تتناول هذه الدراسة التحوّل المفاهيمي الذي طرأ على مفهوم “الشمولية” في أعمال حنّة أرندت، ولا سيما في “أصول الشمولية” (1951)، وتجادل بأن هذا التحوّل لا يمكن فهمه إلا في ضوء السياق الأيديولوجي للحرب الباردة. فبينما كانت أرندت في كتاباتها المبكرة، وتحديدًا في الجزأين الأولين من “أصول الشمولية”، تربط النازية ربطًا وثيقًا بالإمبريالية والاستعمار والعنصرية الأوروبية، فإن الجزء الثالث من الكتاب يمثّل قطيعة منهجية، حيث يُعاد تعريف الشمولية بوصفها ظاهرة نفسية– أيديولوجية مستقلة، تقحم تحت مظلتها كلا من الستالينية والنازية معا، ضمن تماثل تصنيفي واحد. وتُظهر الدراسة أن هذه القطيعة عملت على تبرئة ضمنية وظاهرة للغرب الليبرالي الإمبريالي، وإلى إزاحة مركز الثقل من تاريخ العنف الاستعماري إلى مقاربة اختزالية تجرّم الثورة والتحرّر الوطني.
أما في الجزء الثاني فسأتناول تحوّل فكر حنّة أرندت في موضوع الثورة، خاصة في كتاب “في الثورة”، وأبين بأن هذا التحوّل يتجه نحو موقف ليبرالي– أطلسي يجرّد الثورات المناهضة للاستعمار من شرعيتها ويبرّر التاريخ الإمبريالي الأميركي. كما سوف نرى كيف أن أرندت تعيد تعريف الحرية بشكل يَفصلها عن العدالة الاجتماعية والسياق الاستعماري، مما يحصر مفهوم الثورة ضمن نموذج غربي معياري.
الشمولية وتحولاتها في فكر أرندت
1. الشمولية قبل الحرب الباردة: اسمٌ للعنف الإمبريالي
لم يكن مفهوم “الشمولية” في أربعينيات القرن العشرين مصطلحًا تقنيًا محايدًا، بل استُخدم في الخطاب السياسي والفكري، ولا سيما المناهض للاستعمار، للدلالة على القوة العنيفة الشاملة التي تمارسها الإمبراطوريات على الشعوب المستعمَرة. وقد عبّر مفكرون ومناضلون مثل ويليام إدوارد بورغهارت دو بوا وآسا فيليب راندولف عن هذا الفهم حين ربطوا بين النازية الأوروبية وأنظمة التفوق الأبيض والاستعمار الغربي، معتبرين أن ما جرى في ألمانيا لم يكن قطيعة حضارية، بل عودة العنف الاستعماري إلى المركز الأوروبي. وهكذا يقرن دو بوا الدولة العنصرية التي كان هتلر يبنيها في ألمانيا بتلك التي كانت قائمة منذ فترة طويلة في جنوب الولايات المتحدة، ونظام التفوّق الأبيض والهيمنة الاستعمارية والعرقية التي أنشأها الغرب بأكمله في مختلف أنحاء العالم1. في تلك السنوات، وصفت أرندت الإمبريالية بعين ثاقبة، مركزة على الأيديولوجيا العنصرية بالإضافة إلى الرايخ الثالث، وذريعة تقسيم البشرية إلى “أعراق متفوقة ودنيا”، “إلى أعراق سادة وعبيد، إلى سلالات أعلى وأدنى، إلى ملونين ورجال بيض”. لقد دفعت “عبادة العرق” الإمبريالية البريطانيين إلى تعريف أنفسهم بأنهم “بيض” ثم دفعت الألمان إلى تسمية أنفسهم “آريين”؛ ولقد أوضح هذا “جرائم الإمبريالية الحديثة”2. ضمن هذا السياق، كانت الشمولية تشير لديها إلى نمط حكم يقوم على نزع الإنسانية، والتقسيم العرقي، والتعامل مع البشر بوصفهم مادة قابلة للإدارة والإبادة، وهي سمات وُجِدت أولًا في المستعمرات قبل أن تظهر في أوروبا ذاتها.
2. أرندت المبكرة: النازية بوصفها ذروة الإمبريالية العنصرية
تندرج كتابات أرندت خلال الحرب العالمية الثانية، وكذلك الجزآن الأولان من “أصول الشمولية”، ضمن هذا الأفق التحليلي. فالنازية تُقدَّم هنا بوصفها أقصى تعبير عن الإمبريالية العنصرية الحديثة، حيث تُنقل تقنيات السيطرة الاستعمارية – الإدارة المطلقة، الحكم خارج القانون، والعنصرية البيولوجية- إلى قلب أوروبا.
ويكتسب تحليل أرندت للإمبراطورية البريطانية أهمية خاصة هنا؛ إذ تُظهر أن المستعمرات كانت مختبرًا لسلطة غير مقيّدة، وأن البيروقراطية الإمبريالية – كما في حالة اللورد كرومر-جسّدت شكلًا مبكرًا من “تفاهة الشر”. في هذا الإطار، لا تبدو النازية انحرافًا عن الحداثة الليبرالية، بل استمرارًا متطرّفًا لتقاليدها الإمبريالية. وهكذا نجدها تقرر: إن الإمبريالية، التي ظهرت على الساحة لأول مرة في أواخر القرن الماضي، أصبحت اليوم الظاهرة السياسية المهيمنة. لقد كشفت الحرب التي خاضتها على نطاق كارثي عن الميول الانتحارية المتأصلة في كل سياسة إمبريالية ثابتة. ولكن الدوافع الرئيسية الثلاثة للإمبريالية ــ القوة من أجل القوة، والتوسع من أجل التوسع، والعنصريةــ لا تزال تحكم العالم3.
