
بند جديد في مشروع الدفاع الأميركي
وأقرت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ نسختها من مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للعام 2026، متضمنة بنداً ينص على ضرورة عمل الحكومة السورية على نزع سلاح جميع المقاتلين الأجانب كشرط أساسي لأي دعم دفاعي أو تعاون عسكري مستقبلي مع الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من أن التعديل لا يزال في مراحله التشريعية الأولى، بانتظار استكمال مناقشاته داخل مجلسي الشيوخ والنواب، فإن إدراجه ضمن مشروع القانون يعكس تنامي الاهتمام داخل الكونغرس بالملف السوري، ومحاولة وضع ضوابط إضافية على شكل العلاقة المستقبلية مع دمشق.
ووفق متابعين للشأن الأميركي، فإن الخطوة الحالية لا تمثل قراراً صادراً عن الإدارة الأميركية، إنما تأتي في إطار المسار التشريعي داخل الكونغرس، حيث يسعى عدد من المشرعين إلى فرض شروط رقابية وسياسية على أي انفتاح محتمل تجاه سوريا.
ويقول مالك فرانسيس، وهو عضو في الحزب الجمهوري من واشنطن، لـِ “المدن”، إن “هذا التوجه لا يبدو مجرد تفصيل تقني داخل مشروع موازنة، بل يعكس رؤية أمنية – سياسية أوسع داخل دوائر القرار الأميركي، تقوم على فكرة أن الاستقرار في سوريا لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة ملف الفصائل المسلحة غير السورية، التي تُعتبر في واشنطن عاملاً مزعزعاً للاستقرار ومصدراً محتملاً لامتداد النزاعات الإقليمية”.
ويرى فرانسيس أن إدراج هذا الشرط في مشروع الموازنة الدفاعية “يعني عملياً أن الكونغرس يسعى إلى تحويل قضية المقاتلين الأجانب من ملف تفاوضي سياسي إلى شرط أساسي لأي انخراط عسكري أو أمني مع دمشق”، مضيفاً أن “هذا يعكس حذراً أميركياً واضحاً تجاه إعادة تأهيل المؤسسات العسكرية السورية دون وجود ضمانات تتعلق ببنية القوى المسلحة على الأرض”. ويشير إلى أن الملف “يتداخل مع اعتبارات مكافحة الإرهاب وإعادة تشكيل المشهد السوري بعد الحرب”، موضحاً أن بعض المشرعين ينظرون إلى المقاتلين الأجانب كـ”عنصر شديد الحساسية”.
ويقول: “إذا تم اعتماد هذا الاتجاه بشكل نهائي، فقد يؤدي إلى إعادة ترتيب أولويات الأمن الداخلي السوري وفتح مسارات تفاوض غير مباشر حول مستقبل هذه الفصائل، لكن في المقابل يظل السؤال المطروح هو آليات التنفيذ وتعريف المقاتلين الأجانب عملياً”.
مخاوف أميركية مستمرة
ويشير التحرك الأخير داخل مجلس الشيوخ الأميركي، إلى استمرار المخاوف الأميركية من تداعيات بقاء هؤلاء المقاتلين في المشهد السوري.
وتتركز هذه المخاوف حول احتمالات تسلل العناصر المتشددة، وانعكاسات ذلك على أمن الأقليات، إضافة إلى التأثيرات المحتملة على استقرار سوريا ودول الجوار، فضلاً عن ارتباط الملف بجهود مكافحة تنظيم “داعش” ومنع ظهور بؤر جديدة للتطرف.
وفي حال تحول التعديل إلى قانون نافذ، فإن شرط نزع السلاح لن يقتصر تأثيره على الجانب السياسي، بل سيمتد إلى مختلف أوجه التعاون الدفاعي بين البلدين. ويشمل ذلك برامج التدريب وإعادة بناء القدرات العسكرية السورية، والمساعدات المتعلقة بالمعدات الدفاعية وأنظمة الاتصالات، إضافة إلى التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات بشأن التهديدات الأمنية، وعلى رأسها نشاط تنظيم “داعش” وأمن الحدود.
