التحقيق في انفجار مرفأ بيروت
هلا نهاد نصرالدين (درج) وسلمى مهاود (OCCRP)
التحقيق في انفجار مرفأ بيروت أمام فرصة نادرة في سياق الكشف عن الملابسات، التي أحاطت بهذا الحدث الهائل، الذي نجم عنه تدمير نحو ربع العاصمة اللبنانية، وخلّف أكثر من 200 ضحيّة وآلاف الجرحى.
فبعد إلقاء السلطات البلغارية القبض على المواطن القبرصي الروسي إيغور غريتشوشكين، الذي كان يستأجر سفينة “روسوس” التي نقلت شحنة نترات الأمونيوم إلى لبنان، وانفجرت لاحقاً، وذلك إثر وصوله إلى مطار صوفيا قادماً من قبرص في 5 أيلول/ سبتمبر 2025، أكّد وزير العدل اللبناني عادل نصّار، في مقابلة مع موقع “درج”، أن “العمل جارٍ حالياً على تجهيز ملفّ الاسترداد، ويتمّ الإسراع في إنجازه ومتابعة الإجراءات عبر التواصل مع سفير بلغاريا إياسين توموف، بهدف إرسال الطلب بأسرع وقت ممكن، ومن المتوقّع أن يصل طلب الاسترداد إلى السلطات البلغارية مطلع الأسبوع المقبل”.
يُعتبر هذا التوقيف مهمّاً في سياق التحقيقات الجارية، إذ إن الشخص المعنيّ يرتبط بشكل مباشر بشحنة نترات الأمونيوم التي وصلت إلى لبنان، والاستماع إليه يُعدّ ضرورة قصوى، بحسب نصّار.
وقد أشار نصّار إلى “وجود معاهدة تعاون بين لبنان وبلغاريا تتيح تقديم طلب الاسترداد”، مؤكّداً أن “تنفيذ هذا الطلب سيُشكّل نقطة تحوّل أساسية في ملفّ التحقيق”، كما أوضح أنه تواصل مع السفير البلغاري في لبنان لـ”تسريع الإجراءات وتحضير اجتماع قريب”، مشدّداً على أن “ما يجري اليوم يُعدّ استمراراً للجهود القضائية السابقة، التي بدأها القاضي طارق البيطار بدعم من النيابة العامّة التمييزية ووزارة العدل ضمن صلاحياتها”.
في مقابلة لفريق التحقيق، يقول النائب والمحامي ملحم خلف، نقيب المحامين سابقاً: “إن توقيف غريتشوشكين أعاد ملفّ المرفأ إلى الواجهة الدولية، ومنح التحقيق اللبناني دافعاً إجرائياً مهمّاً: إمّا تقديم طلب استرداد خلال مهلة محدّدة، وإمّا توجيه استنابة قضائية عاجلة لاستجوابه وجمع الأدلّة، كما يفتح هذا التطوّر الباب أمام استكمال “سلسلة الحيازة” لشحنة النترات، وظروف وصولها وتركها في المرفأ، مع الإشارة إلى أنه سبق أن جرى سماع الشخص المذكور، على إثر تفجير ٤ آب ٢٠٢٠ في قبرص”.
جمعيّة أهالي الضحايا: نطالب بمحاسبة جميع المسؤولين
يُشار إلى أن غريتشوشكين يحمل الجنسيّتين الروسية والقبرصية، وقد تمّ توقيفه بعد عمليّة تدقيق على الحدود، حيث تبيّن وجود مذكرة توقيف دولية بحقّه، وذلك بحسب ما أفاد به متحدّث رسمي باسم الوزارة لمركز BIRD البلغاري التابع لـمشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد OCCRP، شريك “درج”.
وأوضح المتحدّث في بريد إلكتروني أن “غريتشوشكين لم يقاوم الاعتقال، وطلب مقابلة محامٍ، وبعد التحدّث إليه تعاون بشكل كامل مع شرطة الحدود”، وتبيّن من تقارير OCCRP أنه كان يُعرف على نطاق واسع، باعتباره مالك السفينة المولدوڤية MV Rhosus التي نقلت نترات الأمونيوم إلى لبنان، بينما كشفت التحقيقات أنه كان مستأجراً للسفينة فقط، أمّا مالكها الفعلي فهو رجل أعمال قبرصي.
في هذا السياق، قالت المحامية زينة واكيم، من منظّمة Accountability Now، في مقابلة مع “درج”: “إن غريتشوشكين ليس سوى جزء صغير من الأحجية، ويجب على القضاء اللبناني أن يوسّع دائرة التحقيقات لتشمل شبكة الفساد الأشمل التي أدّت إلى الانفجار، وليس فقط الإهمال في التخزين. ويتضمّن ذلك أيضاً دور الجيش الذي سمح بتفريغ السفينة رغم إعلام اليونيفيل بأنها تحمل موادّ متفجّرة، فضلاً عن ضرورة معرفة الجهة التي كانت المتفجّرات متوجّهة إليها”.