لقد بدا لها في حينه، أن تفاهة الشر قد وجدت أول تجسيد لها في “البيروقراطي الإمبريالي” البريطاني، وهو التجسيد الذي “في لا مبالاته وعزلته، وفي افتقاره الحقيقي إلى الاهتمام برعاياه” ، وكذلك في “فلسفة البيروقراطي” في “حكومة لا مرجعية قضائية لها”، تفاهة الشر التي هي “أكثر خطورة من العجز غير المنظم لكل أولئك الذين تحكمهم إرادة وتعسف رجل واحد طاغية”4.
وهذا الشكل من أشكال الحكم الذي تجاوز الاستبداد التقليدي يذكرنا بالشمولية. ففي البداية، كانت أرندت تميل إلى استخدام مقولة الشمولية لتحديد العلاقة بين النازية والاستعمار. وكان النموذج الأول للسلطة الشمولية يُمارَس على الشعوب المستعمرة، التي تم نزع صفة الإنسانية عنها من خلال الأيديولوجيا العنصرية، وإبادتها واستعبادها.
3. قطيعة منهجية في الجزء الثالث من “أصول الشمولية”
غير أن هذا الإطار التحليلي يتغيّر جذريًا في الجزء الثالث من الكتاب. فبعد أن كانت قد رأت في الرايخ الثالث “إمبريالية عنصرية”، وهي إمبريالية أحضرت إلى أقصى حد المكونات العنصرية للسيطرة الاستعمارية والخضوع المفروض على الشعوب و”الأعراق” التي تعتبر أدنى أو تتوقف عند مرحلة بدائية من التطور الاجتماعي، أي بعد أن رأت في الرايخ الثالث باعتباره أعلى مرحلة من مراحل الإمبريالية! فإن الشمولية لاحقا تُعاد صياغتها على يدها بوصفها نظامًا أيديولوجيًا مغلقًا، يقوم على الجنون، والارتياب، وازدراء الواقع. وضمن هذا التصنيف الجديد، تُدرَج الستالينية والنازية في علاقة تماثل، تُبنى – كما أشار عدد من المؤرخين- على مقارنات ميكانيكية تفتقر إلى أساس تاريخي متماسك. إنها تتنازل عن هذه الرؤية التي ألهمتها سابقا، في السنوات التي أعقبت النضال ضد النازية، وكانت مصادرها لا تزال واضحة في الجزأين الأولين من كتاب “أصول الشمولية”، فأصولها هي الإمبريالية والاستعمار؛ لقد كانت العمليات التي شاركت فيها الإمبراطورية البريطانية والقوى الغربية الأخرى هي التي لعبت دورًا رئيسيًا في نشأة النازية وتطورها!
لكننا الآن وعندما ندخل ألمانيا هتلر و”المجتمع الشمولي”، يكون لدينا انطباعٌ بدخول عالم من الجنون. إن هذا ليس فقط لأن “العقاب يُفرض دون ارتباط بالجريمة”، بل لأنه: عالم الموتى، حيث يتم تعليم الرجال أنهم زائدون عن الحاجة من خلال أسلوب حياة يتم فيه فرض العقاب بدون ارتباط بالجريمة، هنا يمارس الاستغلال بدون ربح، ويتم أداء العمل بدون إنتاج، هذا هو المكان الذي يتم فيه إنتاج العبث يوميًا من جديد… إن الفطرة السليمة المدربة على التفكير النفعي عاجزة ضد هذا التجاوز الأيديولوجي، لأن الأنظمة الشمولية تنشئ عالمًا لا معنى له، عمليًا5.
| الشمولية تُعاد صياغتها على يدها بوصفها نظامًا أيديولوجيًا مغلقًا، يقوم على الجنون، والارتياب، وازدراء الواقع. وضمن هذا التصنيف الجديد، تُدرَج الستالينية والنازية في علاقة تماثل |
لكن الوقائع تشير إلى أنه ومن خلال حرب الإبادة والاستعباد التي شنها هتلر في شرق أوروبا، بدأ في تحريك تجارة الرقيق العملاقة، التي خدمت على نحو رائع تغذية إنتاج السلع والأسلحة لألمانيا في الحرب. فلم تكن سياسات الرايخ الثالث تعبيرًا عن الجنون المحض، تمامًا كما لم تكن تجارة الرقيق، ولا توسع جمهورية أميركا الشمالية من محيط إلى آخر، ولا كانت الحروب الاستعمارية بشكل عام، تعبيرًا عن الجنون المحض. وهكذا فإننا نجد أن حنة أرندت تنزلق إلى الانضمام إلى تقليد فكري، كان قد سبقها إلى التحدث صراحة بمصطلحات عقلية- نفسية، عند الإشارة إلى ثورات عام 1848 أو كومونة باريس، تقليدٌ قرأ الأزمات التاريخية الكبرى باعتبارها انفجارات جنونية انخرطت في انتقادات جذرية للنظام القائم، باعتبارها تعبيرات عن الافتقار إلى الحس السليم والانفصال المرضي عن الواقع.
