ملخص
من الصعب تصور أن يقدم النظام الخميني، من تلقاء نفسه، انتصاراً سياسياً للولايات المتحدة.
في وقت يبدو أن الرقصة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران لا نهاية لها حول تنفيذ الاتفاق الذي وُقِّع قبل أسابيع، تتجه الأوضاع في الخليج، على ضفتيه العربية والفارسية، نحو خطر متزايد قد يقود إلى الانهيار. فالجهود الكبيرة التي بذلتها إدارة الرئيس دونالد ترمب لإيجاد أرضية مشتركة، ثم نقاط تفاهم، وصولاً إلى وثيقة متفق عليها مع إيران، أفضت إلى “اتفاق” اعتبرته الإدارة الأميركية انتصاراً، بينما قرأه النظام الخميني على أنه مرحلة انتقالية. وهنا يبرز سؤالان أساسيان، إذا كان النظام يعتبر أن الاتفاق مجرد مرحلة انتقالية، فإلى أي وضع نهائي يسعى؟ وإذا لم يقدم على تسوية أزمة مضيق هرمز، فهل ستتراجع واشنطن وتقبل بالأمر الواقع الذي تحاول طهران فرضه؟ أم أن ترمب سيلجأ إلى إجراءات مضادة أكثر حزماً تصل إلى السيطرة الكاملة على المضيق؟
تشعر طهران بأنها ربحت جولة دبلوماسية على رغم خسارتها الحرب العسكرية أمام الولايات المتحدة. فمع أن قدراتها أصبحت تقتصر على قواتها البرية داخل أراضيها بعد خسارة قواتها الجوية والبحرية ومعظم ترسانتها الصاروخية الباليستية، فإن النظام نجح في الحفاظ على قواته البرية الباقية لحماية القيادة وخوض معركة التفاوض.
وكما أوضحنا في مقالات سابقة، فإن قوة الوعد المالي، المتمثل في استثمارات ضخمة تقارب 300 مليار دولار، أقنعت حلفاء الإدارة الأميركية في الأوساط الاقتصادية بالضغط على البيت الأبيض لقبول حل تفاوضي، غير أن القيادة الخمينية ركزت بصورة أساسية على العائدات المالية، بدءاً من مبلغ الـ 24 مليار دولار الموعود به، ثم عائدات بيع النفط والغاز، وأخيراً الاستثمارات البالغة 300 مليار دولار.
ومن شأن هذه التدفقات المالية أن تنعش اقتصاد النظام، وتعيد تعويض خسائره العسكرية، وتستعيد صدقيته لدى حلفائه في المنطقة، كما قد تضعف عزيمة خصومه الإقليميين، بمن فيهم إسرائيل والدول العربية الخليجية والشعب الإيراني وسائر حركات المعارضة في المنطقة.
لكن النظام يدرك أيضاً أن ما حققه على الورق من المحتمل ألا يدوم طويلاً إذا ما قرر ترمب تغيير مساره السياسي. ولهذا وجد “الحرس الثوري” وشركاؤه الماليون أنفسهم أمام معضلة، هل يباشرون تنفيذ مذكرة التفاهم كما هي؟ أم يركزون فقط على البنود المالية؟
ويبدو أن النهج الذي اعتمدته طهران حتى الآن يتمثل في إبقاء مذكرة التفاهم قائمة مع السعي إلى إعادة ترتيب أولوياتها بما يخدم مصالحها. ووفق هذا الترتيب، أصرّت القيادة الإيرانية على أن تكون الأولوية لتحويل مبلغ الـ 24 مليار دولار، ثم توسيع مبيعات النفط والغاز، ثم توفير الحماية لـ”حزب الله” في لبنان، وأخيراً فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز.