ويقول زياد صافي، وهو خبير في الأمن القومي الأميركي، لـ”المدن”، إن “هناك لجاناً في الكونغرس تطالب بنزع السلاح وتنظيم وجود المقاتلين الأجانب والقوات المسلحة الرديفة. وفي الوقت الراهن، قد يتمكن الرئيس دونالد ترامب من استخدام صلاحياته التنفيذية، ولا سيما أن هذه هي سنته الأولى، لكن على المدى الطويل يبقى الكونغرس هو الجهة التي تضع السياسات العامة”.
ويضيف صافي “في حال قررت الولايات المتحدة إقامة شراكة أمنية أو عسكرية مع سوريا، فمن المرجح أن تبدأ بتقديم الدعم والمساعدة، لكن أي تمويل أو مساعدات ستكون مشروطة بمعايير محددة”.
وتابع: “عادةً، عندما تقوم الولايات المتحدة بتدريب الجيش السوري، فإن التدريب يكون مخصصاً للمواطنين السوريين، ولا يشمل أشخاصاً من جنسيات أخرى. كما أن التراخيص التي تمنحها الولايات المتحدة للدولة السورية تفرض قيوداً واضحة، إذ لا يمكن لدمشق، على سبيل المثال، أن تستخدم أسلحة أميركية لتدريب أو تسليح مقاتلين أجانب، كأشخاص قادمين من منطقة القوقاز، لأن ذلك يعد أمراً محظوراً”.
تحديات أمام دمشق
ويضع التطور الجديد الحكومة السورية أمام تحديات معقدة، في ظل وجود مقاتلين أجانب شارك بعضهم في العمليات العسكرية التي أدت إلى إسقاط نظام الأسد السابق، قبل أن ينخرطوا لاحقاً ضمن تشكيلات الجيش الجديد.
وتبدو الخيارات المتاحة أمام دمشق محدودة بين البحث عن ترتيبات تفضي إلى إعادة هؤلاء المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية، أو منح بعضهم وضعاً قانونياً مدنياً مقابل التخلي عن السلاح، إلى جانب تعزيز آليات الرقابة وتقديم تطمينات للمجتمع الدولي بشأن مستقبل هذا الملف.
ويأتي التحرك الأميركي الجديد ضمن مراجعة أوسع للسياسات المتعلقة بالشرق الأوسط، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى الحفاظ على مصالحها الأمنية ومواجهة النفوذ الروسي ومتابعة ملفات الإرهاب.
ويقول الباحث السياسي في مركز الحوار السوري محمد سالم، لـِ “المدن”، إنه “حتى الآن لا توجد صياغة نهائية لمسودة القانون، وما زال هناك أخذ وردّ حول هذا الموضوع وآليات تطبيقه، إلا أن هذه المسألة تمثل، بلا شك، أولوية مهمة بالنسبة لواشنطن”.
ويضيف سالم، أن “هناك عاملاً مؤثراً، وإن كان غير ظاهر بشكل مباشر، في رسم بعض جوانب السياسة الأميركية تجاه سوريا، ويتمثل في نفوذ الجهات والجماعات المؤيدة لإسرائيل داخل دوائر صنع القرار الأميركية، فبعض هذه الجهات لا تنظر بارتياح إلى الحكومة السورية الحالية، وتبدي تحفظات على أي تقارب أو تعاون متزايد بين واشنطن ودمشق”.
وفي حين لا تزال التعديلات المطروحة بحاجة إلى المرور بالمراحل التشريعية اللاحقة داخل الكونغرس، فإن الرسالة التي حملها البند الجديد تبدو واضحة: أي انفتاح دفاعي أميركي على سوريا سيكون مرتبطاً بمعالجة ملف المقاتلين الأجانب، بما يجعل هذا الملف واحداً من أبرز مفاتيح العلاقة بين البلدين في المرحلة المقبلة، ويضيف تحدياً جديداً أمام دمشق وهي تسعى لإعادة بناء علاقاتها مع الغرب وترسيخ استقرارها الداخلي.