بهذا التحول، تُفكّك الصلة التي كانت أرندت نفسها قد أقامتها سابقًا بين النازية والإمبريالية، ويجري استبدال التفسير التاريخي– البنيوي بمقاربة نفسية– مرضية، تُحوِّل الشمولية إلى ظاهرة استثنائية منفصلة عن سياقها التاريخي – الموضوعي والاستعماري.
4. النتائج الأيديولوجية: تبرئة الاستعمار وإدانة التحرّر
تترتب على هذه القطيعة نتائج سياسية ومعرفية عميقة. فحين تُنزَع الشمولية من تاريخ الإمبريالية، يصبح الغرب الليبرالي – بما في ذلك القوى الاستعمارية القائمة آنذاك- جزءًا من “العالم المناهض للشمولية”. في المقابل، تُلقى الشبهة على الشعوب المستعمَرة نفسها، التي تُصوَّر بوصفها “مادة بشرية فائضة” قابلة للشمولية بسبب كثافتها السكانية أو “تقاليدها الشرقية”. وهكذا نجدها تقرر في الجزء الثالث من “الشمولية” بأن: فرص الحكم الشمولي تكون جيدة بشكل مخيف، في أراضي الاستبداد الشرقي التقليدي، في الهند والصين، حيث توجد مادة لا تنضب تقريبًا تغذي آلة مهيمنة بالكامل، تراكم السلطة وتدمر الإنسان، وحيث، علاوة على ذلك، يسود الشعور النموذجي للإنسان العادي بالتفاهة وعدم الأهمية ــ وهي ظاهرة جديدة تمامًا في أوروبا، وتزامنت مع البطالة الجماعية ونمو السكان في السنوات المائة والخمسين الماضيةــ طوال قرون من ازدراء قيمة الحياة البشرية.
وهكذا، تنزلق المقاربة من نقد العنف الاستعماري إلى إعادة إنتاج بعض مسلّماته الأيديولوجية، والاستشراقية على سبيل التعميم، حيث تُحمَّل الضحية مسؤولية البنية التي قُمِعت في ظلها. ويكشف هذا التحول عن تكيّف واضح مع مناخ الحرب الباردة، الذي سعى إلى مساواة الشيوعية بالنازية، مع تحييد الاستعمار بوصفه مسألة ثانوية أو منتهية، قد جرى تجاوزها.
وكما يُبيّن إنزو ترافيرسو، وهو مؤرخ إيطالي، تم تحويل الشمولية إلى نموذجٍ تجريدي، نمطي، “يطمس الفوارق بين تجارب تاريخية متباينة جذريًا”6 ويُفضي إلى تماثل تصنيفي لا يستند إلى تحليل تاريخي سياقي. ويُظهر ترافيرسو أن “مساواة النازية بالستالينية ليست نتيجة تحليل تاريخي محايد، بل ثمرة سياق أيديولوجي محدَّد هو سياق الحرب الباردة، حيث غدا مفهوم الشمولية أداةً لإعادة تنظيم الذاكرة السياسية الأوروبية”7. لسنا، إذًا، أمام نتيجة تقوم على مقارنة علمية محايدة. وفي مقابل هذا التماثل، يعيد ترافيرسو ربط العنف النازي بجذوره الإمبريالية، معتبرًا أن الإبادة ما هي إلا “عودةً إلى القارّة الأوروبية لأساليب العنف التي طُوِّرت في الفضاءات الاستعمارية”8، ومشدّدًا على ضرورة التمييز بين منطق الإبادة العرقية ومنطق القمع السلطوي داخل أفق ثوري.
ومن ثم فإن معالجة حنّة أرندت للستالينية في الجزء الثالث من كتابها تشكل نقطة تحوّل منهجية حاسمة في مسار تفكيرها، لا يمكن اختزالها في مجرّد توسيع مقارن لمفهوم الشمولية، بل ينبغي قراءتها بوصفها إعادة ضبط جذرية لإطار التحليل نفسه. فبينما كانت أرندت في تحليلاتها السابقة – وخاصة في تناولها للنازية- تُدرج الظاهرة ضمن تاريخ الإمبريالية، والعنصرية، وانهيار الدولة القومية، فإن مقاربتها للستالينية تقوم على إزاحة هذه الخلفية التاريخية–الاجتماعية لصالح نموذج تفسيري ذي طابع أيديولوجي– نفسي.
تتمثّل هذه الانعطافة أولًا في فكّ الارتباط بين الستالينية وسياقها التاريخي المحدّد. فبدل تحليلها بوصفها نتاجًا لتاريخ روسيا القيصرية، والحرب الأهلية، والتدخّل الإمبريالي، والتخلّف البنيوي الموروث، يجري التعامل معها كـ”نظام شمولي مكتمل” منذ ولادته، تُعرَّف سماته الأساسية انطلاقًا من منطق أيديولوجي مطلق، لا من شروط نشأته الاجتماعية والسياسية. وبهذا، تُنزَع الستالينية من مجال التاريخ الاجتماعي، وتُدرَج في فضاءٍ تجريدي تُقارَن فيه مباشرةً بالنازية، على أساس تشابهات بنيوية مُفترضة (الحزب الواحد، الإرهاب، المعسكرات). وتغدو الستالينية بهذا جوهرًا قائمًا بذاته خارج التاريخ والجغرافيا.
