى مواردها أو اصولها المالية. علما بإن محورا ماليا آخر سيخضع هو الاخر للتفاوض في المرحلة الثانية عنوانه تخصيص مبلغ مهم جدا لإعادة الاعمار في ايران تتكفل به الادارة الامريكية وحلفائها. لعل من المناسب الاشارة إلى أن واشنطن ستتعهد من طرفها بعدم زيادة قواتها في المنطقة وعدم فرض عقوبات جديدة. على ايران. ترتيبا على ذلك يمكن القول أن تعهدات واشنطن ستكون متلازمة مع تعهدات ايران وبحق لو التزم بها حقيقة ستؤسس لمحيط تسوده الثقة بين الجانبين الامريكي والايراني الذي سيفتح ابواب للتعاون الستراتيجي – الاقتصادي المتبادل بين ايران وواشنطن؟؟. ولكن لايبدو لي أن الامر بهذه السلاسة واليسر خاصة وأن المرحلة الثانية للتفاوض ستتركز حول جملة قضايا حيوية منها ما يلي:
الشأن النووي الايراني ستتفرع عنه عدة قضايا وتساؤلات ابرزها من الجانب الايراني ضرورة إنهاء كافة العقوبات الاولية والثانوية، فضلا عن إلغاء قرارات مجلس الامن ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة النووية. السؤال الحيوي هل ستقبل واشنطن بذلك خاصة وانها وعدت مؤيدها في التصدي للبرنامج النووي الايراني بصورة ستخرج بإتفاق أكثر صلابة، جدية وصرامة تجاه النظام السياسي الايراني من إتفاق تموز /يوليو 2015 المعروف ب(JPCOA) في عهد باراك أوباما. صحيح أن واشنطن قد استلمت تأكيدا واضحا من ايران أنها لن تلج للبعد النووي العسكري ولا بأي شكل او صورة متصورة مجددة التزامها بفتوى المرشد الاعلى على خامنئي الذي قتل في اول ايام الحرب والتي أكدت مرارا عدم اللجوء للخيار النووي العسكري مضافا إلى استمرار الالتزام بكافة شروط معاهدة عدم الانتشار النووي The Nuclear Non – Proliferation Treaty إلا انه ومن جانب آخر ما فتئت طهران تصر على إنها لن تتنازل عن حقها السيادي في التخصيب حتى وإن كان بالنسبة ذاتها التي وردت في اتفاق 5+1 (الاعضاء الدائميون في مجلس الامن مضافا لهم المانيا) المشار إليه ب JPCOA وهي نسبة 3.67% او اقل. أي هل ستقبل واشنطن بأن تمتلك إيران برنامجا سلميا للتخصيب النووي أو بنسبة تخصيب جد متدنية تحت اشراف الوكالة الدولية للطاقة النووية.؟ تساؤل مشروع بحق ايضا. علما بإننا امام ضرورة اتهاء حالة عدم الثقة ما يستوجب النظر في سياق آخر مكمل إن لم يتم بحثه بشكل دقيق وواضح سيؤدي بنا إلى مزيد من الغموض، التردد أو الدخول في معترك التصعيد او التخفيف وفقا لما يعتقد أنه يقع في مصلحة الدولة أو الدول الثلاث المعنية (الولايات المتحدة الامريكية، دولة لكيان الصهيوني وايران). الاكثر حراجة لواشنطن تكرارها اعلان عازمها على استرداد كامل كمية المواد المخصبة من اليورانيوم 440 – 460 كيلو غرام والتي يراد أن تخفف لدرجة كبيرة جدا؟ ولكن كيف ومتى؟؟ كلها تساؤلإت مشروعة لن تنتهي دون الاهتمام الجدي و السريع بضرورة النجاح في استدامة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري الامريكي على المؤاني الايرانية لإن لها علاقة مباشرة بإسعار النفط صعودا وهبوطا وهي مسألة بإنتظار توافر ضمانات اقليمية ودولية (بخاصة من قبل الادارة الامريكية) دونها ستعاني الشعوب والدول من مستقبل كئيب ومظلم للنظام الاقتصادي والمالي الدولي الجديد. كما أنه وبنفس الوقت سيقلص كثيرا من دور المضيق جيوسياسيا وربما اقتصاديا مستقبلا ما يستدعي بالفعل توافر رؤئ استراتيجية ناجعة لإيجاد خطوط أخرى للملاحة الحيوية وهي ليست بالامر الهين او الميسور أو تاسيس شبكة انابيب للنفط وللغاز الطبيعي عبر دول الشرق الاوسط الرئيسة بخاصة تركيا،المملكة العربية السعودية، مصر وسوريا. الاشكال دوما سيكون في دور اسرائيل المعرقل للمصالح الاقليمية والدولية التي لاتتفق مع الكيان الصهيوني في مخططه التوسعي إقامة اسرائيل الكبرى ما قد يتسبب بأزمات جيوسياسية – اقتصادية للمحيط الاقليمي انطلاقا من بلاد الشام مرورا بالعراق والجزيرة العربية – وعموم منطقة الخليج العربي ألامرالذي سيؤدي لإزمات عالمية كبرى على الصعد الجيوسياسية والاقتصادية بحاجة لحلول جماعية مستدامة آمنيا – اقتصاديا وبيئيا. من هنا، على الصعيد الاقليمي والدولي في الاماد القريبة – المتوسطة العالم بحاجة لحرية ملاحة آمنة مستقرة عبر مضيق هرمز على الاقل لحين إيجاد بدائل الخطوط الملاحية والبرية لامدادات النفط والغاز الطبيعي. دون ذلك سنرى شعوب العالم تعاني من أزمات خطيرة اقتصادية – مالية ومجتمعية وبيئية بل وسياسية أمنية ايضا. إن دورا أمميا فاعلا يضحى مسألة حيوية لتجنب المخاطر المستقبلية غير المتيقن منها. مثالا واحدا ربما يستدعي الانتباه في الامد المنظور، بعض الاحصائيات تشير إلى أنه مع استمرار غلق المضيق اوحتى مع فتحه بصور مفاجئة محدودة فإن حوالي 45 إلى 50مليون شخص سيتعرض للمجاعة كنتيجة لإفتقاد الكميات المطلوبة من المخصبات الزراعية التي إن لم تتوفر ستنخفض غلال الانتاج الزراعي. هذا غير مسائل أنقطاع مواد استراتيجية – تقنية تسهم بالصناعات الالكترونية او لها علاقة بالذكاء الاصطناعي او الاقتصاد الرقمي او السايبري.