وفي الإطار ذاته، شدّدت رئيسة جمعيّة “أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت” ماريانا فاضوليان (شقيقة الضحيّة غايا فاضوليان) في حديثها لـ”درج”، على ضرورة محاسبة جميع الأطراف المسؤولة، وكلّ من كان له دور في استقدام أو إدخال شحنة نترات الأمونيوم إلى لبنان، أو في أي جزء من القضيّة، قائلة: “نحن نطالب بمحاسبة جميع المسؤولين مهما كانت طبيعة أو درجة مسؤوليّتهم في هذه القضيّة، ولسنا مع محاسبة شخص أو شخصين فقط”، وأضافت فاضوليان: “مع تشكيل حكومة جديدة وتعيين وزير جديد للعدل، لمسنا إجراء تشكيلات قضائية وتراجع بعض القرارات… فإن الأمور تسير حالياً بوتيرة إيجابية، ونحن كجمعيّة لأهالي الضحايا ملتزمون بالمتابعة والمراقبة الدائمة، ولا يمكننا الاكتفاء بالمراقبة فقط، بل نبقى في حالة متابعة مستمرّة لكلّ التطوّرات المرتبطة بالتحقيق”.
لا بدّ من التذكير أنّ غريتشوشكين كان قد أدلى بإفادته كشاهد في العام 2020 “ولم تتضمّن هذه الإفادة يومها معطيات جديدة مقارنة بما هو ثابت في الملفّ، ما يعني أن تكرارها بحرفيّتها قد لا يغيّر كثيراً في مسار التحقيق… إذ إن الأمر يرتبط حصرياً بمضمون إفادته: فإذا قدّم معطيات جديدة تختلف عن أقواله السابقة، قد يساهم ذلك في إضاءة جوانب مهمّة من الملفّ، خصوصاً لجهة تحديد الوجهة الحقيقية للشحنة وهويّة أصحابها الفعليين”، بحسب النائب ملحم خلف، الذي أشار إلى “وجود اتّفاقية قضائية بين لبنان وبلغاريا صادرة بالقانون رقم 468/2002، تنظّم موضوع الاسترداد بين البلدين. هذه الاتّفاقية تتيح من حيث المبدأ، تسليمه إلى القضاء اللبناني، غير أنه قد تبرز عقبات تتعلّق بخصوصية المحاكمة في هذه القضيّة في لبنان”.
يقول أحمد مروّة مدير مبادرة “معاً” للعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وصاحب مبادرة موقع “بيروت 607” الذي يوثّق قصص ضحايا انفجار 4 آب، في تصريح لمعدّي التحقيق: “إن هذا التطوّر يُعدّ بالغ الأهمّية، ويعكس ترابط مسارات العدالة المحلّية والدولية”، ويضيف: “توقيف المعنيّ يمنح لبنان فرصة حقيقية لاكتشاف حقائق إضافية حول ما جرى، ويوضح أنه إذا أتيحت فرصة استجوابه، فسيُصبح بالإمكان الإجابة عن أحد الأسئلة الجوهرية المرتبطة بتحديد المالك الحقيقي للشحنة ومعرفة وجهتها النهائية”.
في بريد إلكتروني لشريك “درج”، مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد OCCRP، ردّت محامية إيغور غريتشوشكين، إيكاترينا ديميتروفا التالي:
“دخل إيغور غريتشوشكين بلغاريا في 5 أيلول/ سبتمبر 2025 كسائح مع زوجته. المحكمة البلغارية ليست مختصّة للبتّ في قضيّة إدانة غريتشوشكين، ولا يمكنها حتى توجيه تهم إليه. الإجراءات أمام المحكمة البلغارية تتعلّق فقط باسترداده. في هذه الحالة، تمّ عقد إجراءات قضائية محدّدة بموجب الموادّ ذات الصلة من قانون الاسترداد الأوروبي، وهي إجراءات تسبق عمليّة الاسترداد الفعلية. هذه الإجراءات تُجرى قبل أن تُرسل الدولة الطالبة إلى السلطات المختصّة في الدولة المطلوبة، وهي هنا جمهورية بلغاريا، طلباً رسمياً لاسترداد إيغور غريتشوشكين، والمهلة لتقديم الطلب الرسمي بحسب القانون هي حتى 40 يوماً.