ثانيًا، تقوم هذه الانعطافة على تحويل العنف من علاقة اجتماعية إلى آلية إدارية– تقنية. ففي حين يُفهَم العنف النازي عند أرندت المبكرة بوصفه امتدادًا لتقنيات السيطرة الاستعمارية، فإن العنف الستاليني يُقدَّم بوصفه نتيجة منطق داخلي مغلق للأيديولوجيا، أي باعتباره أثرًا لهيمنة فكرة شمولية لا تقبل التحقّق، قائمة هكذا في ذاتها ولذاتها. هذا التحويل يُفضي إلى تجريد العنف من طابعه الطبقي والتاريخي، وإعادة تفسيره بوصفه تجلّيًا لمرض نفسي سياسي عام، لا بوصفه تعبيرًا عن صراعات اجتماعية ملموسة.
ثالثًا، تفضي هذه المقاربة إلى تماثل تصنيفي اختزالي بين النازية والستالينية، تماثل لا يُبنى على تحليل تاريخي مقارن دقيق، بل على اشتراكهما في صفات مجرّدة تُعرَّف مسبقًا ضمن مفهوم “الشمولية”. ومن هنا، فإن المقارنة لا تُنتج معرفة جديدة بالظاهرتين، بقدر ما تُعيد تأكيد النموذج النظري نفسه واستحلابه. وقد لاحظ عدد من النقّاد أن هذا التماثل يُفضي إلى طمس الفوارق الجوهرية بين نظام إبادي عنصري ونظام نشأ في سياق ثوري ثم انحرف سلطويًا.
أخيرًا، لا يمكن فصل هذه الانعطافة المنهجية عن سياق الحرب الباردة. فإعادة تعريف الستالينية بوصفها شمولية مُكافئِة أو موازية للنازية سمحت بإعادة تنظيم الخريطة الأيديولوجية العالمية على نحوٍ يُدرج فيه الاتحاد السوفياتي خارج التاريخ التحرّري، ويُدرج الغرب الليبرالي – بما فيه تاريخه الاستعماري – ضمن معسكر “الحرية”. وهكذا، تتحوّل الشمولية من مفهوم نقدي موجّه ضد الإمبريالية والعنصرية إلى أداة إدانة وتصنيف أيديولوجي تُستخدم لنزع الشرعية عن الثورات الاجتماعية، ولا سيما في العالم غير الأوروبي.
وعليه، فإن الانعطافة المنهجية في تناول أرندت الشمولية لا تمثّل مجرّد تطوّر نظري، بل تشكّل إعادة توجيه معرفية ذات رهانات سياسية واضحة، أسهمت في إعادة كتابة تاريخ القرن العشرين على نحوٍ يفصل بين الاستعمار والنازية من جهة، ويُفرغ التجربة الشيوعية من سياقها التاريخي من جهة أخرى.
إذًا، تُظهر لنا هذه القراءة لتطوّر مفهوم الشمولية عند حنّة أرندت أن الإشكال لا يكمن في الاستخدام النقدي الأول للمفهوم، بل في إعادة توظيفه الأيديولوجي في سياق الحرب الباردة، إلى جانب الإزاحة المنهجية التي تطمس العلاقة البنيوية بين النازية والاستعمار، وإلى تقويض إمكان فهم الشمولية بوصفها نتاجًا لتاريخ طويل من العنف الإمبريالي والعنصري. ومن ثمّ، فإن إعادة التفكير في مفهوم الشمولية تقتضي استعادة هذا التاريخ، لا بوصفه هامشًا، بل بوصفه شرطًا تأسيسيًا لفهم العنف السياسي في القرن العشرين.
*****
حنة أرندت الليبرالية، الاستعمار والثورة
يبحث هذا الجزء في التحوّل الذي طرأ على مقاربة حنّة أرندت للثورة في كتاباتها المتأخرة، ولا سيّما “في الثورة”، ويجادل بأن هذا التحوّل يمثّل تموضعًا ليبراليًا- أطلسيًا، يفضي فعليًا إلى نزع الشرعية عن الثورات المناهضة للاستعمار، وتبييض التاريخ الإمبريالي الأميركي. تُظهر المقالة أن أرندت لا تكتفي بنقد العنف الثوري، بل تعيد تعريف الحرية على نحوٍ يَفصِلها تماما عن العدالة الاجتماعية والتاريخ الاستعماري، بما يجعل الثورة مقبولة فقط داخل نموذج سياسي غربي معياري، يتوافق مع رؤية ليس فقط أورو مركزية بل عبر أطلسية.
1. تمهيد: من نقد الإمبريالية إلى معيار ليبرالي للثورة
تميّزت أعمال حنّة أرندت المبكرة بربطٍ واضح بين العنف الحديث والإمبريالية الأوروبية. غير أن هذا الأفق التحليلي يتبدّل في أعمالها اللاحقة، حيث تُعاد صياغة الثورة ضمن معيار ليبرالي يفصل الحرية عن شروطها الاجتماعية والتاريخية. وكنا قد تناولنا هذا الأمر في السطور السابقة. لا يتعلّق الأمر هنا بتطوّر نظري محايد، بل بإعادة تموضع داخل سردية الحرب الباردة، تُجرَّم فيها الثورة حين تتجاوز العتبة الدستورية الغربية، المفترضة.
