
ملخص
يرى الكاتبان أن أي وقف لإطلاق النار في أوكرانيا لن يكون بالضرورة مقدمة لإنهاء الحرب، بل قد يشكل أداة جديدة بيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتحقيق أهدافه السياسية التي عجز عن بلوغها عسكرياً، سواء عبر زعزعة الاستقرار الداخلي في أوكرانيا أو تعميق الانقسامات بين الولايات المتحدة وأوروبا.
إن استحضار آخر تجربة سلام تفاوضية مع روسيا يفضي إلى قصة محبطة. فقد غزت روسيا أوكرانيا في مارس (آذار) 2014، وضمت شبه جزيرة القرم، ثم دفعت بقوات نظامية وغير نظامية إلى منطقة دونباس شرق البلاد. وبعد أشهر من الحرب والتدخل المكثف في الشؤون الأوكرانية الداخلية، وقعت موسكو سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار في العاصمة البيلاروسية مينسك في سبتمبر (أيلول) 2014 وفبراير (شباط) 2015. واحتفظت روسيا بالأراضي التي استولت عليها في أوكرانيا وعمدت إلى تعزيز وجودها العسكري فيها. ولم تعالج اتفاقات مينسك أياً من القضايا الجوهرية، غير أن أوروبا والولايات المتحدة تعايشت مع الواقع الذي أوجدته إلى أن شنت روسيا في فبراير 2022 غزوها الشامل لأوكرانيا.
ويكشف مسار مينسك كيف دأب بوتين على مزج الدبلوماسية التقليدية بأساليب الترهيب. فعلى رغم بنائه آلة حربية هائلة، لطالما سعى إلى أداء دور رجل الدولة الأوروبي، كما فعل قبله جوزيف ستالين وعدد من القياصرة الروس قبل ثورة 1917 البلشفية. وينظر بوتين إلى الدبلوماسية باعتبارها شكلاً آخر من أشكال الحرب، وقد استخدم المفاوضات السابقة حول أوكرانيا لتشتيت الانتباه وإبقاء الأوروبيين في حال من الارتباك. وكان يأمل في إحداث انهيار سياسي في كييف، وتراجع اهتمام أوروبا، وتعميق الانقسام داخل العلاقات عبر الأطلسي بفعل صعود الشعبوية. وحين لم تحقق اتفاقات مينسك النتائج التي أرادها، عاد مجدداً إلى خيار الحرب.
وإذا ما وافق بوتين في نهاية المطاف على وقف كامل أو جزئي لإطلاق النار، فمن المرجح أن يتبع الاستراتيجية ذاتها التي اعتمدها قبل عقد من الزمن. فقد رفض حتى الآن بعناد وقف القتال قبل حصوله على تنازلات جوهرية من أوكرانيا، مصراً على أن روسيا تسعى إلى تسوية شاملة لا إلى مجرد تعليق للأعمال القتالية. لكن إذا وافق على هدنة ما، فسوف ينظر إليها بوصفها طريقاً غير مباشر لتحقيق أهداف الحرب التي تعذر تحقيقها في ساحة القتال.
وسيستغل سلاماً ناقصاً لإثارة عدم الاستقرار السياسي داخل أوكرانيا، وحض القوى الموالية لروسيا في أوروبا على الدعوة إلى العودة للتعامل الاعتيادي مع موسكو. وسيأمل في أن يؤدي منح الرئيس الأميركي دونالد ترمب الفضل في التوصل إلى وقف إطلاق النار إلى توسيع الفجوة بين الولايات المتحدة وأوروبا. وإذا وجد أن نتائج هذه الخطوة لا تلبي تطلعاته، فسيكون قادراً على استئناف القتال في أي لحظة، بعدما خاطر فقط بالفترة الزمنية التي قد تتيحها الهدنة لأوكرانيا لالتقاط أنفاسها.