مهمّة المحكمة في هذه الفترة هي تقييم التدبير المناسب، الذي يجب أن يُفرض على الشخص المطلوب خلال هذه المهلة. فقط إذا قُدّم طلب استرداد رسمي خلال هذه الفترة تبدأ إجراءات الاسترداد الفعلية. أما إذا لم يصل الطلب خلال هذه الفترة، فيقوم المدّعي العامّ بإلغاء تدبير التوقيف المؤقّت، وتُرفع كلّ التدابير الأخرى ويُفرج عن الشخص… حالياً، غريتشوشكين موقوف احتياطياً بتدبير “توقيف مؤقّت لمدّة تصل إلى 40 يوماً”.
بحسب موكّلي، تسلسل الأحداث كالتالي (وهو مطابق لما نُشر منذ 2020): في عام 2013، حمّل إيغور غريتشوشكين 2750 طناً من نترات الأمونيوم من جورجيا على سفينة “روسوس”، وكان الوجهة الأخيرة موزمبيق وليس لبنان. الصفقة مؤمّنة بجميع العقود والمستندات اللازمة، والضامن هو شركة تعدين. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، اضطرّت السفينة للتوقّف في بيروت جرّاء مشاكل ميكانيكية. وفي 2014، وبسبب الرسوم غير المدفوعة، صادرت السلطات اللبنانية السفينة، واعتبرتها غير صالحة للملاحة، وصادرت الحمولة ونقلت نترات الأمونيوم إلى مستودع غير مؤمّن في المرفأ، حيث تمّ تخزين الحمولة الخطرة ستّ سنوات من دون مراقبة خاصّة. وبحسب منشورات 2020، كانت الحمولة في أكياس تمزّقت لاحقاً. السفينة غرقت لاحقاً. غريتشوشكين والطاقم أُفرج عنهم وعادوا إلى منازلهم، وبقيت الحمولة في المستودع المذكور ستّ سنوات بشكل غير آمن. إلى أن اشتعلت الموادّ في 4 آب 2020. بحسب إفادة غريتشوشكين، ويُفترض أن سبب الاشتعال هو عمليّة لحام حصلت في مكان التخزين، مما أدّى إلى احتراق نترات الأمونيوم وحدوث الانفجار الكارثي الذي أسفر عن ضحايا ودمار.
سافر غريتشوشكين إلى لبنان وتمّ التحقيق معه من دون أن يُعتقل. كما أوضح أنه في بداية 2020، أرسل المحقّقون اللبنانيون وفداً إلى قبرص، وشرح لهم كلّ ما يعرف عن القضيّة، ولم يطلب اعتقاله، وسافر في السنوات بين 2023 و2025 إلى عدّة دول من دون عراقيل.
في 5 أيلول/ سبتمبر اجتاز مراقبة الجمارك في مطار قبرص بشكل اعتيادي، وسافر إلى بلغاريا كسائح مع عائلته حيث تمّ توقيفه”.
مستقبل التحقيق
يتّفق الجميع على أهمّية هذا التطوّر، مع التأكيد على ضرورة محاسبة جميع الأشخاص، سواء كانوا لبنانيين أو أجانب، وكلّ من ثبتت عليه أي مسؤوليّة في كارثة انفجار مرفأ بيروت.
“التحقيق الداخلي استؤنف في العام 2025 بعد فترة تجميد طويلة. ويؤكّد هذا التوقيف أن الدعوى لا تزال حيّة وتتحرّك بفعالية داخل لبنان وخارجه، بفضل المتابعة الحثيثة من مكتب الادّعاء في نقابة المحامين، وجدّية قاضي التحقيق العدلي. غير أن توقيف غريتشوشكين في بلغاريا، رغم أنه يمنح زخماً وفرصة عمليّة عبر الاسترداد أو الاستجواب، لا يشكّل بحدّ ذاته حلاً سحرياً، ما لم تُستكمل سريعاً الإجراءات القضائية وتُزال العراقيل الداخلية التي تعيق مسار العدالة”، وفقاً للنائب ملحم خلف.
تعدّ واكيم أن هذه الخطوة “مشجّعة جدّاً لأنها تُظهر أن العدالة اللبنانية قادرة، عند الإرادة، على الوصول إلى جميع الأطراف، في أيّ مكان في العالم”، كما يشير مروّة إلى أن “هذا التطوّر يُعيد إحياء النقاش حول العراقيل التي تعترض المحقّق العدلي القاضي طارق البيطار، وقدرته على استكمال الإجراءات كافّة، لتحقيق العدالة الشاملة في ملفّ الانفجار”.
أما ماريانا فاضوليان رئيسة جمعيّة “أهالي ضحايا انفجار بيروت” فشدّدت على أهمّية صدور القرار الظنّي في أسرع وقت ممكن، آملة ألّا يستغرق ذلك زمناً طويلاً بالرغم من تعقيد الملفّ وحاجته إلى متابعة دقيقة، وأعربت عن أملها في أن “تصبّ جميع الإجراءات القضائية في مصلحة القضيّة، ليس فقط من أجل الضحايا، بل من أجل لبنان وكلّ أبنائه”.