2. الثورة الأميركية: الحرية بوصفها إقصاءً ناجحًا
تقدّم أرندت الثورة الأميركية في كتابها “في الثورة” بوصفها النموذج الوحيد للثورة الناجحة، لأنها – بحسبها- أسّست الحرية بدون أن تنزلق إلى “المسألة الاجتماعية”9. إنها سرعان ما تضع في الصفحات الافتتاحية لكتابها “في الثورة” تمييزًا حاسمًا بين “الحرية” و”المسألة الاجتماعية”. فالحرية عندها ليست إشباع الحاجات أو تحقيق المساواة المادية، بل تأسيس مجال أو فضاء سياسي جديد تُمارَس فيه المشاركة والفعل العام. وترى أن الثورات تنحرف بقدر ما، وعندما تنتقل من تأسيس الحرية السياسية إلى تسييس الفقر والحاجة؛ لأن الضرورة (الخبز، البؤس) تُخضع السياسة لمنطق الإكراه بدل الفعل الحر. وتُقدّم الثورة الأميركية بوصفها المثال الإيجابي لأنها نجحت في تأسيس مؤسسات الحرية، من دون أن تجعل الفقر محورًا للصراع السياسي، بخلاف الثورة الفرنسية. وتُرسِّخ في هذه الصفحات الإطار المعياري للكتاب كله: الثورة الشرعية هي تلك التي تفصل الحرية عن العدالة الاجتماعية، وتبقى ضمن أفق تأسيسي–دستوري.
هذا الحكم لا يُطرح كتوصيف تاريخي فحسب، بل كقاعدة معيارية لتعريف الثورة الشرعية. غير أن هذه القراءة تقوم على اقتطاعٍ منهجي للتاريخ الأميركي من شروطه الفعلية، أي على قراءة انتقائية واختزالية؛ فالعبودية، والإبادة الاستيطانية، والتوسّع الإمبريالي لا تحتل موقعًا بنيويًا في تحليلها.
لا تتمثّل “الاستثنائية” التي تتمتع بها الولايات المتحدة عند حنّة أرندت في تصريحٍ واحد، بل في بنية تحليلية متماسكة تتكرّر عبر أعمالها. ففي ” أصول الشمولية” تُفهم الإمبريالية بوصفها تجربة أوروبية بعيدة لا تشمل الاستيطان الأميركي؛ وفي “في العنف” يُفصل العنف عن تاريخه الإمبريالي بحيث لا يُقرأ العنف الأميركي كعنف بنيوي؛ وفي مقالتها Reflections on Little Rock تتدخّل أرندت في أزمة دمج مدارس ليتل روك (1957) لتدافع عن تمييزها الصارم بين مجالات السياسي والاجتماعي والخاص. وتنطلق من أن المساواة السياسية تُكفَل بالقانون، أمّا العلاقات الاجتماعية (كاختلاط الأعراق في المدارس) فلا ينبغي أن تُفرض قسرًا من الدولة. وبناءً عليه، تعارض استخدام السلطة الفيدرالية لفرض الدمج، وترى أن هذا المسار يحمّل الأطفال عبء صراع اجتماعي– سياسي لم يُحسم بعد. تكمن مركزية الطرح في تنبيهها إلى مخاطر توسيع سلطة الدولة إلى المجال الاجتماعي، وفي دفاعها عن حرية الأفراد في اختيار دوائرهم الاجتماعية. كما تحاول حماية المجال السياسي من “تسييل” كل النزاعات داخله. لكن حدود هذا الطرح – وهي ما يجعله إشكاليًا- تظهر في ثلاث نقاط رئيسية:
تقليل الطابع السياسي للتمييز العنصري: تعامل أرندت الفصل المدرسي كمسألة “اجتماعية”، بينما كان في الواقع نظامًا قانونيًا– مؤسسيًا (قوانين جيم كرو) يحرم السود من حقوقهم. بهذا الفصل الحاد تُخفي البنية السياسية للعنصرية.
تتجاهل عدم تكافؤ القوة: تفترض حرية “الاختيار الاجتماعي” بين أطراف متكافئة، في حين أن الواقع كان يكرّس تفوقًا أبيض مدعومًا بالقانون والعنف. لذلك يصبح رفض الإكراه الفيدرالي عمليًا تثبيتًا للوضع القائم.
فصل الحرية عن العدالة: بحصر الحرية في المجال السياسي الضيق، تنتهي إلى موقف يرفض أدوات ضرورية لتحقيق المساواة الفعلية (كالإجراءات القسرية المؤقتة)، ما يفضي إلى ليبرالية شكلية لا تعالج جذور الظلم.
وهكذا فإنها تُفكّك العنصرية الأميركية من سياقها التاريخي الاستعماري وتُعيد صياغتها كمسألة اجتماعية داخلية. ضمن هذا النسق، تصبح الإمبريالية “الجريمة الكبرى” التي تُسند إلى أوروبا، بينما تُرفع الولايات المتحدة إلى موقع الاستثناء. وكما تشير باتريشيا أوينز(*)، فإن أرندت، رغم كونها “نظريةً بارعة” فإنها كانت تُصرُّ على أن الولايات المتحدة ليس لها تاريخ من الإمبريالية ذي صلة بعلاقات العِرق داخلها، وأن الإمبريالية كانت “الجريمة الكبرى التي لم تُشارك فيها أميركا قط” 10، وهو موقف يستبعد الولايات المتحدة من التحليل تحت تصنيف الإمبريالية.