ومن ثم ينبغي للمسؤولين الأميركيين والأوروبيين أن يتعاملوا بحذر بالغ مع الهدف المشروع المتمثل في إنهاء الحرب. فمجرد وقف القتال في أوكرانيا لن تكون له فرصة كبيرة لإنهاء الصراع الأوسع. وما لم يطرأ تغيير جوهري على حسابات بوتين، فقد لا يكون وقف إطلاق النار سوى انتقال إلى المرحلة التالية من الحرب.
طريق مسدود
فشل المشروع السياسي الروسي في أوكرانيا فشلاً ذريعاً. فالكرملين لم يحشد قط القدر من القوة القسرية اللازمة لتحويل أوكرانيا إلى دولة تابعة، وهو ما كان يتطلب سيطرة كاملة واحتلالاً طويل الأمد. وعندما غزت روسيا أوكرانيا عام 2022، وهي دولة يزيد عدد سكانها على 35 مليون نسمة، لم تستخدم سوى نحو 150 ألف جندي.
وكان هدفها آنذاك إظهار الحكومة الأوكرانية بمظهر الضعف وانعدام الشرعية، وتحفيز انتفاضات بين الفئات الموالية لروسيا، وإجبار بقية البلاد على القبول بحكومة موالية لموسكو. لكن أربعة أعوام من الحرب الوحشية أفضت إلى النتيجة المعاكسة تماماً، إذ كرست عداء أوكرانيا لروسيا لسنوات، إن لم يكن لأجيال. وبعد استنزاف موارد بشرية وعسكرية هائلة، لم يعد لدى بوتين طريق واضح نحو نصر عسكري. وبعد كل ما بذله من جهود، وجد نفسه في طريق مسدود.
ولإنقاذ موقفه، لا يزال أمام بوتين عدد من خيارات التصعيد، غير أن كلاً منها ينطوي على قيود وأخطار كبيرة. فبوسعه الاستفادة من عدد سكان روسيا البالغ نحو 143 مليون نسمة عبر إصدار أمر تعبئة واسعة النطاق. لكن، استناداً إلى موجة مغادرة الروس البلاد خلال التعبئة الجزئية في خريف 2022، فإن خطوة كهذه ستكون غير شعبية، ولا سيما في المدن الكبرى.
وبوتين المولع بالتاريخ لا بد أنه يتذكر أن شعباً أنهكته الحرب، مدعوماً بجنود غاضبين، أسقط الحكم القيصري في فبراير 1917. كما أنه شهد بنفسه كيف أضعفت الحرب الأفغانية الاتحاد السوفياتي في أواخر الثمانينيات، حتى وإن كان قد رعى لاحقاً إعادة صياغة الرواية الرسمية لتلك الحرب بوصفها مهمة بطولية. باختصار، لا يستطيع بوتين تجاهل القيود السياسية الداخلية التي تفصل بينه وبين خوض حرب شاملة.
ويمكن للرئيس الروسي أن يحاول إخضاع أوكرانيا بالقصف. فمع نقص صواريخ الاعتراض التابعة لمنظومة “باتريوت” لدى كييف، قد تكثف موسكو هجماتها بالصواريخ الباليستية على المدن الأوكرانية خلال الأشهر المقبلة وخلال فصل الشتاء. غير أن الرهان على إغراق السكان في المعاناة الجماعية لتحقيق مكاسب عسكرية يبقى محفوفاً بالأخطار. فقد يؤدي إلى تعزيز صمود الأوكرانيين، كما حدث بعد جرائم الحرب العديدة التي ارتكبتها القوات الروسية في الأسابيع الأولى من غزو 2022.
وينطبق الأمر نفسه على استخدام السلاح النووي، الذي قد يثير استياء الصين والهند، وهما دولتان وفرتا لروسيا متنفساً اقتصادياً مهماً. كما يمكن لبوتين توسيع نطاق الضربات إلى ما يسميه “المناطق الخلفية الاستراتيجية” لأوكرانيا عبر استهداف بنى تحتية دفاعية في دول أوروبية داعمة لكييف مثل بولندا أو دول البلطيق. لكن مثل هذه الخطوات ستكون شديدة الخطورة بالنسبة إلى روسيا بسبب احتمال رد عسكري أوروبي أو حتى أميركي. وبوتين، المعروف غالباً بحذره من المخاطرة، سيفكر ملياً قبل الإقدام على ذلك.
