عصام حوج..كاتب
يكاد المرء أن يخرج من جلده أمام ما يراه من قبحٍ وسذاجةٍ وغباءٍ ودمٍ مهدور، خصوصاً حين يجد نفسه عاجزاً عن أي فعل مباشر وواقعي في ظل الخراب العام في البلاد. يرتفع لديك ضغط الدم والسكر والكورتيزول، حين ترى أحدهم ـــ ممّن تعرفهم خارج قناع السوشيال ميديا وخوارزمياته ـــ يتفاصح ويتشدّق بما ليس فيه، ويسخر من خطاب اليسار (الوطني الجامع) وهو الذي طالما تمرّغ تحت عباءة اليسار وادّعى الانتماء إليه.
الله وكيلك يا هذا:
اليسار، رغم علله وأمراضه المزمنة، ورغم تيارات فيه تستحق أن تُرمى في مزبلة التاريخ، يبقى أكبر وأعمق وأثقل وزناً من أن يُقيَّم من طرفك. ولا يحق خصوصاً لأمثالك التطاول عليه. ولئلا يُساء الفهم: لست أتعالى بكلامي هذا على أحد، فأنا لا أملك ترف إضاعة الوقت للاستعلاء على تفاهة هذه “الماركة” من البشر..، حذاء أي يساري جاد مفوّض لأداء هذه المهمة إن اقتضى الأمر.
يا (فهمان):
الحفاظ على وحدة سوريا ليس موقفاً أيديولوجياً، ولا علاقة له بـ يسار أو يمين أو حزب أو سلطة. بل هو:
أولاً: اصطفاف مع اتجاه تطور البشرية الذي سار تاريخياً من المكونات الصغيرة نحو البنى الأوسع: الأسرة، العائلة، العشيرة، الدولة، ثم التكتلات الإقليمية والدولية. الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي يحتاج إلى الآخر والتكامل معه. فلا تتذاكى علينا بشعارات الحداثة والمدنية وحق تقرير المصير، ومعرفتك بهذه القضايا لا تتجاوز معرفة أي “سنكري” بعلوم الفضاء.
ثانياً: الادعاء بأن السوريين عاجزون عن التعايش بعد المجازر هراء كامل. المجازر أدوات أمراء الحرب، أما السوريون وثقافتهم العامة شيء آخر تماماً، لا يعرفه إلا من ينفتح على كل السوريين ويصغي إلى هواجسهم، بعيداً عن ثقافة تجار الدم والشعبويات ونزالات السوشيال ميديا. السوريون أنفسهم هم الذين دفنوا مشروع “الدويلات الطائفية والمناطقية” قبل قرن كامل، بحكمة و شجاعة وشهامة رجال أمثال سلطان باشا الأطرش، وصالح العلي، وعبد الرحمن الشهبندر، وفارس الخوري، وآل الحاج، والدقوري. أما التذرع بالمجازر لتبرير الدعوة إلى التقسيم فهو تواطؤ مباشر مع أهدافها؛ لأن التقسيم يعني بالضرورة مجازر وتهجيراً جديداً في بلد متشابك ومندمج إلى هذا الحد. بكلام أوضح: الدعوة الى التقسيم والخطاب الطائفي يعني استكمال مهمة القتلة
ثالثاً: ليس كل من ركب الخيل صار خيّالاً، وليس كل من ادّعى اليسار يسارياً حقاً. وفي هذا المقام اللعنة على ذلك “اليسار” المهزوز والغبـي والمتخلف، الذي سمح لمرضى النرجسية أمثالك أن يجدوا في ميوعته فرصة للتطاول على معنى اليسار وقيَمِه.
يبقى أن نقول: نقد تطاول هذه النماذج على اليسار لا يعني رفض أي محاكمة عقلانية وموضوعية لتجربة اليسار نفسها. النقد شيء، والتطاول الرخيص الذي يجمع بين الغباء والجهل والسعي نحو الارتزاق شيء آخر