وبينما لا تنكر حنّة أرندت وجود العبودية في الولايات المتحدة، إلا أنها لا تُدرجها في أي من أطرها التحليلية الحاسمة. ففي “في الثورة” تُقيَّم الثورة الأميركية بمعزل عن العبودية بما أنها “مسألة اجتماعية” غير داخلة في معيار الحرية. وفي “أصول الشمولية” تُحلَّل الإمبريالية والعنصرية ضمن سياق أوروبي متأخر يستبعد العبودية الأطلسية من تفسير العنف الحديث. أما في “Reflections on Little Rock”، فتُفصل العنصرية المعاصرة عن تاريخ العبودية وتُعاد صياغتها كمسألة اجتماعية داخلية11. هذا الصمت ليس إنكارًا، بل إقصاء تحليليًا منهجيًا يسمح لرحابة صدرها باستثناء التجربة الأميركية من النقد الإمبريالي. ولا يمكن فهم هذا كله إلا بوصفه إنكارًا صريحًا لتاريخ الاستيطان والعبودية والحروب التوسّعية، وهو إنكار شرطٌ لازم لبناء سردية تجعل من الولايات المتحدة، عندها، أفقَ الحرية المعياري.
وعند هذا المستوى من الإنكار والذي يفتقر إلى معيارية منهجية أو أخلاقية، لا مجال للحديث عن الحرب ضد المكسيك وتقطيع أوصال هذا البلد، ولا لغزو الفلبين والقمع بلا رحمة لحركة الاستقلال فيها، ولا للاحتفاء الصريح في كثير من الأحيان بالإبادة الجماعية للهنود الأميركيين، ناهيك عن جميع موبقات التدخل الإمبريالي الأميركي الشمالي على مستوى الكوكب.
ويزداد الأمر غرابة حين نرى تقييمها الإيجابي لمونرو12 وعقيدته حيث يتعمق تحييدها للبعد الإمبريالي والاجتماعي إشكاليةً، إن “حارس الحرية” هذا ما هو إلا أحد “ملّاكي العبيد”، شأنه في هذا شأن عدد كبير من الآباء المؤسسين. وحين تُدرجه ضمن التقليد التأسيسي الأميركي للحرية الليبرالية بدون أن تذكر أنه كان مشاركًا مباشرةً في نظام نزع الحرية هذا. ولا تُفهم عقيدته، لديها، إلا بوصفها إجراءً دفاعيًا يحمي فضاء الحرية من الخارج، بينما تُعزل شروطها الداخلية – وفي مقدّمها العبودية- عن معيار الحكم السياسي. هكذا يُعاد إنتاج تصورٍ للحرية يفصلها عن البنى التي قامت عليها، ويُحيّد العبودية بوصفها مسألة “اجتماعية” خارج نطاق السياسة، هذا في انسجامٍ مع نفورها النظري من الاجتماعي وتفضيلها لتقييم التأسيس الدستوري بمعزل عن علاقات الهيمنة التاريخية.
إن العنصرية داخل الولايات المتحدة وفق أرندت لا يمكن فهمها ابتداءً بوصفها قضية سياسية خالصة، بل بوصفها مسألة اجتماعية ينبغي التمييز فيها بين نطاق الحقوق القانونية ونطاق العلاقات الاجتماعية. ففي مقالها الشهير “Reflections on Little Rock”، تفصل أرندت فصلًا حادًا بين المجال السياسي، حيث تُطالب بالمساواة أمام القانون والحقوق المدنية، وبين المجال الاجتماعي، الذي ترى أن تدخل الدولة فيه – ولا سيما عبر فرض الاندماج المدرسي- يُعدّ تسييسًا غير مشروع للعلاقات الاجتماعية، واستخدامًا للأطفال كوسائل لتحقيق غايات سياسية. بالنسبة لها فإن “المسألة الاجتماعية ليست مسألة سياسية، ولا يمكن حلّها بوسائل سياسية”، عدا عن أن “تكافؤ الفرص ليس مساواة في الأوضاع”. ويندرج هذا الموقف ضمن نسق أوسع في فكرها، إذ لا تُدرج أرندت العنصريةَ الأميركيةَ ضمن سلسلة تاريخية تبدأ بالعبودية كنظام سيطرة تأسيسي، بل تتعامل معها كخلل اجتماعي داخلي، منفصل عن تاريخه الضارب عميقا في الاستعمار والاستيطان. ويتعزّز هذا الفصل في أعمالها الكبرى، حيث تحتفي بالثورة الأميركية بوصفها نجاحًا سياسيًا رغم استمرار العبودية، وكذلك عندما تُحلَّل الإمبريالية والعنصرية بوصفهما ظاهرتين أوروبيتين متأخرتين، مستبعدة التجربة الأميركية من النقد الإمبريالي البنيوي. وبهذا، لا تنكر أرندت وجود العنصرية، لكنها تُعيد تحديدها مفهوميًا على نحوٍ يُنتج صمتًا تحليليًا، إن لم يكن أخلاقيًا أيضًا، حيال جذورها التاريخية، ويحدّ من مُساءلة الدولة عن تفكيك بنى الهيمنة التي نشأت تاريخيًا في قلب التجربة الأميركية نفسها. وحين تُدرج أرندت العنصرية تحت مسمّى “المسألة الاجتماعية”، فإنها تحصرها ضمن هذا النطاق، وتقصيها عن المجال السياسي، بما يحدّ من إمكان مساءلتها بوصفها بنية هيمنة تكونت تاريخيًا.