الموقف الأميركي
تنظر الولايات المتحدة إلى الاتفاق من زاوية مختلفة، إذ أكد ترمب أن بلاده هي التي انتصرت في الحرب، وأنها هي التي قدمت إلى النظام مخرجاً من الأزمة، وليس العكس، لذلك رتبت واشنطن أولويات التنفيذ بصورة مختلفة، فطالبت النظام بفتح مضيق هرمز بصورة دائمة ومن دون فرض أية رسوم، وفقاً لأحكام القانون الدولي كما ينص الاتفاق. وطالبت أيضاً بنقل ما بقي من المواد النووية التي وصفتها بـ”الغبار النووي”، إلى الولايات المتحدة أو إلى دولة ثالثة تتولى التحقق من عملية النقل. وربط ترمب بصورة واضحة أي تحويل للأموال بتحقيق تقدم في ثلاثة ملفات رئيسة، فتح مضيق هرمز وتسليم “الغبار النووي” ووقف دعم الميليشيات التابعة لإيران.
ورداً على ذلك، استخدمت طهران “صمام هرمز” كورقة ضغط لإجبار واشنطن على تحويل الأموال أولاً، مما أدى إلى جولات تفاوضية مكوكية بين الوفدين في الخليج وعواصم أخرى حول العالم.
وفي الوقت نفسه، يشهد البلدان انقسامات سياسية داخلية، ففي إيران تتصاعد الخلافات بين التيار المتشدد داخل “الحرس الثوري” والبيروقراطية الحكومية.
أما في الولايات المتحدة، فشنت المعارضة الديمقراطية حملة سياسية ضد واشنطن، متهمة إياها بالفشل في إدارة المفاوضات.
الخيارات المطروحة
وعلى رغم كل ذلك، تبقى الحقائق الاستراتيجية كما هي، فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك التفوق العسكري في المنطقة وفي مواجهة إيران. وإذا قررت ذلك، فإنها تستطيع استئناف هجومها العسكري وإجبار قيادة النظام على التراجع وإسقاط الاتفاق وفرض شروطها بالقوة.
لكن تنفيذ هذا الخيار يتطلب وجود شريك داخل إيران، أي قوة على الأرض تستطيع إنهاء النظام وترجمة النتائج العسكرية إلى واقع سياسي يخدم أهداف واشنطن.
وحتى الآن، لم تُعلن الإدارة الأميركية عن وجود مثل هذه الشراكة. ولذلك، فإن السؤال الأساس الذي يواجه الإدارة هو، إلى متى سيواصل النظام الإيراني المماطلة في تنفيذ الاتفاق؟ وإلى متى ستتحمل واشنطن السلوك الإيراني التصعيدي في الخليج؟
من هنا، يمكن أن تتجه التطورات في أكثر من مسار:
فإما أن تقرر الإدارة الأميركية مواصلة الانتظار على أمل تنفيذ الاتفاق حتى بعد انتخابات التجديد النصفي، وإما أن تتخلى عن الاتفاق بالكامل، وتعود لخيار إسقاط النظام. وفي هذه الحالة الأخيرة، من المحتمل أن تختار الولايات المتحدة تنفيذ عملية عسكرية محدودة بدلاً من شن حرب شاملة على إيران، تتمثل في السيطرة العسكرية على مضيق هرمز وإبعاد قوات النظام منه، بما ينهي أي تهديد إيراني لأمن الملاحة الدولية في الخليج.
عملية هرمز محتملة
في حال اتخاذ هذا القرار، ستبرز مناقشات واسعة حول الوسائل العسكرية المطلوبة لتنفيذ مثل هذه العملية. فالسيطرة على الساحل الإيراني وبعض الجزر ستتطلب عمليات جوية كثيفة وإنزال قوات برية وإبعاد وحدات “الحرس الثوري” من الساحل وإخلاء الجزر أو تدمير القوات الموجودة فيها. لكن، وبعيداً من الجوانب الاستراتيجية والتكتيكية التي تستحق دراسة مستقلة، فإن أية عملية في هرمز تحتاج ربما إلى وجود بري أكبر على طول الساحل، وربما إلى مشاركة إيرانيين أحرار في تحرك وطني داخل البلاد.
وفي النهاية، يبقى الخيار بين الانتظار وتحمل أخطاره، أو التحرك سريعاً وتحمل أخطاره أيضاً، فمن الصعب تصور أن يقدم النظام الخميني، من تلقاء نفسه، انتصاراً سياسياً للولايات المتحدة.
فلننتظر ونرَ.