وفي الوقت الذي يدرس فيه خياراته، بدأت كلفة الحرب وغياب الإنجازات العسكرية الفعلية تترك أثرها داخل روسيا. وظهرت تباينات محدودة بين الخبراء والمؤثرين وشرائح من المجتمع الروسي بشأن حرب بوتين التي لا تنتهي. وقد قبل الروس حتى الآن ما تسميه السلطات “العملية العسكرية الخاصة”، إلا أن الضربات الأوكرانية بعيدة المدى جعلت الحرب أقرب إلى حياتهم اليومية. كما أن إحكام الكرملين قبضته على الإنترنت يثير حالة متزايدة من القلق.
وإذا استمر الوضع الراهن للحرب، فإن السخط الداخلي مرشح للتزايد. وهذه العوامل لا تهدد حكم بوتين بصورة مباشرة، لكنه سياسي شديد الحنكة ولا يمكنه تجاهلها. وطوال الحرب، ظل يؤكد أن النصر بات وشيكاً، وأن “القوات الروسية تتقدم في كل مكان”. واليوم بدأت هذه الروايات تفقد صدقيتها. وبينما لا يبدو مستعداً للتخلي عن أهدافه، فقد يكون مستعداً لتغيير المسار. وإذا بقيت التسوية الشاملة بعيدة المنال، فقد يرى في وقف إطلاق النار، أو حتى في مظهره فقط، خياراً أفضل من مواصلة القتال.
بناء التحالفات وتفكيكها
إذا وافق فلاديمير بوتين على وقف إطلاق النار، فلن يكون تركيزه منصباً على أوكرانيا وحدها. فهو يرى روسيا قوة عالمية، وكان غزو عام 2022 تعبيراً عن هذا الطموح الواسع. ويسعى إلى إعادة تشكيل “الجوار القريب” لروسيا، أي الدول المحاذية لها، كما فعل مع بيلاروس، حيث يبقي الرئيس ألكسندر لوكاشينكو تحت سيطرة مشددة.
ويعد بناء شبكة من الجيران المطيعين المسار الذي يراه بوتين لاستعادة مكانة روسيا كقوة أوروبية كبرى. ولو تمكن من إخضاع أوكرانيا، لسعت موسكو إلى التفاوض مع الولايات المتحدة حول البنية الأمنية المستقبلية للقارة الأوروبية، طامحة إلى نوع من الندية مع واشنطن. وعندها كانت روسيا ستبرز قطباً مميزاً في النظام الدولي، وقادرة إلى جانب الصين على ترسيخ عالم متعدد الأقطاب والإسهام في إدارة تراجع النفوذ الغربي.
وخلال الحرب، نجحت موسكو في توطيد علاقاتها مع شركاء من خارج المعسكر الغربي. فبعد انقطاعها عن أوروبا وخضوعها لعقوبات واسعة، وسعت روسيا منافذها الاقتصادية شرقاً وجنوباً. ومع عزلتها الدبلوماسية عن العواصم الغربية، عززت انخراطها في مجموعة “بريكس”، التي تضم في عضويتها الأساسية البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، إلى جانب أطر تعاون أخرى.
وخارج أوروبا وعدد محدود من الدول، لا تزال روسيا تُعد شريكاً تجارياً جديراً بالاهتمام وفاعلاً جيوسياسياً مؤثراً. لكنها، على رغم سعيها إلى توسيع نفوذها عالمياً، واجهت في الآونة الأخيرة صعوبة في استثمار الفرص المتاحة لها، إذ استنزفت الحرب في أوكرانيا معظم قدراتها ومواردها. فمنذ عام 2022، تراجع نفوذ موسكو في الشرق الأوسط، مع خسارتها حليفاً رئيساً مثل الرئيس السوري السابق بشار الأسد، كما تآكل حضورها في جنوب القوقاز، حيث تفوقت الولايات المتحدة عليها دبلوماسياً. أما في منطقة الساحل، فأصبحت الضمانات الأمنية التي تقدمها روسيا موضع تشكيك، بعدما أثبت وجودها العسكري المحدود عدم قدرته على إنهاء التهديد الذي تمثله الجماعات المسلحة في مالي.