3. الثورة الفرنسية: إدانة تسييس المساواة
يتبدّى لدى حنّة أرندت نفورٌ نظري واضح من “الاجتماعي”، إذ تنظر إليه بوصفه مجالًا للضرورة والحاجة والإكراه، وترى فيه خطرًا دائمًا يهدّد السياسة بوصفها فضاءً للحرية والفعل. ويظهر هذا النفور بجلاء في مقاربتها للثورة الفرنسية؛ ففي مقابل تمجيدها للثورة الأميركية بوصفها تجربة تأسيسية نجحت في عزل السياسي عن الاجتماعي، تُدين أرندت الثورة الفرنسية لأنها أدخلت الفقر والحاجة إلى قلب المجال السياسي، معتبرةً أن هذا الإدخال هو ما قاد إلى انزلاق الثورة نحو العنف. وبهذا المعنى، لا تعود الامتيازات الطبقية أو البنى الاجتماعية القائمة هي أصل الانحراف، بل تصبح العدالة الاجتماعية ذاتها موضع الإدانة. ويعكس هذا الانقلاب السببي افتراضًا ليبراليًا يرى السياسة مجالًا للنقاش بين مواطنين متكافئين سلفًا، ويُجرِّم أي محاولة لتوسيع هذا المجال ليشمل أولئك الذين أُقصوا عنه تاريخيًا بفعل علاقات الهيمنة وعدم المساواة.
تبدو مقاربة أرندت للثورة في تعارضٍ حاد مع التصور الهيغلي للتاريخ السياسي؛ فبينما يرى هيغل أن الحرية الحديثة لا تتبلور إلا عبر الصراع الاجتماعي وتناقضات المجتمع المدني، وأن الدولة هي حصيلة جدلية لتوسّع الحرية عبر إدماج ما كان مستبعدًا، تنطلق أرندت من افتراضٍ معياري يُدين إدخال “الاجتماعي” إلى السياسة بوصفه انحرافًا عنها. وبهذا، تقطع أرندت مع المنطق الجدلي الذي يجعل من الضرورة والحاجة محرّكًا تاريخيًا لتوسّع المجال السياسي، وتستبدله بتصورٍ يرى السياسة فضاءً مكتملًا يجب حمايته من مطالب المساواة، لا إعادة تشكيله عبرها.
| “في الثورة” تُقيَّم أرندت الثورة الأميركية بمعزل عن العبودية |
وبينما يقيَّم هيغل الثورة الفرنسية تقييمًا عاليًا بوصفها لحظةً تاريخية مفصلية جسّدت ولادة الحرية الحديثة، حيث عبّرت- رغم عنفها وتناقضاتها- عن إدخال المبدأ الكوني للحرية إلى قلب التاريخ. في المقابل، تنظر أرندت إلى الثورة الفرنسية بوصفها مثالًا على انحراف السياسة حين تُسيَّس الحاجة والفقر، وتُحمِّل إدخال “المسألة الاجتماعية” إلى المجال السياسي مسؤولية العنف الثوري. تكشف هذه المفارقة اختلافًا جذريًا في فهم السياسة: فعند هيغل، تُوسِّع الثورة المجال السياسي عبر الصراع، بينما تسعى أرندت إلى حماية هذا المجال السياسي بعزله عن التناقضات الاجتماعية.
إن إدانة الثورة الفرنسية لا تُشكّل موقفًا تاريخيًا معزولًا، بل تقود نحو تبني وظيفة مفاهيمية تمهّد لنزع الشرعية عن الثورات غير الأوروبية لاحقًا؛ فكل ثورة تُسيّس الفقر والمساواة تُصنَّف بوصفها خطرًا على الحرية، إذ تُحمِّل أرندت إدخال الفقر والحاجة إلى المجال السياسي مسؤولية إزاحة الحرية ذاتها، معتبرةً أن “الحرية اضطُرّت إلى أن تفسح المجال للضرورة” حين “ظهر الفقراء على المسرح”13.
4. “العالم الثالث”: من نزع الحقيقة إلى نزع الشرعية
يبلغ هذا المنطق ذروته حين تصف أرندت “العالم الثالث” بأنه” ليس حقيقة بل أيديولوجيا”14. وفي مقابلة لاحقة معها، كررت هذا الإعلان؛ “أنا مع الرأي القائل بأن العالم الثالث هو بالضبط ما قلته، أيديولوجيا أو وهم. أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية ــ هذه هي الحقائق”15.
هذا الحكم لا ينفي توصيفًا اصطلاحيًا فحسب، بل يسحب الاعتراف السياسي عن ثورات التحرّر الوطني. فحين يُنزع عنها شرط “الحقيقة”، تُدان الثورة سلفًا بوصفها انفعالية أو غير ناضجة سياسيًا. ولكن إذا كان العالم الثالث مجرد تجريد أيديولوجي، فلماذا يشكل المفهوم آسيا “حقيقة”؟ إننا نتحدث هنا عن حقائق سياسية: ومن السخف أن نقارن آسيا كمقولة جغرافية بالعالم الثالث، الذي هو بوضوح مقولة سياسية. والواقع أن آسيا عندما أدلت أرندت بإعلانها كانت تحتضن حقائق سياسية متناقضة. فكان التفاوت في الدخل الذي يفصل اليابان عن البلدان الأقل نموًا هائلًا. وكانت الفظائع التي لطخت بها إمبراطورية الشمس المشرقة نفسها في محاولتها استعمار واستعباد جيرانها الآسيويين لا تزال حية في الذاكرة16.
يتعزّز هذا الإقصاء حين تقرر أرندت بأن “الفقر أكثر من مجرد حرمان؛ إنه حالة من الحاجة والعوز الدائمين، وضعٌ تكون فيه الحياة الإنسانية مهدَّدة باستمرار بالبؤس. وقد أصاب هذا البؤس البشرية منذ أقدم العصور، وبقي لعنةً على الإنسانية خارج العالم الغربي”17. وهكذا تُعاد صياغة الحرية كخاصية جيوسياسية، لا كعلاقة صراع مع وضد الاستغلال والاستعمار.
5. في نقد المنظور الليبرالي لحنة أرندت
وكما رأينا وبالرغم من أن أرندت لا تُعدّ منظِّرة ليبرالية تقليدية، لكنها تُسهم في بلورة أفقٍ معياري لليبرالية الأطلسية، حيث تُفهم الحرية السياسية بوصفها تأسيسًا دستوريًا معزولًا عن الصراع الاجتماعي، وتُقاس شرعية الثورة بمدى اقترابها من النموذج الأميركي وابتعادها عن تسييس الفقر والمساواة. بينما يتيح لنا نقد دومينيكو لوسوردو لليبرالية قراءة هذا التحوّل بوصفه انخراطًا فلسفيًا في منطق الإقصاء الليبرالي، وانخراطًا موضوعيًا في أيديولوجيا الحرب الباردة. فالليبرالية، كما يبيّن لوسوردو، لم تكن يومًا نقيضًا للاستعمار، بل قامت تاريخيًا على حصر الحرية في جماعة محدّدة، مع إقصاء العبيد والسكان الأصليين والمستعمَرين18. من هذا المنظور، يصبح “نجاح” الثورة الأميركية – كما تصوّره أرندت- تعبيرًا عن نجاح الإقصاء، لا عن تجاوزه.
الخلاصة
تُظهر هذه المقالة أن الانزياح الليبرالي التام عند حنّة أرندت لا يتمثّل في دفاعٍ عرضي عن الولايات المتحدة، بل يذهب أبعد من هذا إلى إعادة تعريفٍ معياري للحرية نفسها، بحيث يجعلها غير قابلة للتحقّق إلا داخل أفقٍ ليبرالي– غربي مغلق. فمن خلال تمجيد الثورة الأميركية بوصفها نموذجًا تأسيسيًا، وإدانة تسييس المساواة في الثورة الفرنسية، ونزع الشرعية عن ثورات التحرّر، حين تُدخل هذه الثورات الفقر والحاجة والعدالة الاجتماعية إلى السياسة، تُعيد أرندت صياغة الثورة لا بوصفها أفقًا للتحرّر، بل كخطرٍ دائم ينبغي احتواؤه. ومن ثمّ، فإن استعادة العلاقة البنيوية بين الثورة والاستعمار تظلّ شرطًا نظريًا لا غنى عنه لفهم وممارسة الحرية السياسية خارج حدودها الليبرالية الضيّقة والمرسومة أطلسيًا، وكشف ما تستبعده حنة أرندت من تاريخ العنف والهيمنة باسم حماية السياسة ذاتها.
*****
(*) Patricia Owens باتريشيا أوينز: منظّرة سياسية وباحثة في العلاقات الدولية، تشغل مناصب أكاديمية مرموقة في جامعات بريطانية، وتُعرف بإسهاماتها في تقاطع النظرية السياسية مع دراسات الحرب والإمبراطورية. تركّز أعمالها على تحليل العلاقة بين الفكر السياسي الغربي وممارسات العنف، ولا سيما في السياقات الاستعمارية، مع اهتمام خاص بإعادة قراءة مفكرين مثل أرندت. وقد قدّمت في كتاباتها – ومن أبرزها Between War and Politics وEconomy of Force- نقدًا معمّقًا للتقاليد الليبرالية، مبيّنة كيف تشكّلت مفاهيم مثل “القوة” و”السياسة” داخل تاريخ إمبريالي، الأمر الذي يجعلها من الأصوات المهمة في إعادة التفكير في أسس النظرية السياسية الحديثة.
الهوامش:
1- W. E. B. DuBois, “Segregation in the North,” in W. E. B. Du Bois, Writings(New York: Library of America, 1986), 1243.
2- Hannah Arendt, “Imperialism: Road to Suicide: The Political Origins and Use of Racism,” 1946. 264
3-ibed: 254.
4- Hannah Arendt, The Origins of Totalitarianism(New York: Harcourt Brace, 1973) 458
5- ibed 457
6-Traverso, Enzo. The Origins of Nazi Violence. New York: The New Press, 2003.p.8
7-Traverso, Enzo. Fire and Blood: The European Civil War, 1914–1945. London: Verso, 2016. p. 25
8-Traverso, Enzo. The Origins of Nazi Violence. New York: The New Press, 2003 p. 16
9-Hannah Arendt, On Revolution (New York: Viking Press, 1963), 19–21.
10–Racism in the Theory Canon: Hannah Arendt and ‘the one Great Crime in which America was Never Involved’ Patricia Owens Sussex University
11-Hannah Arendt, “Reflections on Little Rock,” Dissent 6, no. 1 (1959): esp. 45–46
12- Hannah Arendt, On Revolution p. 19–21
13-ibed p. 48, 59
14-Hannah Arendt, “On Violence,” in Hannah Arendt, “Crises of the Republic”(New York: Harcourt Brace, 1972), 123.
15-Hannah Arendt, interview, “Thoughts on Politics and Revolution” in Crisis of the Republic, 209‒10.
16-” الماركسية الغربية”، دومينيكو لوسوردو، 2024، ترجمة هشام روحانا، قيد الطباعة.
17- Hannah Arendt, On Revolution (New York: Viking Press, 1963), p.50
18- الليبرالية تاريخ مضاد، دومينيكو لوسوردو، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2024.