وفي ما يتعلق بأهداف بوتين تجاه الولايات المتحدة، فقد أحرز بعض التقدم. إذ كان أحد أهداف غزو أوكرانيا عام 2022 دفع واشنطن إلى تقليص وجودها العسكري في محيط روسيا. وبدا في البداية أن هذه الخطة جاءت بنتائج عكسية، بعدما دفعت الحرب فنلندا والسويد إلى الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. لكن منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، أخذت العلاقة عبر الأطلسي تتفكك تدريجاً. وأصبحت المادة الخامسة من ميثاق “الناتو”، التي تنص على الدفاع الجماعي بين الحلفاء، تواجه أزمة في المصداقية. ولم تعد إدارة ترمب تبدي اهتماماً بضمان الأمن الأوروبي، بل أعلنت خططاً لسحب أصول عسكرية من أوروبا قبل أن تصبح الدول الأوروبية مستعدة لتعويضها، مما يقوض قدرة القارة على الدفاع عن نفسها. وقد تستمر هذه التحولات، حتى وإن كانت تعكس إلى حد ما الطابع المتقلب لترمب، إلى ما بعد انتهاء ولايته. وبالنسبة إلى بوتين، فإن ابتعاد الولايات المتحدة عن أوروبا يمثل هدية استراتيجية، وسيبذل كل ما في وسعه لضمان استمرار هذا المسار.
لكن في الوقت نفسه، وبينما تتراجع الجهود الأميركية لردع روسيا في أوروبا، تبذل أوروبا جهوداً أكبر لدعم أوكرانيا. وفي عام 2026 لم تعد المشكلة الأساسية لبوتين هي واشنطن، بل أوروبا. فالكرملين اعتاد تصوير أوروبا على أنها كتلة مفككة من الدول المترهلة والمنصاعة للولايات المتحدة، إلا أن الواقع بدأ يثبت لموسكو أن هذه الصورة كانت مبالغاً فيها. فأوروبا تحركت لتعويض تراجع الدعم الأميركي لأوكرانيا، وبدأت الاستثمار بصورة أكبر في قدراتها الدفاعية، بما في ذلك تطوير قدرات الضربات بعيدة المدى القادرة على استهداف الأراضي الروسية. كما أنها ما زالت متمسكة برفض أي تفاوض مع روسيا على حساب أوكرانيا. ولذلك أصبحت أوروبا العقبة الخارجية الأكبر أمام طموحات بوتين في إخضاع أوكرانيا.
تنازل لا تخلٍّ
لن يوافق بوتين على وقف إطلاق النار إلا إذا كان يخدم أهدافه الأصلية من الحرب. وقد تكون تفاصيل الاتفاق أقل أهمية من خططه للمرحلة اللاحقة. ومن المؤكد تقريباً أنه سيربط دعمه لأي هدنة بالدعوة إلى إجراء انتخابات في أوكرانيا. وخلال تلك الانتخابات ستسعى روسيا إلى تقويض العملية الانتخابية واللجوء إلى التضليل الإعلامي ونشر روايات تتهم الرئيس فولوديمير زيلينسكي وحلفاءه بالفساد. ويمكن تضخيم أي اضطراب سياسي وتقديمه للأوروبيين بوصفه مبرراً لاستبعاد أوكرانيا من المؤسسات السياسية والقانونية والأمنية الأوروبية.
وتفترض موسكو أن الدعم الأوروبي لأوكرانيا يبقى قوياً طالما أن الحرب مستمرة، لكنه قد يتراجع إذا اختفى العنف من واجهة المشهد، بما يتيح فرصة لعزل أوكرانيا عن أوروبا وعرقلة مسار انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. ويمكن لروسيا أن تغرق الجميع في مفاوضات طويلة ودائرية ومحرجة حول شروط “السلام”. وقد تحاول تهميش دول البلطيق وغيرها من دول أوروبا الشرقية كلما أمكن، وتشجيع الأطراف الأوروبية الأكثر ميلاً إليها على إضفاء الشرعية على الوجود العسكري الروسي في الأراضي التي تسيطر عليها وقت وقف إطلاق النار.
وقد فعلت موسكو ذلك بالفعل عامي 2014 و2015 عندما أصرت على الاعتراف بما يسمى “جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك الشعبيتين”، وعلى القبول الضمني بضم شبه جزيرة القرم. وبينما لم تنجح هذه المقاربة بالكامل في دونباس، فإنها نجحت في قضية القرم التي تحولت تدريجاً إلى ملف تراجع حضوره في الخطاب السياسي الغربي.
لن يوافق بوتين على وقف إطلاق النار إلا إذا كان يخدم أهدافه الأصلية من الحرب
وسيتمثل هدف موازٍ آخر للهدنة في تعميق الانقسامات القائمة بين الولايات المتحدة وأوروبا. فقد يسلط بوتين الضوء على ترمب بوصفه الزعيم الذي ساعد في إنهاء الحرب، ورجل السلام في أوروبا. وقد يختار الكرملين توقيت هذه الحملة بالتزامن مع انتخابات التجديد النصفي الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني)، أملاً في تعزيز فرص الجمهوريين المدعومين من ترمب وتقليص احتمالات عودة سياسات أكثر دعماً لأوروبا و”الناتو” وأوكرانيا في واشنطن. وفي أعقاب وقف إطلاق النار، قد تقدم روسيا دعماً مباشراً أو غير مباشر لأحزاب أوروبية تدعو إلى تطبيع العلاقات معها.
ومن خلال قبول وقف إطلاق النار من دون التخلي عن أهدافه، يمكن لبوتين أن يمنح نفسه متنفساً داخلياً، وأن يعيد توجيه جزء من الموارد لدعم النفوذ الروسي في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب القوقاز. وقد يبدو مستجيباً لتحذيرات نخب روسية ترى أن أوكرانيا ليست سوى ساحة واحدة ضمن المواجهة الأوسع مع الغرب، وأن استنزاف كل الموارد في حرب عقيمة ليس خياراً رشيداً. كذلك سيتيح له وقف إطلاق النار استغلال أي فرص جديدة قد تنشأ من التحولات السياسية داخل أوكرانيا أو أوروبا أو الولايات المتحدة. وفوق كل شيء، سيبقى يترقب ظهور فوضى سياسية في كييف، وهو ما يسعى إليه منذ عام 2015.
ولهذا السبب، يجب على المسؤولين في أوكرانيا وأوروبا والولايات المتحدة الذين يفكرون في التفاوض مع روسيا أن ينظروا إلى ما هو أبعد من وقف إطلاق النار. وإذا توصلت كييف إلى اتفاق مع موسكو، وهو هدف مفهوم تسعى إليه، فإن إنهاء الصراع بصورة مستدامة لن يكون ممكناً إلا إذا تغيرت الحسابات الروسية بصورة حقيقية. وسيتعين على كييف وحلفائها دفع موسكو إلى التخلي عن طموحها في الهيمنة على أوكرانيا، وهو أمر يصعب تخيله ما دام بوتين في الكرملين. ومن ثم فإن الرد المناسب على تعنته المدروس في عام 2026، كما كان ينبغي أن يكون في عامي 2014 و2015 حين جرى التقليل من شأن قسوته، يتمثل في مساعدة أوكرانيا على ضمان أمنها واستقلالها على المدى الطويل. وإذا توقف القتال بالفعل، فلا ينبغي لأوكرانيا وأوروبا والولايات المتحدة أن تنشغل بتهنئة نفسها، بل أن تبقى مركزة على نزعة بوتين إلى التفريق ثم الهيمنة. وقد يكون ذلك تحديداً هو السبب الذي يدفع روسيا أصلاً إلى التفكير في وقف إطلاق النار.